{بَــلِ اللَّــهُ يُـــزَكِّـــي مَــن يَــشَــاءُ}( النساء : 49)


التّزْكِية هي التَّنْمية لروح الإنسان السليم الفطرة، حيث تَسْمُو روحُه فتُصبحُ مُتعشِّقة للكَمال الرُّوحي مِن إقبالٍ على الله تعالى بقلْبٍ خالص، وسَعْيٍ صادق، ومن إقبالٍ على كُلِّ عَمَل فيه طاعَةُ الله تعالى ومرضاتُه، ومِن إعْراض عن كل فكْر ، أو نيّة، أو عَمَل فيه معصيةُ الله تعالى وغَضَبُه وسخطه.

والتزكية أيضاً هي التربية على التزكِّي والتطهُّر من جميع الفواحش والنواقص التي تُزْري بقيمة الإنسان وتجعلُه أحطَّ قدراً من الحيوان، فهِيَ وظيفة الأنبياء والمُرسلين الذين ربّاهُم الله تعالى وصَفّاهم ونقّاهم وزَكّاهُم، ثم كَلَّفهم -رسميّاً- بالقيام بوظيفة التعليم على التزكية، وتربية الإنسان على التصرُّفِ السليم في كُلّ المشاكِل الحياتيّةِ، وعلى الوَزْن السليم للكفاءات والخصائص والمعادن الإنسانية، حتى لا تُسْنَدَ الأمور إلى غير أهْلِها فتقوم ساعة التائهين الشاردين، الذين لا يبالُون بالتزكية ولا يحْتَفُون بها، سُلوكاً ووزْناً.

ولقد كان فضْلُ الله تعالى على الأمة الإسلامية عظيما حيث أرسل لها الرسول الخاتِم لِيُعَلِّمَها ما لم تكن تعلَمُ من الكتاب والحِكمة أولا، ولِيُزَكِّيَها من كُلّ الأرْجَاسِ، ثانيا، وليضَعَ أرْجُلَها على المحجَّة البيضاء ثالثا، حتَّى تكون مُؤَهَّلةً لقيادة الناس لكُلِّ خَيْر، وتشْهَدَ عليهم بكل خَيْر يضْمَن لهم المُسْتقْبَل السّعيد في جِنَان الله تعالى العَلِيَّ الحَمِيد {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ علَى المُومِنِين إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً منْ أنْفُسِهِم، يَتْلُوا عَلَيْهِم آيَاتِه، ويُزَكِّيهِم، ويُعَلِّمُهم الكِتَابَ والحِكْمَة، وإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ}(آل عمران : 164).

> لقَدْ تَلاَ عَلَيْهم كتابَ الله العظيم الذي خاطبتْهُم آياتُه البيِّناتُ خطابَ تَكْريمٍ وإِعْزاز، فعَرّفتْهُم بالذات العلية التي تعْنُو لها الجباهُ في تضرعٍ وانكسار، وعرَّفتْهم بالله عز وجل مالك الدنيا والدين، ناصِر المومنين، ومُخزِي الكافرين. وعرَّفتْهُم بواجبهم أمامَ الله تعالى، وحقوقهم عليه سبحانه وتعالى.

> ولقد علَّمهم الرسول  كيف يقرأون الكون كُلّه باسم ربِّه وربهم، باسم الله يفكِّرون، وباسم الله يأكلون ويشربون، وباسم الله يتعلمون ويُعلّمون، وباسم الله يتزوجون ويكوِّنون الأسر والمجتمعات، وباسم الله يقْضون ويحْكمون، وباسم الله يسافرون ويقيمون، وباسم الله يتحركون ويسْكُنون،.. ليكونوا عِباداً لله تعالى مُخلصين لانصيبَ للأهواء والشياطين فيهم.

> ولقد علّمَهم الرسول  كيف يطهِّرون أنفسهم وقلوبَهم وتصوراتهم ومشاعِرهم من أرجاس الشرك والوثنيّة، وأرجاس الخرافات والشعوذات والأساطير والمعتقدات التي لا يُسْنِدها عقْل ولم ينْزل بها شرع صحيح.

> ولقد علّمهم  كيف يطهرون مجتمعاتهم من الفواحش والمنكرات حتى : >أصبح الرجُل المومن يُسافِر بماله كُلِّه خِدمةً للدين ونُصرة للرسول، ويأتي بماله كُله للدفاع عن الدين ومجاهدة المعاندين، ويقول للرسول  عندما يسأله عما ترك لأولاده : >تَرَكْتُ لهُم اللّه ورسُولَه< ونعم الزاد.

< وحتى أصبحت المرأة المومنة من عِلّيّة القوم يتَنَصَّرُ زوجُها جهْلاً أو طمعاً وتبْقَى هي ثابتة على الدين وسط الغُرْبة عن الأهل والوطن راضيةً بالحِرمان من رفاهية الحياة الآمنة في سبيل سلامة دينها كما وقع لأم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنها.

< وحتى أصبح المتخاصمان بين يدي الرسول  يقول كُلُّ واحدٍ منها لخَصْمِه : حَقِّي لك، حَقِّي لك، عندما قال لهما الرسول  : إن المحكمة الحقيقية هي بين يدَيْ رب العالمين أمّا أنا فأحْكُم بحسَب الظاهر، فمن حَكَمتُ له بحق أخيهفإنّما هو قطعة من النار، فمن شاء فليأخُذْها أو يَدَعْها -أو كما قال-.

< وحتى أصْبح أبو بكر ] يُدْخِل يدَه في جوْفه ليتقَيَّأ ما أكَله بعدما تبيّن له أن فيه شُبْهةً صغيرة من الحرام، وقال : لوْ لَمْ يَخْرج ما أكلتُه إلا مع نَفَسي لفَعَلْت، لأنّ كُلَّ لَحْمٍ نبت من الحرام فالنارُ أوْلَى به.

< وحتى أصبح عُمَر بن الخطاب ] يقول لقاتل أخيه زيد بن الخطاب >إنِّي أكْرَهُكَ< فيقول له قاتل أخيه : هلْ كُرْهك لي يمنَعُني حقا من حقوقي؟ فيقول عمر : >لا<، فيقول له الذي قتل أخاه -عندما كان كافرا- >ومَا يَفْرَحُ بالحُبِّ إلاّ النِّسَاءُ<.

ميزان ربانِيٌّ صارِمٌ استقرَّ في النفوس المومنة فجعَلَها تتحَكَّمُ في أهوائها ورغباتها، وجَعَل الناسَ يعيشون في اطمئنان تام من التآمرات الدّاخلية، ومن كتابة التقارير السريّة، ومن التّلفيقات للاتِّهامات الجِزافيّة، وشراء شهود الإثبات على الوقائع الخيالية، والنوايا التي لا يطّلع عليها إلا مولاها وخالقها {ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسان ونَعْلَم ما تُوَسْوِسُ بِه نفْسُه ونحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ من حَبْلِ الوَرِيد}(سورة ق).

ميزان رباني استقر في النفوس المومنة وجعلها لا تفكر إلا في يوم الفصْل بالحق يوْم يُخْتَم على الألْسُن والأفواه المجرمة، فلا يُؤذن لها بالتكلُّم ولا يُقْبل منها اعتذار، لأن ذرّاتِ الإنسان وجوارحَه سوف تنطق بأفصح بَيَان، وتُعْلِن على الملإ ما اقترفَتْه من بُهتان.

يوْمٌ لا ينْجُو منه إلا الأتْقَى {الذِي يُوتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ومَا لأحَدٍ عِنْدَهُ من نِعْمَةٍ تُجْزَى إلاَّ ابْتِغَاءَ وجْه رَبِّه الأعْلَى ولَسَوْفَ يَرْضَى}(سورة الليل).

يَوْمٌ لا ينجُو مِنْه إلا الذي زكّاه الله تعالى  فتزكى عقيدة وروحاً وخُلُسقاً وسلوكاً وولاءً بفضْل الله الذي يُزَكِّي من يشاء من عباده بالهداية والتوفيق للعَمل بكتابه والدّعوة لدينه لتأسيس حضارة إسلامية يسْعَد فيها الأبرار، ويتعايش فيها الناس بحرية وكرامة.

حجر الزاوية في التزكية التي ربَّى عليها الرسول  المسلمين هي أنه دَلَّهم على الله تعالى، وعرَّفهُم به، وعلَّمَهم كيف يتفرَّدُون ويتفانَوْنَ في الإخلاص له في كل عَمل عمِلوه، أو فكرٍ فكَّروا فيه، أو عَزْم عزَموا عليه، فكلما كان الله عز  وجل حاضراً في السراء والضراء، في العَمل والراحة، في الغضب والرضا، في الحركة والسكون.. كُلما كان الحضور الرباني قائما في النفس المومنة، كلما كانت الهِمَّةُ عالية، وأسْهُم التزكية صاعدة {ولَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُم ورحْمَتُه ما زَكَا مِنكُم مِنْ أحَدٍ أبداً ولكِنَّ اللَّه يُزَكِّي مَن يَشَاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ}(سورة النور).

فلِماذا كانت التَّزْكِيةُ الحقيقيَّةُ هِي مِن اخْتِصَاصِ اللَّهِ تعَالَى؟!

1) لأن التزكية تنبُعمن القلب الزاكي، والاطلاعُ على القلوب هو من اختصاص الله تعالى.

2) لأن التزكية تتأسَّس على الإخلاص لله عز وجل في السر والعلن ولا يعرف قيمة الإخلاص وقَدْره إلا ربُّ القلوب المُخْلِصة.

3) لأن الله عز وجل عادِلٌ رحيم يزن بعَدْل متجرِّدٍ عن الهَوى والغرض، فلا يُظلَمُ عنده أحد. ويزِنُ بكرَم مُتَنَاهٍ في الرّحْمة بعباده المُتَعَثِّرين، حَيْث يضاعِفُ لهم الحسنات، ويمحوعنهم السيئات لتبْيضَّ وجوه المخلصين من عباده أمامه مهْما ضعُفوا عَن مقاومة الكفر الطاغي، أو عجزوا عن مقاومة الطغيان العاتي، ماداموا غير راضين بالأوضاع الكريهة.

لكن مع الأسف الشديد، نجدُ أن بعْض كبار قومنا في زمن الهبوط والهوان، يفْرحُ أشَدَّّ الفرح :

أ- بالتشطيب عليه من قائمة الإرهاب التي سُجِّل فيها يوم كان فيه نوعٌ بسيط من رائحة الرجولة الصامدة في وجه الطغيان الكفري.

ب- بالفرح الكبير بكونه لم يُسَجَّل في قائمة الإرهاب لكثرة انبطاحه وسقوطه في التبعيّة الذليلة.

جـ- بالعمل الجدي لتجفيف منابع الإسلام حتى يرضى عنه الكفر المعولم، ويتركه مُطلَق اليد في العبث بمصالح شعبه وإذلاله حتى لا يرفع رأساً للمطالبة بحق، أو الاطاحة بحكم متخلف.

د- بالعمل على تشويه صورة الإسلام، وخَنْق أنفاس العاملين له حتى لا يُسْمَحَ لهم بإظهار المشروع الإسلامي الكفيل بالزحْف على أطاريح المُسْتَغْربين والمستشرقين والمُسْتعجمين والمستحدثين ومُخنَّثِي الفكر والسلوك الذين يطفون على السطح كما تطفو فقاقيع الزَّبَد الذي لا يَسْتُرُ تحته إلا الخبث والخبائث.

فهل هؤلاء المزكُّون من البشر يضمنون لأصنامهم :

> الحِفْظ من عواصِف الغضبات الشعبية إذا كَشَّرَتْ عن أنْيابها يوم الفضح والافتضاح؟

> الحفظ من غضبة الله تعالى يوم العرض عليه بقلوب منافقة عارية من كل بهرجة وسلطان.

> الحفظ من كتابة التاريخ الذي لا يرْحَمُ المتسلطين، ولا يُحابي المتملِّقين. حيث يموتون ولا تموت مخازيهم، يُدفنون ولا تُدفن مساويهم.

إن أبواب التوبة مازالت مفتوحة لمن شاء أن يلجأ إلى الله تعالى بالإخلاص الصادق، والعمل الدائب لخير الشعوب، عسى الله تعالى  أن يتوب على الذين هرولوا إلى أحضان الكفر متضرعين إليه لِيُزَكِّيَهم ولو بإفْقار خزينة الشعوب وتَدْمير مُقَدَّراتها وجهودها التي حققتها في عقود طويلة من أزمان الكذب والافتراء.

فالله وحْده هو الذي يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *