الـــروح


يقول عز من قائل: {قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم  إلا قليلا}(الإسراء :85).

يمكن إعطاء مقاربة فيزيائية عن مفهوم الروح، إن التركيب  العنصري للمادة والتكوين الميكروسكوبي لها، يدخلنا إلى عالم غير معتاد نطلق عليه: اللايقين “Lصindécidabilité” وأمام هذه المركبات العنصرية الدقيقة للمادة نصبح عاجزين عن تقرير ما نشاهده هل هو مادة أم موجة “ou Matière Onde”؟

يعد هيزنبرك من أول مؤسسي الفيزياء الكمية، وأول نظرية في هذا المضمار هي نظرية “مبدأ الشك Le principe de lصincertitude ” الذي ينص على أنه ” من المستحيل معرفة وضعية الالكترون وسرعته في نفس الوقت”. كما يعتبر ماكس بلانك من أكبر الفيزيائيين الكميين ونظريته تتلخص في أن الطاقة عوض أن تتغير بصورة مستمرة فإنها تتغير بصورة متجزئة (مكممة)، إلا أن أول من أعطى المفهوم الأول للتكميم هو إينشتاين حيث لاقت فكرته فيالبداية معارضة شديدة من قبل معاصريه الفيزيائيين بما فيهم ماكس بلانك نفسه، ولقد ورد في نظرية “De broglie”:+ المادة في شكلها الدقيق عبارة عن موجة والعكس صحيح؛، وباختصار فرؤية جسم على شكله الماكروسكوبي، تكون مادية أما رؤية الجسم على شكله الدقيق أو الميكروسكوبي، تكون موجية أو بالأحرى سنكون مترددين في حسم ما نراه هل هي مادة أم روح؟

ويمكن أن نسوق في هذا الصدد تجربة ظاهرة تداخل الضوء ليونج (1801م)، حيث شرح إنشتاين هذه التجربة مائة سنة بعد إجراءها حيث اعتبر أن الضوء يتكون من وحدات ضوئية أسماها بالفوتونات والتي هي الأصل في تكوين الطيف الضوئي (المتكون من سبعة ألوان) والسؤال الذي بقي عالقا إلى يومنا هذا هو: ما هي العلاقة التي تربط  بين هذه الفوتونات (المكونة للضوء) والطيف الضوئي الناتج عن  تداخل هذه الفوتونات.

في سنة 1977 حاول “Henry stapp” أن يجيب على هذا السؤال حيث قال إن هذه الفوتونات هي حبيبات عاقلة وواعية أي أنها تتصرف بحكمة وذكاء رغم صغرها.

وهذا يوافق ما قاله الفيزيائي الأمريكي “Evan Walker” أثناء عرض أطروحته: (إن الكون مسكون من قبل عدد لانهائي من عناصر جزيئية دقيقة واعية يعتمد عليها الكون في تركيبه)، وقبل هذا وذاك نجد ماقاله نيل بور “Niels Borrs” في هذا المضمار سنة 1927م،(فيزيائي دنمركي يعد من مؤسسي الفيزياء الحديثة وله نظرية في التركيب الذي نال على إثرها جائزة نوبل في الفيزياء سنة 1922م):

“إن فكرة وجود عالم واع واحد فكرة خاطئة” أي أن هناك عوالم ذكية أخرى كثيرة تعيش معنا وهذا موضوع يلزم أن نعطيه ما يستحقه من التقدير والاحترام ولربما في هذه العوالم الدقيقة  التي لا ترى بالعين المجردة يكمن سر ما يعرف بالروح، إنها جسيمات لا متناهية في الصغر تعيش في عالم ذي أبعاد أكبر من الأبعاد التي نعيش نحن فيها.

فإذا أردنا أن نتقربمن معرفة سر الروح علينا أن نعمق البحث في أدق مكونات هذا الكون ونتعامل معها بنوع من التعظيم والإمعان.

إن الروح سر من أسرار الله تعالى أودعها في جسم الإنسان ولم يطلع عليها أحداً من خلقه، قال الله تعالى: {وماأوتيتم من العلم إلا قليلا}(الإسراء : 85).

وكلمة الروح في اللغة العربية تعني”الحركة” من ذلك قولهم راح يروح والهواء سمي بالريح لأنه في حركة دائبة. لقد اختلفت الآراء بين الفقهاء والفلاسفة والفيزيائيين حول معنى الروح وإن كانوا كلهم متفقين على وجودها. ولقد وردت كلمة الروح في القرآن الكريم بمعنى القوة والتأييد من الله {وأيدهم بروح منه} ويقول عن جبريل عليه السلام”الروح الأمين” ومرة “روح القدس” وفي آية أخرى: {تعرج الملائكة والروح إليه}، ويرى كثير من الفقهاء أن الروح خلقت قبل الجسد فهي موجودة قبل مولد الإنسان وموجودة بعد وفاته.

والثابت من نص القرآن والسنة أن الروح تنفصل عن الجسد عند موت الإنسان ورغم الانفصال، فإن العلاقة تظل قائمة ولكن سر هذه الصلة يبقى في علم الغيب وما نستنتجه هو أن الروح موجودة وفريدة ولا تتغير وأن الجسد يفنى ويتلاشى ويتغير، فالروح تلبس جسدا  في هذه الدار، وقد تلبس جسدا آخر في الدار الآخرة اعتمادا على الآية الكريمة.

{أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد}( ق :15).

د.محمد حمدون

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *