الـدعـاء


 

إن حياة الإنسان المسلم في حاجة أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة صياغة شخصيته علمياً وفكرياً وتوجيهياً وفق تربية إيمانية متكاملة، بما يلائم كينونة وجوده وطبيعة مهمته الإنسانية في الأرض، وذلك من أجل تجاوز واقعها المليء بالإحباطات والتناقضات والإكراهات والإغراءات أيضا (المادية والمعنوية) التي تغرقها أكثر في مستنقعات التبعية والتقليد والخرافة والاستلاب والتغريب واستعادة الشخصية الفاعلة المسترشدة بهدي الإسلام الذي أحدث انقلابا شاملا في الحياة البشرية كلها سواء على مستوى الممارسة والسلوك أو على مستوى الفكر والتصور، حيث استطاع الإنسان في ظله أن يتحرر من كل ما يعوقه عن الانطلاق في تحقيق خلافة اللّه في الأرض وإعمارها بالخير والنماء، وذلك من أجل ربط الصلة بمقومات رقينا التاريخي واستعادة دورنا في الحياة باستثمار طاقات وقدرات تُهدر في مجالات تافهة وسلبية وإعادة النافرين والمستلبين إلى دائرة الوجود الحضاري الفاعل . وشحذ الهمم في أفراد هذه الأمة يتم عبر الفهم الصحيح لوظيفة الإنسان ومهمته، لتنظيم سير الحياة وتعقيداتها، وإزالة بصمات عصور التخلف والانحطاط التي تضمنت إقصاء مقتضيات النهوض والتنمية والرقي عن اهتمامات الدين، وتهميش كامل لإرادة الأمة ومصالحها الآنية والمستقبلية.

وهذا الفهم يعيد المكانة لكثير من الممارسات التعبدية التي قد نمارسها في غياب شبه مطلق عن تفعيلها في حياتنا، التي من ضمنها الدعاء.

إن ذكر الإنسان لله سبحانه ودعاءه لا يجب أن يكون إحساساً عائماً، أو عملاً مقطوع الصلة والجذور بالسلوك والمواقف العملية للإنسان كما هو الشأن في واقعنا المعاصر، بل من المفروض أن يكون للدعاء آثاره ومردودا ته الايجابية البناءة على نفسية الفرد وعلاقاته ومواقفه، ومن ثم على المجتمع بصفة عامة، وإلا فإنه يفقد معناه وهدفه وغايته عندماتتحول مناجاة الله عز وجل إلى عبارات ميّتة جوفاء، فارغة من الإحساس الصادق، الذي يعكس عمق التفاعل والاتصال به تعالى، وصفاء التأمل في النفس والكون، وسلامة المواقف والعلاقات.

وقد يُعتبر الحديث عن الدعاء من أنواع الهروب من الواقع في وقت يستدعي التركيز على قضايا مصيرية تمس الفرد والأمة, لكن إذا نظرنا إليه من زاوية ضرورة معرفة ذواتنا وتنمية قدرات مواجهاتنا لمختلف التحديات والأزمات، ووقف نزيف الألم والقلق النابع من داخلنا، فإن الأمر يصبح أكثر إلحاحا كي نهتم كما يجب بقضايانا المصيرية, فردية كانت أم جماعية، لذا فإن البحث عن مقومات تكون أساسا لتربية إيمانية تتكامل فيها أشواق الروح مع متطلبات الجسد تصبح ضرورية وملحة في وقت وصل فيها أفراد الأمة إلى درجات من التخبط والتمييع والسلبية والغثائية، ولم يعد أكثرهم يحس باحترام لذاته الإنسانية التي كرمها الله في قوله: {وَلَقَدْكَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}(الإسراء:70).

دة.أم سلمى

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *