الشيخ يوسف القرضاوي شاعرا إسلاميا


3- محاور التدافع في شعر القرضاوي  2/2

ب ـ  الاتجاه الخارجي :

إن  نظرة الشاعر إلى هذا الطرف الخارجي  لا تنفصل في الواقع عن نظرته إلى الجبهة الداخلية التي قدمنا الحديث عنها، فالفصل بينهما فصل منهجي فقط، أردتُ من ورائه إظهار الرؤى التي كان يصدر عنها وهويصور الواقع المصري في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، خاصة وأنه في كل أشعاره لا يفصل بين الضغط الخارجي والتواطؤ الداخلي أوما سماه غير ما مرة “بالخيانة ” الداخلية، حيث قال  :

اَلشعب  يعبـدُ قُـوَّاداً تُضَـلِّلُهُ

كما  يُضَلِّلُ ذوالإفلاس  صِبْيَانَا

والحاكمون  غَدَا  الكرْسِيُّ ربَّهُمُ

يُقَـدِّمُونَ  لَـهُ الأوطان  قُرْبَانَا

إن ماتت الفُرْسُ فالروسيا تُمَثِّلُـهَا

أمَّا اسْتَالِينُ فَـهْوَ الْيَوْمَ كِسْرَانَا

وإن تَزُلْ دَوْلَةُ الرومانِ فَالْتَمَسُوا

في الإنجليز وفي الأَمْرِيكِ رُومَانَا

وإن يَمُتْ قَيْصَر فانظرْ لصـورتِهِ

في شخص آتلي ومَوْلاهُ تْرُومَانَا

سِيَاسَةُ الكُّلِّ أَنْ يَبْقَى الورَى سَمَكًا

وأن يكونوا همُ في البَحْرِ حِيتَانَا(15)

فقد اختار الشاعر أن يضحي بإيقاع النص وبفنياته حتى يتمكن من إفادة المتلقي بالفكرة التي كان يريد إيصالها إليه عن طريق حشد أسماء الدول والأمم وصناع القرار فيها يومئذ، والتي كانت ترسم في الخفاء كل السياسات التي ينبغي للشرق المسلم أن يسير عليها، بتسخير من يراه يومئذ في بلاد المسلمين أهلا للتنفيذ، خاصة وأن الضعف ببلاد المسلمين يقابله التسلط والتجبر في القوى العظمى آنئذ وما تزال، تماما كما كانت الفرس والروم على عهد الأكاسرة والقياصرة في القرون الماضية  .

لذلك نجد الحسرة تتملك الشاعر، وتملأ عليه كيانه وهويرى أمام عينيه الفقر والجهل في بلاد المسلمين، إلى جانب البطش والقهر والظلم فيها، فيوجه خطابه المباشر غضبان حنقا إلى ولاة أمر بلده يومئذ، لما يرى فيهم من تواطؤ مع أعداء الخارج، حيث ينكلون بالشاعر وبغيره طمعا في استرضائهم، والتزلف إليهم فقال :

لِحِساب مَنْ قَتَلُوا وما قد شَوَّهُوا

مِنْ أَوْجُهٍ أوأَظْهُرٍ وبُطُونِ ؟

مَن عَذَّبوا، مَن شَرَّدُوا، مَن جَوَّعَوا

ومَنِ اسْتَذَلُّوا مِنْ لُيوث عَرِينِ ؟

أَلِمِصْرَ ؟ كيف، ونحن صَفْوَةُ جُنْدِهَا

فـي يـومِ حَرْبٍ للعدوِّ زَبُونِ ؟

أم للعـروبة فـي قضيتـها الـتِي

أَغْنَى بِـها الشهـداءُ عن تَبْيِينِي ؟

أم  يا تـرى لقضية الإسـلام فـي

أوطـانِهِ مِـنْ طنـجةٍ لِبِـكِينِ ؟

أَلِمُسْـلِمِي الأحـباش أم  لأِرِتْرِيَا ؟

مِـنَ كُـلِّ مُرْتَعِبٍ  لِعَوْنِ مُعِينِ ؟

أمْ للأُلَـى يَفْـنَوْنَ فـي  القوقاز أو

مَنْ ذُبِّحُوا  في الهند أوفي الصين ؟

لا، لا وربـي إنـني لأَقُـــولُها

بالجـزْمِ لا بالخـرْصِ والتَّخْمِينِ

لحساب من هـذا، أتدري  يا أخي

لِحسـاب الاِسْتِعْمَارِ والصَّهْيُونِ

أَرْضَـى بِنَا  الطاغوت  سَادَتَهُ لِكَيْ

يَعِـدُوهُ بالتَّثْبِيـتِ والتَّـأْمِينِ (16)

فالشاعر يجول بنظره يومئذ في بلاد المسلمين التي كانت مستعمرة يومئذ، فلا يرى إلا التقتيل والتشريد، ومع ذلك لا يتوانى بنوبلده في تلك المرحلة من السير على منوال الاستعمار دون هوادة، أملا في البقاء أطول فترة ممكنة في الحكم، ولوعلى حساب أجساد البسطاء من الناس الذين كانوا يَأْبَوْنَ الخضوع لمؤامرات الداخل والخارج  .

ومع أن الشاعر يعرف أنه لا يطلب أجوبة على هذا السيل من الأسئلة الإنكارية التي طرحها، إلا أنه يريد إشعار المتلقي بهول الواقع المرير الذي يتردى فيه المسلمون يوما بعد يوم، في ظل شعور واضح بما يشبه اليأس كما يبدومن خلال نبرات كلامه في قصائد مختلفة، وهوما يدفع به في كل مرة إلى طلب المدد من السماء، سائلا وداعياالله عز وجل إلى أن يمن على عباده المستضعفين بنصر من عنده ليكشف عنهم ما هم فيه من المحن والهوان ، وقد سبقت الإشارة إلى شيء من ذلك آنفا، حيث نجد الشاعر كثيرا ما يحس بانسداد الآفاق في الأرض، فيلجأ إلى السماء يدعوالله سبحانه، ويستمطر رحمته، فيقول :

يا ربِّ  إنا  ظُلِمْـنا  فانتصرْ وأَنِرْ

طريقَنا واحْبُـنَا بالحـق سلطاناَ

نشكوإليك حكومـاتٍ تكيدُ لنا

كَيْدًا،وتفتح للسَّكْسُونِ أحْضَانَا

تبِيـحُ لِلَّهْـوِ حانـاتٍ وأنـديةً

تُؤْوِي ذَوِي الْعُهْـِر شُرَّابا وَمُجَّانَا

فَـمَا لِـدُورِ الهدى تَبْقَى مُغُلقَّةً؟!

يُمْسِي فَتَاهَا  غَرِيبَ الدَّارِ حَيْرَانَا

يا ربَّ نَصْرَك َ فالطاغوتُ أَشْعَلَهَا

حَرْبًا  على الدِّينِ إِلحْاداٍ وكُفْرَانَا (17)

ولعله من الواضح جدّاً أن الشاعر في هذا المقام يستحضر دعوة نوح عليه الصلاة والسلام حين دعا ربه عز وجل قائلا :” أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ  .” سورة القمر الآية 10 ؛ فالملجأ الوحيد المتبقى للشاعر في مثل هذه المواقف هوالله سبحانه، آملا أن يمده بما أمد به نوحا عليه الصلاة والسلام حين بلغ به اليأس من إيمان قومه ما بلغ، مع ما يلوح للمتلقي من نزوع نفس الشاعر نحوطلب الانتقام من خصومه، تماما كدعوة نوح عليه السلام في مثل هذا المقام، خاصة وأن الشاعر يرى قوة الخصم على كل المستويات، مع ما يتلقاه من المدد الخارجي أملا في إطفاء جذوة الإسلام في عقر دار المسلمين، وهذا ما لا سبيل للشاعر إلى دفعه أوالحيلولة دونه سوى التضرع والدعاء إلى الله سبحانه ليحفظ دينه، ونصرة الدعاة إليه كما نصرهم أول مرة في صدر الإسلام ؛! لذلك نرى الشاعر غير ما مرة يستحضر أسماء الصحابة الأوائل رضوان الله عليهم اللذين صبروا على الأذى والتنكيل في وجه الطغيان يومئذ فنصرهم الله عز وجل، فظهروا من بعد، وكانت لهم الغلبة على أعداء الدين، فقال وهويخاطب الرسول  :

يا سيِّدَ الرُّسْلِ طِـبْ  نفسا بطائفة

بـاعوا إلى الله أَرْوَاحـًا وأبدانَا

قادوا السَّفِينَ فما ضلُّوا ولا وَقَفُوا

وكيف لا !وقـد اختاروك رَبَّانَا

أعْطَوْا ضريبتَهُمْ للدِّينِ مِـنْ دَمِهِمْ

والناس تَزْعُمُ  نَصْرَ الديـن مَجَّانَا

أعطوْا ضريبتهم صبراً علـى مِحَنٍ

صـاغَتْ بلالاً وعَمَّاراً وسَلْمَانَا

عاشوا  على الحب  أَفْواهاً وأَفْئِدَةً

بَاتُوا على البُؤْسِ والنَّعْمَاءِ إِخْوَانَا

الله  يعـرفهمْ أَنْصَــارَ دَعْـوَتِهِ

والناسُ تَعْرِفُهُمْ لِلْخَيْرِ أَعْوِانَا (18)

ففي الماضي المشرق عزاء للشاعر وطَمْأَنَةٌ له على معاناة الحاضر وقساوته التي تنزل به في السجون، بما فيها من تعذيب يذكِّر بمعاناة الصحابة السباقين إلى الإسلام من أمثال بلال بن رباح وعمار بن ياسر وسلمان الفارسي رضي الله عنهم   . وهذا العزاء يتمثل في كون قائد هؤلاء جميعا هومحمد ، والذي هونفسه  لم يسلم من الكيد والإذاية التي كانت تتهدده طوال حياته . لهذا فإن الشاعر كثيرا ما يأتي على ذكر  أسماء صناديد قريش الأوائل،كرمز إلى اللذين ينكلون بالمسلمين في الفترة التي كان الشاعر يتحدث ! فيها عن محنته، من ذلك مثلا قوله :

ما زال فينا ألـوفٌ من أبي لَهَبٍ

يُؤذُونَ أهلَ الهدى بَغْياً ونُكْرَانَا

ما زال لابن سلولٍ  شيعةٌ كَثَرُوا

أًَضْحى النفاقُ لهمْ وَسمْاً وعُنْوانَا (19)

كما أنه قد أشار إلى ذلك غير ما مرة في ديوانه(20)، ومن تم فإنه يتجاوز أحيانا الصبر على العذاب إلى أن يستلذه ويستكين إليه بعدما أصبح نشاطا يوميا مألوفا لديه، فقال :

لقـدْ نَفَوْنَا فقلنا المْاَءُ حَيْثُ جرى

يُحْيِي الوَرَى ويَرْوِي كلَّ ظَمْآنَا

قالوا إلى السجن قلنا شُعْبَةٌ فُتِحَتْ

لِيَجْمَعُـونَا بِهَا فـي الله إِخْوَانَا

قالوا إلـى الطُّورِ قلـنا ذاك  مؤتمرٌ

فيـه نقَـرِّرُ ما يخشاهُ أَعْـدَانـَا

فَهْـوَ الْمُصَلَّى نُـزَكِّي فيـه أنفسنا

وهوالْمَصِيفُ نُقَوِّي  فِيهِ أَبْدَانَـا

معَـسْكَرٌ صَاغَنَا جُنْـدًا  لِمَعْـرَكَةٍ

ومعهـدٌ زادنـا للحـق تِبْيَانـَا

مَـنْ حَرَّمُوا الجْمْعَ مِنَّا فَوْقَ  أربعةٍ

ضَمُّوا الأْلُوفَ بِغَابِ الطُّورِ أُسْدَانَا

رامُوهُ مَنْفَى وتَضْيِيقًا فَكـان لـنا

بِنِعْمَةِ الحْـُبِّ والإيمـان  بُسْتَانَا

هَذَا هُوَ الطور شَاؤُوا أَنْ نَذُوبَ بِهِ

وَ شـاء رَبُّـكَ أَنْ نَـزْدَادَ إِيمَانَا (21)

فقد أصبح للشاعر ألفة مع التعذيب، بل إن السجن نفسه يحقق له ما لا تحققه له الحرية خارجه، ومن ثم أصبح العيش داخل السجن أوخارجه سيان لدى الشاعر، لأن السير على الدرب ماض نحوالهدف الذي يشاؤه الله عز وجل، لا ما يشاؤه البشر .

ولا يغفل الشاعر ذكر سبب كل هذا العذاب الذي كان يعانيه، خاصة وأن تفسير خصومه لهذه الأسباب، تختلف اختلافا كليا عن تفسيره هو، كما  يتضح من خلال الشاهد التي سقناها سابقا، لهذا خصص جزءا من شعره للحديث عن هذا المجال، فقال :

قالــوا كِذاباً دعوةٌ رجعيةٌ

معزولةٌ عـن قَرْنِها العشرينِ !

النـاس تنظر للأمام فما

لَهُمْ يدعوننا لِنَعُـودَ قبْـلَ قُرُونِ ؟

رجعيـةٌ  أنَّـا نَغَـارُ لِدِينِنَا

ونَقـومُ بالمفروضِ والمسْنُونِ !

رجعيـة أنَّـا نَصُونُ  حَرِيمَنَا

بِئْسَ الحريمُ  يكونُ غيْرَ مَصونِ !

رجعيـةٌ أنـَّا نَذَرْنا  أَنْفُسنا

لله تَحْــيَا لا لِــعَيْشٍ دُونِ !

رجعيـةٌ أنَّـا نُـرَبِّي  جُنْدَنَا

لِلْحـقِّ لا لِتَفَـاهَةٍ ومُجُـونِ !

رجعيـةٌ أنَّ  الرسولَ زَعِيمُنَا

لَسْنَا الذُّيولَ لِمَـاركس ولنينِ !!

رجعيـةٌ أنَّ الجهادَ  سبِيلُـنَا

نِعْمَ الجِهَـادُ  ذريعَةُ  التَّمْكينِ !

رجـعيةٌ أنْ يَحْكُمَ الإسلامُ في شَعْبٍ

يَرى الإسلامَ أَعْظَمَ دينِ !

أَوَ لَيْسَ شرعُ الله شَرْعُ مُحَمَّدٍ

أَوْلَـى بِنَـا مِنْ شَرْعِ نَابُلْيُونِ !

يَا رَبِّ إِنْ تِكُ هَـذِهِ رجـعِيَّةً

فَاحْشُرْن ِرِجْـعِيًّا لِيَوْمِ الدِّينِ !! (22)

فالشاعر يبدو  وكأنه يقارن بين المفاهيم التي تصدر عن طرفين متناقضين تمام التناقض، كما قلنا، فما يراه خصومه الشيوعيون رجعية ونكوصا إلى الوراء، وتخلفا عن مسايرة ركب الحضارة التقدمية، يراه الشاعر تمسكا بالدين الحق كتاباً وسنةً، وتحكيما للشريعة الإسلامية في كل مجالات الحياة الخاصة والعامة بعباداتها ومعاملاتها ؛ لذلك، فإنه من الطبيعي أن يستميت الشاعر ـ كما يتضح من خلال النص ـ في الدفاع عما يؤمن به وعن مفاهيمه حتى يتحقق الواقع الممكن بإيجابياته، ويتجاوز الواقع الكائن بسلبياته، ولا سبيل إلى تحقيق النصر وكسب المعركة، إلا بالاستعانة بالماضي الإسلامي المشرق، وكأن لسان حاله يقول : إذا كان الماضي سببا في حضارة المسلمين في الم! اضي، فلم لا يكون الاعتصام به اليوم والأخذ به كما نزل أول مرة، سببا لبناء حضارة شبيهة بالتي سبقت، وليكون لنا سراجا نهتدي به بين عتمات الحضارة المعاصرة المعقدة والمتشعبة المناحي والدروب ؟!، وهذا ما يرفضه الطرف الآخر لما يراه في ذلك من نكوص إلى الماضي، ورجوع بعقارب الزمن إلى الوراء، وهذا ـ في نظره ـ لا يعقل ولا يستقيم، فكانت النتيجة، هذا الصراع بين الرؤى والمفاهيم التي عبر عنها الشاعر في أغلب نصوص ديوانَيْه، كما عبر عنها في هذه الأبيات التي تبدوفيها جذوة الشعر خامدة، وتكاد تنحدر بالشاعر نحوالنظم أوالنثر، ولعل عذره في ذلك هوالقصد إلى إيصال الفكرة إلى المتلقي واضحة دون مراعاة للمظاهر الفنية التي ينبغي أن تتوافر في الشعر، وهذا ما كنت قد أشرت إليه سابقا، وفي صدر هذه الدراسة المتواضعة  .

———

15 ـ نفحات ولفحات، ص 43  .

16 ـ نفسه، ص، 65  .

17 ـ نفسه، ص، 44  .

18 ـ نفسه، ص، 44  .

19 ـ نفسه، ص، 44  .

20 ـ راجع مثلا الصفحة 65، 57، من المصدر نفسه  .

21 ـ نفسه، ص، 45  .

22 ـ نفسه، ص، 67 ـ 68  .

د.بنعيسى بويوزان

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *