التنمية المستدامة


التعريف اللغوي:

تنمية مستديمة أم مستدامة، لا أعرف ما الأصح منهما، ولن أدخل في حوار حول الموضوع لأني لست متخصصا في اللغة العربية، وأكتفي بعرض هذين التعريفين:

– “اسْتَدامَ يَسْتَديمُ اِسْتَدِمْ اسْتِدامَة (دوم) : دام، أي ثبت وأقام؛ استدام اللهَ النعمةَ: سأل اللهَ أن يديمها، أي يثبتها عليه. استدام الشيءَ: طلب دوامَه واستمراره”(المحيط: أديب اللجمي وآخرون).

– ” اِسْتَدَامَ، يَسْتَدِيمُ،  مصدر: اِسْتِدَامَةٌ. اِسْتَدَامَ الرَّاحَةَ: طَلَبَ اسْتِمْرَارَهَا وَدَوَامَهَا. اِسْتَدَامَ الخَيْرُ: دَامَ. اِسْتَدَامَ الطَّائِرُ: حَلَّقَ في الهَواءِ. اِسْتِدَامَةُ العَيْشِ الرَّغِيدِ:  دَوَامُهُ، اِسْتِمْرَارُهُ”(الغني: عبد الغني أبو العزم).

السياق التاريخي لظهور المفهوم:

عرف العالم منذ أواخر القرن الماضي عدة ظواهر طبيعية سلبية تمثلت أساسا في ازدياد الكوارث الطبيعية (الفيضانات والأعاصير..) وحدوث ثقب في طبقة الأوزون. وهذه الظواهر مردها إلى التدهور الكبير الذي لحق بالإطار البيئي في كوكب الأرض. وهذا التدهور البيئي يتجلى في:

– التلوثات المختلفة: تلوث الغلاف المائي (المياه العذبة السطحية والجوفية، والبحار والمحيطات)، وتلوث الغلاف الغازي (الناتج عن انبعاث غازات المصانع والسيارات والتجارب النووية…)، وتلوث الغلاف الصخري (تلوث التربة بالمواد الكيماوية)…

– استنزاف الموارد الطبيعية، خصوصا الموارد غير المتجددة كالمعادن والبترول والغاز الطبيعي، بسبب التلوث وبسبب الاستغلال المفرط

والعوامل الأساسية لهذا التدهور البيئي تتلخص في التنمية السريعة غير المراقبة أو طلب الغنى السريع، وفي الفقر المدقع أيضا، بحيث مثلا بسبب ضعف الإمكانات يتم قدف المياه العادمة في المحيط البيئي بدون معالجة مما يؤدي إلى تلوث المياه العذبة وتلوث الهواء والغطاء النباتي..

وبما أن الموارد الطبيعية جد محدودة ولا يمكن أن تستمر في المستقبل أمام الاستغلال المفرط لها، وبما أن الكوارث الطبيعية الناتجة عن المتغيرات المناخية بسبب التلوث البيئي تخلف خسائر بشرية ومادية كبيرة، كان لا بد للمجتمع الدولي، بأغنيائه وفقرائه، أن يجدوا حلولا عاجلة قبل وقوع الخراب، فعقدت من أجل ذلك عدة مؤتمرات ومنتديات تم التوصل بعدها إلى المعادلة الصعبة المتمثلة في التنمية بدون خسائر أو التنمية الملائمة للبيئة، ومن ثم إلى مفهوم التنمية المستدامة.

مفهوم التنمية المستدامة:

اعتبرت سنة 1987 سنة الديمومة، بحيث في هذه السنة توصل تقرير “مستقبلنا للجميع” المعروف أكثر تحت اسم تقرير بروندطلاند، نسبة إلى السيدة بروندطلاند Brundtland الوزيرة السابقة للبيئة بالنرويج، إلى مفهوم جديد للتنمية هو التنمية المستدامة والتقرير يدعو العالم إلى تبني نموذج جديد للتنمية يحترم البيئة ويولي عناية خاصة بالتدبير الفعال للموارد الطبيعية، ويجعل التنمية الاقتصادية ملائمة للعدالة الاجتماعية وللحذر البيئي.

وتعريف تقرير بروندطلاند للتنمية المستدامة هو: التنمية التي تستجيب لحاجيات الحاضر دون التعريض للخطر قدرة الأجيال القادمة للاستجابة لحاجياتها أيضا.

ولتطبيق هذا المفهوم التطبيق السليم وجب التركيز على مبدأين اثنين هما:

– مبدأ العدالة في توزيع الموارد الطبيعية بين الأغنياء والفقراء، وبين الأجيال الراهنة والأجيال القادمة

– مبدأ استعمال تقنيات “نظيفة” تتحكم في إنتاج النفايات وفي استعمال الملوثات

وهكذا انتقلت الدعوة من المحافظة على البيئة إلى التنمية البيئية، وأصبحت تدمج التنمية المستدامة تدريجيا منذ تسعينيات القرن الماضي كمبدإ أساسي في تحديد جل السياسات العمومية على المستوى الوطني والدولي. وتم اعتماد هذا المفهوم من كل المنظمات الدولية وفي مقدمتها المنظمة الدولية للتجارة.

الأبعاد الثلاثة للتنمية المستدامة:

وللتنمية المستدامة ثلاثة أبعاد:

– البعد البيئي: ويتمثل في الاستغلال الأحسن للرأسمال الطبيعي بدلا من تبذيره، وذلك من خلال التقليل ما أمكن من الاعتماد عليه في التصنيع وغيره، ومن خلال عدم تدميره بشكل غير مباشر بواسطة عوامل التلوث.

– البعد الاقتصادي: أي تفادي ما أمكن الانعكاسات السلبية الراهنة والمقبلة للتدهور البيئي على الاقتصاد والعكس أيضا، وذلك من خلال استعمال تقنيات جديدة في الإنتاج والاستهلاك، تقنيات تتميز بكونها: تقنيات نظيفة غير ملوثة، وتقنيات غير مستهلكة للموارد الطبيعية بكثرة، وتقنيات تمكن من إعادة استغلال المواد المستعملة كإعادة استعمال المياه العادمة في السقي الفلاحي وفي التصنيع والبناء بعد معالجتها.

– البعد الاجتماعي: أو البعد الإنساني المتمثل في التضامن الاجتماعي بين الأغنياء والفقراء، بين الشمال والجنوب، والتضامن بين الأجيال.

وتتفق الرؤية الإسلامية مع هذا المنظور للتنمية، فالكون سخره الله تعالى للإنسان وافترض عليه عدم الإفساد فيه، سواء باستنزاف موارد البيئة أو بتلويثها بأي شكل من الأشكال، بل إن الشريعة الإسلامية تحرم على المسلمين انتهاك موارد البيئة حتى في حالة الحرب. ولعل عدم الإفساد في الأرض  هو المقابل للتنمية المستدامة في القاموس الشرعي. والإفساد قد يكون بالتخريب وقد يكون بالإسراف والتبذير. والنصوص القرآنية والحديثية التي تنهى عن ذلك كثيرة، لا نستطيع عرضها وشرحها في هذا العمود.

موضوع الحلقة القادمة : “ريو وكيوطو”

ذ.أحمد الطلحي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *