التراث وشخصية الأمة


لكل أمة ميراثها وعقيدتها، والأمة الإسلامية لها من التاريخ ما يؤهلها للإسهام في إرساء فكر حضاري يمتح من حنفيتها السمحة وتراثها الإنساني الخالد، غير أن التعامل مع التراث يجب أن لا يتخطى الحد الذي يحفظ هوية الأمة (ويمترِسُها) في مواجهة الغزو الفكري وثقافة المخالطة، فالاعتناء بالتراث تنقيبا وتحقيقا وتجديدا لا ينبغي أن ندخله في دائرة المقدس، مادام المقدس في عقيدتنا يتمثل في كتاب الله وسنة رسوله، بينما التراث حتى وإن كان يمثل التراث الفقهي بكل مذاهبه والتفاسير القرآنية بكل مدارسها، يبقى اجتهاداً وإنتاجاً للذهنية الإسلامية : >إن التشبث بالتراث إذا ما تجاوز حده المنطقي الهادئ، تحول إلى سلاح خطير نشهره ضد أنفسنا في حلبة الصراع الرهيب ضد أعدائنا ومهاجمينا، ومن أجل ألا يحتوينا هذا الموقف الخاطئ إزاء التعامل مع التراث علينا أن نتحول إلى موقع أكثر علمية وإيجابية وانفتاح، موقع نتحمل فيه مسؤولية الرؤية الشاملة لمواضع الخطأ والصواب، والنقد البعيد للحدود الفاصلة بين الأبيض والأسود<(1).

إذا فاستلهام العبر من التراث وتمثل قيم وأفكار الخالدين من رجال الأمة ونسائها، لا ينبغي أن يتحول إلى جنوح عن الواقع، وركون إلى الماضي بطريقة ساذجة، إذ لابد من التعامل مع هذا الزخم الهائل من موروثنا الثقافي جرحا وتعديلا، كيما نخوض معركتنا الحضارية في ظل متقلبات الفكر الإنساني وعولمة الثقافة ونحن متحصنون برصيد أكبر من ثقافتنا المتنورة، ومتشبثون من غير عصبية بهويتنا الاسلامية.

فإذا كان بعض مثقفينا قد أداروا الظهر كلية لتراثنا العربي الاسلامي، متهمين كل من يتعامل معه بالماضوية والسكونية، ووقفوا بالمرصاد في وجه كل فكر يحاول التأصيل لثقافة تبني الذات وتستشرف المستقبل، فإنهم  تعاملوا -وللأسف- مع ثقافات بعيدة عن همومنا بدون ردة فعل حتىولو كانت خجولة، الأمر الذي يجزم أن اتهام التراث العربي بالماضوية مشروط بالرؤية التي يحملها هذا التراث وليس بالتوظيف >نتذكر هنا قصة أيوب مع بدر شاكر السياب، ومريم العذراء مع أدونيس، ومع ذلك لم يطلع علينا من يسم هذه الإبداعات بميسم التراثية أو السلفية أو السكونية، الأمر الذي يضاعف من التأكيد أن الاتهام مشروط بالرؤية وليس بالتوظيف، وفي هذا التناقض تكشف عن عتمة جديدة من عتمات اللغو الذي يتخذ طابع النقاش العلمي، والحكم الموضوعي، ولكن شتان… شتان…<(2).

——

1-في التاريخ الإسلامي -الدكتور عما الدين خليل- المكتب الإسلامي ص 55 و56.

2- جمالية الأدب الإسلامي -الدكتور محمد إقبال عروي- المكتبة السلفية الطبعة الأولى ص 48، 1986 الدار البيضاء.

ذ.أحمد الأشهب

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *