وأخيرا أسلم أبو عمر الداعوق الروح إلى باريها


د. عبد السلام الهراس

محمد عمر الداعوق المشهور بكنيته أبو عمر أحد الأفذاذ الذين عرفتهم في رحلتي العلمية إلى المشرق العربي أوائل الخمسينيات…

سمعت به ورأيته خلال سنتي 1952 – 1954، غير أنه في صيف 1954 وأنا أهيئ رحلتي العلمية إلى مصر شاء الله أن أعرف الرجل وجماعته الفتية … وأصبحت بيني وبينه علاقة كأننا أبناء أسرة واحدة أو حي واحد؛ كلفني رحمه الله بالدعوة إلى الله في البقاع بين قرية القرعون – وقرية قب الياس ومجدل عنجر وإن كان نشاطي الدعوي امتد إلى بعلبك وإلى قرية الفاكهة القريبة من الحدود السورية في الشمال الشرقي للبنان الجديد …

بعد نكبة فلسطين عاد إلى بلدته بيروت وقد وعى حق الوعي هذه النكبة، فغير حياته وأقبل على الله ورأى بثاقب بصيرته أن هذه النكبة ليست إلا بداية لسلسلة من النكبات الآتية التي ستحل ببلاد العرب، ورأى أن البعد عن الدين والاحتكام للسياسة المنحرفة وللتيارات المستحدثة الموجهة من الخارج والدعاوى القومية والاشتراكية والثورية من علامات توالي هذه النكبات وحلول الفاقرات بالبلاد العربية … كانت يقظته مفعمة بالوعي غنية بالتجربة والخبرة … وبعد سنوات قليلة بدأ نشاطه يمتد إلى من حوله فدعا بعض الشباب إلى الله فاستجاب بعضهم وأعرض آخرون ولكنه أصر على المضي في دعوته التي كانت تقوم على تصفية النفس من أكدارها والتحكم في أهوائها وإخلاص المحبة لله وللرسول ولكل مسلم والتسامح واحتمال الأذى والصبر على المكاره وضبط النفس في مواقف الإثارة والإغضاب وفعل الخير مع المسلم وغيره قدر الاستطاعة فإن عجز فعلى الأقل أن يكف لسانه ويده عن الشر…

وكان يؤثر لأصحابه الرياضة الروحية والبدنية وينأى بهم عن المجادلات وانتقاد الآخرين ولو كانوا من المخالفين كالقوميين والبعثيين أو من الخائضين في مسائل سياسية كحزب التحرير، وكان يقول لأصحابه إذا وفقنا الله واستطعنا أن نهيئ أنفسنا لجعل جماعة عباد الرحمن فرقة لإطفاء الحرائق وإنقاذ الغرقى واستقبال اللاجئين من البلاد العربية والإسلامية وإغاثة المحتاجين وإعالة المعوزين نكون قد نجحنا..

وقد حقق الله على يده أكثر مما كان يرجو ويأمل …

وكان للرجل مخططات عظيمة لو أنه وجد من يصبر معه ويتجاوز بعض الظروف الصعبة والامتحانات الضاغطة …

وقد امتحن بأول امتحان خارجي إذ عُرضت على الجماعة مساعدة من مؤسسة أمريكية معروفة كان اسمها ” النقطة الرابعة ” تعمل  في لبنان تحت غطاء المساعدات الإنسانية والقلاعية وغيرها فعُرض عليه ربع مليون دولار لصالح المسلمين بلبنان في مقابل ما دُفع للنصارى لنفس الغاية … وقد عقد اجتماعا للجماعة ودعيت إليه فحضرته فكانت النتيجة أن الخير للجماعة أن تبتعد عن مثل هذه التبرعات التي هي في الظاهر لصالح المسلمين بلبنان إذ يمكن تأسيس مستشفى لهم يخفف عن المرضى الفقراء وذوي الدخل المحدود … ولكن ذلك يعرضها للقيل والقال فاعتذرت الجماعة عن تحمل هذه المسؤولية وقبول هذا التبرع الذي قبلته جمعية أهلية مسلمة فأنشأت به مستشفى دون أن تثير أي انتباه لأنها لم تكن جمعية دعوية بل كانت من جملة الجمعيات المدنية التي تعمل في ميدان الصحة والخدمات الاجتماعية يقودها شخصيات مسلمة ذات وزن اجتماعي وثقافي …

أما الامتحان الداخلي الذي أزعجه كثيرا فهو ما حدث سنة 1954 ثم التأمت الجماعة إثره ليعود الامتحان من جديد مما دعاه إلى مغادرة لبنان نحو الشارقة .. وفي الشارقة عاش الرجل إلى آخر حياته …

وقد حدثني مشافهة ومراسلة عن حياته في هذا البلد الكريم فقد رحبت به الشارقة أمراء ومواطنين أيما ترحاب وفسحوا له في المساجد والأندية والإذاعة وقناتهم التلفزية ووجد الرجل مجاله هناك حيث كان له أثر طيب في عدة مجالات ليس فقط في الشارقة ولكن في الإمارات وغيرها …

ومنذ عدة سنوات أصيب بمرض أقعده عن العمل ثم ألزمه الفراش، وقد تطوعت فتاة صالحة للزواج به على ما كان عليه من عجز جسدي لتمريضه والعناية به .. وكنت أسأل عنه من يتصل به من بعض أفراد أسرته أو معارفه فيقول إن الرجل أصيب بعجز تام بل إنه في شبه غيبوبة، وقد كتبت عن قصة أخبار وفاته قبل أن يموت وذلك في جريدة الشرق الأوسط السعودية اللندنية وجريدة التجديد المغربية في سياق أخبار مماثلة عن كل من الداعية العلامة الجليل الدكتور محمد حميد الله، والداعية أحمد ديدات، وعلامة العرب الدكتور عبد الله الطيب فهؤلاء الثلاثة ذاعت أخبار بوفاتهم قبل أن يموتوا … لكن الخبر اليقين وصلنا بعد ذلك بوفاة الثلاثة رحمهم الله، أما أبو عمر الداعوق فقد وصلني نعيه وأنا بمكة المكرمة منذ عشرين يوما وكان توفي قبل ذلك بأسبوعين تقريبا وتبادلنا العزاء نحن وإخواننا بالخليج ولبنان ولا سيما سماحة المفتي الذي اقترحت عليه أن تنظم دار الإفتاء يوما دراسيا عن الرجل ودعوته وقد وعد أن يفعل إن شاء الله.

مات الرجل عن نيف وتسعين سنة قضى معظمها في الدعوة إلى الله وقد ترك آثارا مباركة ليس فقط في لبنان بل في عدة أقطار عربية وغير عربية، ومن آثاره الطيبة: جماعة عباد الرحمن التي ما تزال نشيطة بلبنان، والجماعة الإسلامية التي انبثقت عن الجماعة ومن أبرزها الإخوان: الأستاذ فتحي يكن، والقاضي الشيخ فيصل مولوي والأستاذ زهير العبيدي وغيرهم، وكذلك مؤسسة كلية الأوزاعي التي أسسها رفيقه وصهره الحاج توفيق حوري، ومن آثاره العظيمة: الداعية الكبير الصامت المخبث: الدكتور أحمد حسين صقر المشهور بدعوته الحكيمة بأمريكا؛ ولأبي عمر الداعوق فضل كبير على دعوتنا بالمغرب وخارجه، إذ التزمنا كثيرا من ثوابته التربوية .. أما آثاره في الخليجفهامة كما حدثني عن ذلك بعض علماء الشارقة.

فاللهم ارحمه رحمة واسعة واجزه عنا خير الجزاء وبارك في دعوته المشهودة والمجهولة التي قامت على الإخلاص والتواضع واجتناب الأضواء والأهواء والتسرع والصراع الداخلي.

وشكر الله لأهل الشارقة: أمراء وعلماء ومواطنين لما أسدوه لهذا الرجل وما أبدوه من ترحاب بدعوته وتجاوب معها ومساندة لها ..

وتفتخر الشارقة أن يكتب في ترجمة الرجل أنه كان من كبار دعاة الإسلام بها حتى آخر نفس من أنفاسه وأنه دفن في تربتها أواخر صفر الخير سنة 1427.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *