قضايا المرأة بين الشرع والعقل


5- تولي المرأة الوظائف العامة

كتب في هذه القضيـة المهمـة أحد العلمـاء الفقهاء من منظـور فقهي جديد، واجتهـاد إسلامي معاصر هو الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، وناقش ما كتبه، الفقيه المجتهد الدكتور يوسف القرضاوي، وأنا في هذه المسألة أسوق- في تناسق- ما كتبه الغزالي، مع تعليقـــــــات الشيخ القرضاوي:

يقول الشيخ الغزالي في حديث :”لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة”: تأملت في هذا الحديث المروي في الموضوع والصحيح سندا ومتنا، ولكن ما معناه؟.

“عندما كانت فارس تتهاوى تحت مطارق الفتح الإسلامي، كانت تحكمها ملكية مستبدة، وكان في الإمكان، وقد انهزمت الجيوش الفارسية أمام الرومان، أن يتولى الأمر قائد عسكري يوقف سيل الهزائم، ولكن الوثنية السياسية جعلت الأمة والدولة ميراثا لفتاة لا تدري شيئا، فكان ذلك إيذانا بأن الدولة كلها إلى ذهاب”.”في التعليق على هذاكله قال النبي الحكيم كلمته الصادقة، فكانت وصفا للأوضاع كلها”.يقول الدكتور القرضاوي: ما الذي جعل الشيخ يتجه بالحديث هذه الوجهة ويفهمه هذا الفهم؟ هناك أمران ساقاه إلى ذلك:

< أولهما: أن الوحي لا يناقض بعضه بعضا، والسنة لا يمكن أن تناقض القرآن بحال، والنبي  قرأ على الناس قصة ملكة سبأ التي قادت قومها إلى الإيمان والفلاح بحكمتها وذكائها، ويستحيل أن يرسل حكما في حديث يناقض ما نـــزل عليه من وحي. فإن بلقيس لما دعاها سليمان عليه السلام إلى الإسلام…لم تغتر بقوتها، ولكنها قادت قومها إلى الإيمان والفلاح بحكمتها وذكائها.

< ثانيهما: إن الحديث النبوي- لا يمكن أن يناقض التاريخ الصحيح والواقع المشاهد، وذكر الشيخ الغزالي دولا وأحداثا كان للمرأة فيها دور كبير في نصرة قومها في الحروب وازدهار شعوبها في الاقتصاد والاستقرار السياسي.

ويقول الشيخ القرضاوي في معرض تعليقه على نظرةالغزالي للحديث وتفسيره له: هذا موقف الشيخ الغزالي من النص في هذه القضية، فهل خرج فيها عن الإجماع؟ نحن نعلم أن في الإجماع كلاما طويل الذيول والأكمام: في وقوعه وحجيته، ودعاوي الإجماع الكثيرة ولا إجماع حتى روى عن الإمام أحمد: من ادعى الإجماع فقد كذب”…”المهم أن قضية تولي المرأة للوظائف العامة لم يثبت فيها إجماع، بل ثبت فيها الخلاف، فالحنفية يجيزون لها أن تتولى القضاء في الشؤون المدنية والشخصية وغيرها، والطبري وابن حزم يجيزون لها تولي جميع الوظائف، فيما عدا منصب الخلافة أو الإمام الأعظم، ثم إن منصب الخلافة أو الإمامة  العظمى أكبر من مجرد رياسة دولية إقليمية”.

إن الحديث النبوي السابق يتحدث عن الولاية العامة والخلافة الكبرى، مما لم يعد له وجود في عصرنا، ودولنا الإسلامية التي تقارب اليوم الستين دولة، فضلا عن أن اختصاصات الولاية أو السلطان اليوم توزعت بين عدد من السلطات بحيث لم تعد في يد الحاكم وحده. فهل ينطبق حديث أبي بكرة عليها؟ إنني أجد فروقا كبيرة ومسافات متباعدة بين القصد النبوي الوارد في سياق الحديث وبين أن تتولى امرأة كفأة رشيدة عاقلة واعية بشؤون شعبها رئاسة دولة، على الرغم من”أننا لسنا من عشاق جعل النساء رئيسات للدول أو الحكومات “كما قال الشيخ الغزالي.

تبقى الإشارة في ختام هذه القضية إلى أمرين:

أ- ما سبقت الإشارة إليه من أن هناك حديثا يقول”شاوروهن وخالفوهن”…أعنى النساء، فهـذا من الأقوال المنسوبة إلى رسـول الله  كذبـا وزورا، لما بينـــاه ولأنه يتنافى مع فعله  وقوله تعالى في شأن الوالدين مع رضيعيهما، {فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما}(البقرة:233) وإذ تتضارب أفهام  القفهاء والمحدثين في شأن بعض الأحكام المعتمدة على السنة المختلف في صحتها بله كذبها، فالقرآن أولى بالاتباع وأجدر بالاقتداء.

“إن ما أبغي هو منع التناقض بين الكتاب (القرآن) وبعض الآثار الواردة، أو التي تفهم على غير وجهها.

ب- اعتراض بعض السلفيين على عمل المرأة ومنعه، وتأكيدهم على وجوب ملازمة بيتها والعناية بأبنائها وزوجها امتثالا لقوله تعالى: {وقرن في بيوتكن ولا تتبرجن تبرج الجاهلية الأولى}(الأحزاب:33) وهذا من الانتقادات الموجهة إلى المرأة على غير حجة، ذلك أن الخطاب القرآني كما يتبين من سياق الآية- موجه إلى نساء النبي  خاصة، إذ هي ليست عامة في نساء المومنين، يؤكد ذلك ما سبق من آيات فيها أوامر تخصهن : {يا نساء النبي من يات منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين…وكان ذلك على الله يسيرا ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نوتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتّقَيْتن. فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، وقلن قولا معروفا وقرن في بيوتكنولا تتبرجن تبرج الجاهلية الأولى، وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}(الأحزاب:30 -33) ففي الآيات الكريمات تصريح بأن نساء النبي لسن كغيرهن من النساء، وبأن من يأت منهن بفاحشة يضاعف لها العذاب ضعفين، وهذه خصوصيات لا تعم كل النساء، مما يجعل الأمر في {وقرن في بيوتكن} خاصا بهن.

ومع ذلك فإن نساء النبي  كن يخرجن لحاجتهن عند الاقتضاء، والسيدة عائشة خرجت لقتال علي كرم الله وجهه في موقعة الجمل. وإن كنا نرى أن عمل المرأة مرهون بما يتناسب وطبيعتها ووظيفتها، وأن توفر لـه ظروف العفة والكرامة، إذ الأصل عدم المنع، ومن عجب أن أحد المفكرين والدعاة الإسلاميين- الأستاذ المودودي رحمه الله- يخالف جمهور المفسرين في قضية عمل المرأة وخروجها حتى ولو لم تخش الفتنة، إذ الأصل عنده عدم جواز العمل.

ذ.عبد الحي عمور

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *