قضايا المرأة بين الشرع والعقل


5- الـمــرأة والشورى

ذ. عبد الحي عمور

رئيس المجلس العلمي بفاس

تعتبر فريضة الشورى ركنا أساسيا في النظام الإسلامي بمختلف جوانبه ومناحيه، والمستقرئ لمصادر الشريعة الإسلامية لا يجد الشورى مقصورة على الرجال دون النساء، إلا أن لغطا كثيرا أثير حول هذه القضية في عصرنا هذا خاصة عندما أعلن الشيخ أبو الأعلى المودودي رحمه الله وغيره من الفقهاء الذين ظلت النظرة الدونية تتحكم في موقفهم من فقه المرأة- أن الذكورة من شروط الأهلية للشورى، اعتمادا على قوله تعالى:{الرجال قوامون على النساء…}(النساء:34) والذي يعتبر اجتهادا في فهم الآية، حيث حمل عدد من المفسرين الآية على عموم قوامة الرجال على النساء ونفوا بالآية الكريمة نفسها شرعية ولاية المرأة وقضائها وإفتائها…

وإذا كانت الآية تفيد هذا المعنى على وجه الإجمال، فهل تختص بالحياة الزوجية والأسرية أمتشمل حتى الشؤون الأخرى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بما فيها الإمامة والولاية والجهاد…؟

إن ما ذهب إليه عدد من المفسرين هو عموم القيمومة للرجال على النساء في الحياة الزوجية ومختلف المجالات التي تتوقف عليها حياة المجتمع – كما قلنا- يقول القرطبي رحمه الله : إنهم يقومون بالنفقة عليهن والذب عنهن، وأيضا فإن فيهم الحكام والأمراء، ومن يغزو، وليس ذلك في النساء(1).

وقال الرازي في التفسير الكبير : اعلم أن فضل الرجال على النساء حاصل من وجوه كثيرة…- وأن منهم ( أي الرجال ) الأنبياء والعلماء، وفيهم الإمامة الكبرى والصغرى والجهاد(2).

ولعل سبب نزول هذه الآية كان وراء تفسيرها على النحو المذكور، فقد روى أن ” امرأة من الأنصار نشزت على زوجها، فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النبي  فقال : أفرشته كريمتي فلطمها، فقال النبي  لتقتص من زوجها”، فانصرفت مع أبيها لتقتص منه، فقال النبي  : ارجعوا فهذا جبرائيل أتاني، وأنزل الله هذه الآية، فقال النبي  :” أردنا أمرا وأراد الله أمرا، والذي أراد الله خير ” ورفع القصاص.

والمتأمل في الآية الكريمة : {بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} يستطيع أن يفهم أن هناك تفاضلا متعادلا بين الجنسين في التكوين والنشأة والخصال حيث خص كلا منهما بما يؤهله للقيام بمهامه الموكولة لـه حيث ليس هناك تفضيل لأحد على الآخر.

إن قوله تعالى :  {وبما أنفقوا من أموالهم} يخص بالتأكيد الحياة الزوجية والعائلية حيث يجب على الرجال الإنفاق على الزوجات في نطاق الأسرة، مما يجعل القوامة محددة لا تنصرف إلى كل مجالات الحياة، وبالتالي فلا استدلال من الآية على منع النساء من الولاية والإمامة والقضاء والفتوى.

ويزيد المنكرون لحق المرأة في الشورى استدلالا جديداً قائلين : إن المجالس التشريعية أصبحت في عصرنا هذا تباشر تسيير الشؤون العامة المالية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية…وهي أمور مهمة وخطيرة لا تصلح لها المرأة خاصة وحديث رسول الله  يقول: لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة(3) الذي يهم في حقيقة الأمر: تولية المرأة لمنصب رئاسة الدولة، مما سنتحدث عنه بعد.

ويعزز المنكرون لاستشارة المرأة فيما يستشار فيه الرجل ومن أنها لا تصلح لذلك، نظرتهم، بمرويات ومنقولات لا سند لها ولا أثر يعززها من مثل:” شاوروهن وخالفوهن واسكنوهن الغرف وعلموهن سورة النور”مما لم يثبت نقلا عن الصحابة بله أن يكون حديثا نبويا، بل إن الذي صح عنه  أنه كان يستشير زوجاته رضوان الله عليهن كما فعل مع أم سلمة حيث شكا لها عدم فعل الصحابة لما أمرهم به من نحر وحلق. فأشارت عليه بفعل ذلك حتى يقتدي به أصحابه. وكانت أم المؤمنين عائشة مستشارة الصحابة فيما أشكل عليهم حيث يجدون عندها علما وحسن مشورة يعملون بها، كما أن عمر ] كان يستشير نساء النبي  في كل ما يتعلق بأحكام النساء.

ويرى جمهور الفقهاء استشارة المرأة، ورتبوا على ذلك جواز قيامها بالإفتاء متى توافرت فيها الأهلية لذلك، ويكفي أن نذكر في هذا الصدد ما قاله الماوردي : إن كل من صح لـه أن يفتي في الشرع جاز أن يشاوره القاضي في الأحكام، فتعتبر فيه شروط المفتي، ولا تعتبر فيه شروط القاضي، فيجوز أن يشاور المرأة، إذ يجوز أن تستفتى وتفتي(4).

والخلاصة أن الإسلام أباح للمرأة حق الشورى- التي جعلها فريضة ملزمة لا مستحبة- ومتعها بهذا التشريف، وحَجْبُه عنها تحت أيِّ ذريعة تنقيصٌ من كرامتها وإبطالٌ لحق من حقوقها الإسلامية.

———-

1- الإمام الشوكاني: نيل الأوطار ج 7،ص:68

2-  التفسير الكبير للرازي ج 10 ص :88.

3-  خرجه البخاري في باب الفتن وكذا الترمذي في سننه.

4- لمارودي-أدب القاضي ج 1 ص:264.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *