صورة الإسلام فـي الأدب الغربي


د. حسن الأمراني

قراءات غربية

…إذا كانت صورة الإسلام في الغرب قد تعرضت للتشويه، وذلك لعوامل تاريخية كثيرة، فإنه كان من المنتظر أن يسهم العالم الإسلامي نفسه، بشكل منظم وممنهج وجاد ومدروس، في تصحيح صورته في الغرب، فإن من الإنصاف أن نشير إلى أن هذه المهمة وكلت، بشكل لاإرادي، للغرب نفسه، وكانت الصورة التقليدية التي تكونت عن الإسلام مرتكزة- عند الغربيين- على ثلاثة أعمدة:

1- المؤسسة الكنسية

2-  المؤسسة الاستشراقية.

3- الخيال الشعبي.

وغني عن البيان أن الفصل العملي بين المؤسستين الكنسية والاستشراق أمر متعذر، إذ يعترض سبيله طبيعة نشأة كل منهما وتطوره التاريخي، بحيث غدا من الصعب عمليا، بل ربما غدا أمرا غير مقبول علميا، إنكار نشأة الاستشراق في أحضان الكنيسة.

أما الخيال الشعبي الذي كان يستند إلى الروايات الشفوية، ويلونها بما اعتاد كلخيال أن يزخرف فيه، فإنه كان يستند في بعض الأحيان إلى الثقافة العالمة، ممثلة في المؤسستين الكنسية والاستشراقية، ومن هنا حدث تقاطع في الصورة في بعض الأحيان في الآثار الأدبية الشعبية التي تناولت العالم الإسلامي، وجعلته موضوعا لها، كالذي نجده في ملحمة (أنشودة رولان) التي اجتهد مصنفها، أومصنفوها، في وسم الإسلام بالشرك وإضفاء طابع التوحيد على النصرانية، ومع ذلك كانت القريحة المبدعة تخون أصحابها أحيانا، فترتكس الملحمة إلى إبراز عقيدة الشرك لدى النصارى:( إنه ملوث بالخطايا والذنوب العظيمة، ولا يومن بالله، ابن مريــم القديسة) (1).

ومن الإنصاف أن نشير أيضا إلى أن المحاولات الأولى التي تصدت لهذه الصورة الغربية عن الإسلام، بعد دراستها، جاءت من قبل الغربيين أنفسهم، وما تزال أكثر الدراسات  التي تناولت الظاهرة بنوع من التحليل الشامل، والعميق في بعض الأحيان، بل والموضوعية أيضا، إنما هي تلك التي قام بها الغربيون أنفسهم، وما تزال خزانتنا العربية والإسلامية حتى الآن تفتقر إلى شيء من ذلك ذي بال.

وإذا كانت تلك القراءة الغربية لا تخلو من بعض الشوائب، فذلك أمر طبيعي لأن الفاحص والمفحوص ذات واحدة هي الغرب، ولا يمكن تبعا لذلك خلو بعض الأحكام من ميل نتيجة المؤثرات الذاتية، وما أحوجنا إلى أن ننهض نحن بهذه الرسالة، فإن نحن عجزنا عن دراسة الغرب دراسة علمية، وتشريحه وتقويمه، كما فعل الغربيون مع حضارتنا، فلا أقل من أن نعمل على تصحيح صورة الإسلام في ذهن الغرب، ببذل مزيد من الجهد الإعلامي والعلمي، فإن لم نفعل فما بلغنا رسالة الله عز وجل.

ومن الدراسات الغربية المتميزة التي تناولت تجلية صورة الإسلام في الأدب الغربي نذكر على سبيل المثال، لا الحصر:

الشرق في الأدب الفرنسي، في القرنين السابع عشر والثامن عشر، لمارتينو P. MARTINO وقد صدر الكتاب بجنيفعام 1970.

– الشرق في مرآة الغرب: للمستشرق الألماني ب. فايشر، وقد تولى إعادة طبعه ديوان المطبوعات الجامعية بالجزائر، عام 1983.

-جوته والعالم العربي: للباحثة كاترينا مومزن، وقد ترجم الفصلان الأول والثاني من هذا الكتاب، وصدرا بنفس العنوان، عن سلسلة(عالم المعرفة) بالكويت، في رمضان 1415/ فبراير 1995.

ولفهم صورة الإسلام في الأدب الغربي المعاصر، نحتاج إلى معرفة جذور هذه الصورة في أقدم النصوص الأدبية الغربية، وتتبع هذا الأدب المهتم بالإسلام في مراحله التاريخية المتتابعة، وذلك من أجل إدراك الأسباب الكامنة وراء ما يمكن أن يكون قد أصاب تلك الصورة، عبر التاريخ، من تطور أوتعديل أو تصويب.

جوهر الصراع ديني

يجمع الدارسون على أن من أقدم النصوص الأدبية التي لها شأن في هذا المضمار، الملحمة الفرنسية (أنشودة رولان) La chanson de Roland، فهي من أشهر الملاحم الغربية وأغناها وموضوعها صالح جدا لتحديد صورة الإسلام في العصر الوسيط.

تدور أحداث هذه الملحمة حوالي عام 778م، أي يوم كان الحكم الإسلامي قائما بالأندلس، ومقر الأحداث سرقسطة، الإمارة الإسلامية الأندلسية.

في ذلك التاريخ، يقود شارلمان، إمبراطور الإفرنج، حملة إلى إسبانيا لنجدة قائد مسلم كان قد انتفض ضد أمير قرطبة، ويطمع في توطيد دعائم إمارته الخاصة، و كان ضمن هذه الحملة ابن أخ الإمبراطور شارلمان، رولان.

وتقدم لنا هذه الملحمة الشعبية تصورات في غاية الخطأ والخطورة عن الإسلام، مما جعل دارسا غربيا يلاحظ التحول العجيب الذي أصاب التاريخ من قبل الخرافة)(2).

ومن اللافت للانتباه أن جوهر الصراع في هذه الملحمة هو الدين، فالمعركة تدور فيها بين النصارى (المؤمنين) والمسلمين(الوثنيين). وكما كان الشأن في العصر الوسيط، فإن الملحمة ترادف بين العربي والتركي والفارسي والمسلم والوثني، وهؤلاء هم السارازانيون، ثم إن الخيال الشعبي يبرز في الأسماء التي اختيرت للمسلمين، وقد لاحظ جونان(3) أن اسم الأمير المسلم Balignant  يتكون من الاسم العبري (بعل) والاسم العربي (علي) وغالبا من اسم فرنسي ينتمي إلى العظماء.

وهذا التحوير في الأسماء بهذا الشكل وارد جدا، وممكن، بل راجح، وقد ذهب العقاد في (التعريف بشكسبير)(4)، إلى أن أوتيلو على الأرجح(محرفة من اسم عبد الله الذي ينطق بالايطالية (ابتلو) ويسهل تحريفه مع جرس اللغة في الأسماء إلى أبتلو وأوتلو)، ولاسيما أن هذه القصة ذكرت في المئوية Hecatommithi التي جمع فيها الأديب الإيطالي جيوفاني جيرالدي Giraldi  سنة 1504- 1573 مائة وثلاثين نادرة على منهاج نوادر ألف ليلة وليلة وضمنها نادرة المغربي وزوجته ديدمونة، وترجمت كلها إلى الفرنسيـة والإسبانية قبل أن تترجم إلى الانجليزية.

وإذا كانت (أنشودة رولان) لا تميز كثيرا بين ملامح النصارى وملامح المسلمين، كما هو شأن الملاحم التي تحرص على إبراز الخلاف في ملامح الفريقين المتنازعين، فإنها في بعض الأحيان ضخمت بشاعة بعض المسلمين، بشكل مضحك، فأبيزم مثلا، أحد هؤلاء، كان شديد سواد البشرة،  كانت عينا فالسرون متباعدتين بشكل غير طبيعي.

إنه لا شيء إطلاقا، في كل ذلك، يذكر بالحقيقة، أو يميز بدقة بين الســارازانييـــن والمسيحيين(5). بل إن هنالك- على العكس من ذلك- مشابه كثيرة بين الطائفتين، من حيث أخلاق الفروسية والحرب، وما تحدثه الحرب من بشاعة في النفوس، ذلك بأن القادة جميعا موصوفون بالعنف والنزق. فهذا مارغاريث اشبيلية، أحد فرسان المسلمين يقول:

( انظروا إلى سيفي هذا ومقبضه الذهبي…لكم علي عهد أن أسقيه الدم الأحمر الحي. إن الإفرنج سيموتون) (الأبيات: 966- 969 ) و هذا رولان يقول:

(بسيفي دور نضال هذا، سأضرب ضربات قوية، وأسقي شفرته حتى المقبض الذهبي… لكم علي عهد،إن كل الوثنيين [المسلمين] محكوم عليهم بالإعدام). (الأبيات : 1055-1057).

وإلى هذا التشابه الواضح في أوصاف قادة الفريقين، تصور الملحمة المسلمين،  بنوع من التأكيد، أهل مكر وخداع. وقد ظهر ذلك منذ مطلع الأنشودة، من خلال الحلية التي اقترحها القائد المسلم (بلانكدران)على أميره(مارسيل)، بتقديم الوعود الخادعــة والذليلة إلى شارلمان.

أما من حيث العقيدة، فإن الملحمة مافتئت تركز على أن المسيحيين أهل حق، يواجهون به باطل المسلمين. فرولان يقول: (الوثنيون في ضلالهم، والمسيحيون في هداهم)(البيت 1015) ويصرخ شارلمان محفزا رجاله ومحمسا:”أيها السادة الفرنسيون… هاهم الوثنيون… إن دينهم كله لن ينفعهم شيئا… أيها السادة، ما الذي تنفعه كثرتهم؟!) (الأبيات: 3335-3339 ).

وهكذا تنقلب الحقيقة التاريخية، وتغطي الخرافة على الأنشودة، حين يصبح النصارى موحِّدين، ويصبح المسلمون مشركين، يعبدون آلهة ثلاثة، يصنعون لها أصناما في أماكن عبادتهم، وهم: محمد وأبولان وتريفكان. فمنذ مطلع الأنشودة نقرأ عن مارسيل، أمير المسلمين، هذين البيتين:( إن المدينة بين يدي الملك مارسيل Marsille، عدو الله، لأنه يخدم محمدا، ويعبد أبولان  Apollin).

ونقرأ أيضا في وسط الملحمة: (رفعوا تمثال محمد فوق منارة، وكل الوثنيين كانوا يصلون له و يعبدونه)(853- 854). وتصور الأنشودة تعلق المسلمين بآلهتهم المزعومة عند اندحارهم، و هذا ما يصوره في جلاء المقطع 187:

(فر الملك مارسيل إلى سرقسطة، نزل عن فرسه وآوى إلى ظل زيتونة. أعطى رجاله سيفه وخوذته ودرعه، ثم استلقى على العشب الأخضر في انكسار. لقد فقد يده اليمنى كاملة، وأفقده الدم المتدفق وعيه، وهو جد قلق. كانت حليلته برا ميمونة تبكي وتصرخ في يأس. وكان معها أكثر من عشرين ألف رجل، يلعنون شارل وفرنسا الرائعة. ثم هرولوا إلى قبو، حيث يقبع إلاههمأبولان. قاموا إليه يسخرون منه ويمطرونه بالسباب العنيف:

(آه، أيها الإله الشرير، لماذا عرضتنا لمهانة كهذه؟ لم أذنت بأن يصرع ملكنا؟ لقد جازيت من خدمك بإخلاص جزاء سيئا) ثم إنهم نزعوا عنه صولجانه وتاجه، وعلقوه من يديه إلى عمود، ثم طرحوه أرضا تحت أقدامهم، وراحوا يضربونه ويهشمونه قطعا مجزأة بضربات عصي غليظة. ونزعوا عن تيرفكان أيضا عقيقه. أما محمد فقد ألقوا به في حفرة حيث تنهشه الخنازير والكلاب وتدوسه).وذكر الخنازير هنا لا يخلو من تعريض.

ولن نجد تعليقا على هذا المقطع أدق من ملاحظة المستشرق الروسي إليسكي جورافسكي  حيث يقول:

( وتنمو دائرة التخيل الأوروبي في هذا المجال، وصولا إلى القول بأن الإسلام أخذ فكرة الثالوث المقدس المسيحية (الأقانيم الثلاثة) ولكن ضمن توجه وثني لا توحيدي. ويزعم مروجو هذه القصة بأن المسلمين يعبدون ثلاثة كائنات جنية خفية أو ثلاثة أصنام كبرى، هي : ماهومت(محمد)، وأبوللو، وتروفونيوس، وهذا ماجاء في (أغنية رولان)…

وللحقيقة يجب القول إن تلك الأساطير المختلقة تمثل سخرية مأساوية لأن النبي محمدا الذي حارب أكثر من أي مخلوق آخر عبادة الأوثان، والذي حطم جميع أصنام مكة، يتحول في تصور المسيحيين (إلى صنم يؤلهه أتباعه) الذين يطلقون عليهم ازدراء واحتقارا لقب (عبيد سارة) أو(أبناء الجارية)(6).

وعندما كانت الملحمة تعرض لبعض مواقف البطولة الصادرة عن بعض المسلمين، فإنها كانت تسوق ذلك في سياق الإستثناء الموجه الممزوج بالعجب:

(كان هناك أمير… منحته شجاعته صيتا ذائعا، لو كان مسيحيا لكان مقاتلا باسلا).(898- 899).

(يا إلهي ! يا له من فارس كان سيكون لو أنه كان مسيحيا) (3164).

إن هذا يذكر بما كان يردده العائدون الغربيون من الحروب الصليبية عن صلاح الدين الأيوبي : لقد وجدنا بالشرق أميرا يتصف بأخلاق نبيلة ماكان أجدره، لتلك الأخلاق، أن يكون نصرانيا. وعندما كان المستشرقون يعثرون في الشعر العربي على نفس ملحمي لم يكونوا يجدون أفضل من ذكر أنشودة رولان، وهكذا وجدنا أرموند كاهن حين يعرض لملعقة عنترة يقول عنها :(إن معلقة عنترة أنشودة حقيقية من أناشيد الفروسية، فالشاعر يروي فيها مآثره الخاصة، ويتغنى بمناقبه، ويخلد انتصاراته. إنه بشكل ما، بمثابة رولان هذه الملحمة الشرقية).(7)

إن الخيال الشعبي الذي يمزج بين الحقيقة والخرافة، ويجعل للأساطير سلطانا على الواقع، ما فتئ يؤثر على أدباء أوروبا وهم يتحدثون عن الإسلام، كما هو الشأن في مسرحية (السيد) لكوروني الفرنسي. وكما هو الشأن في (أنشودة رولان) فإن مسرحية ( السيد) تجري أحداثها هي أيضا في إسبانيا، بل إن هذا اللقب لم ينله صاحبه إلا بعد ما أعجب به منافسوه واعترفوا بفضله فخلعوه عليه، تقديرا لما قام به من  غزو بلنسية، المملكة الإسلامية، التي سقطت مرة أخرى بأيدي المسلمين، بعد موت السيد، لقد استحوذت الأسطورة على هذه الشخصية التاريخية، فبعثتها من جديد، بعد ستة قرون، من أجل أن تقوم باسترداد بلنسية من المسلمين، وأضفت عليها من الفضائل شيئا كثيرا. وهكذا يكون الصراع بين النصارى والمسلمين لحمة هذه الأسطورة وسداها، ولم يصنع كورني أكثر من أنه جدد، في القرن السابع عشر، هذه الأسطورة التي ترتد جذورها إلى القرن الحادي عشر، وأسبغ عليها من فنه وعبقريته الخاصة ثوبا قشيبا(8).

ولم يكن هذا الأثر وقفا على الأدب الفرنسي، فقد لاحظ جورافسكي أنه (نسبت إلى الإسلام بعض الرموز المسيحية التقليدية، ولكن بدلالات سلبية جديدة. مثلا: صورة الحمامة كرمز للروح القدس في المسيحية (إنجيل لوقا، الإصحاح الثالث:22) ألصقت بالإسلام في القصص الأوروبية، محملة بمعنى رمزي مغاير للمعنى المسيحي الأصلي، حيث نشرت على نطاق واسع في أوروبا الحكاية الأسطوريةالقائلة إن محمدا درب الحمامة لتنقر حبوب القمح من أذنه، وبذلك أقنع العرب أن تلك الحمامة هي رسول الروح القدس الذي كان يبلغه الوحي. وعممت هذه الحكاية المختلقة إلى درجة أن الشاعر الانكليزي جون ليدهيت (القرن الخامس عشر) الذي وضع سيرة لحياة محمد، سمى لون تلك الحمامة (حليبا-أبيض)، وردد هذه القصة المضحكة كتاب (التاريخ العالمي)، بل إننا نقرا عند شكسبير ذاته في (هنري الرابع)، الفصل الأول، المشهد الثاني، كيف أن الملك كارل الثاني يتوجه إلى جان دارك صارخا:(ألم تلهم الحمامة محمدا؟ أما أنت فإن النسر ربما ألهمك)(9).

وقفة مع شكسبير

وقد ساق العقاد أيضا حديث الحمامة الخرافية، في معرض كلامه عن أثر الشرق في شكسبير، وقدر طبيعة المعرفة الشكسبيرية بالشرق، بالإسلام، فقال: (إن شكسبير لم يكن يعرف عن الشرق شيئا من تواريخه أو أحواله أو مواقعه وأمكنته يزيد على القسط الشائع بين أبناء زمنه، مما تناقلوه عن الصليبيين ومن تقدمهم من رواد السياحة وطلاب الغرائب والأساطير، وكلما وردت الإشارة إلى الشرق في رواياته وقصائده فهو شرق الطيوب والعطور وشرق الأسرار والخفايا، وشرق الأرواح والجنة التي تفارق الهند لتلهو وتعبث في مفازة الغرب ثم تعود إليها، وربما حماه صديق البديهة فأورد تلك العجائب موردها من الفكاهة والتندر بالأساطير، وربما أومأ إليها متسائلا كما أومأ إلى قصة نبي الإسلام والحمامة في روايته الأولى من تاريخ هنري السادس، فقد كان محمد  يوهم العرب في زعمهم، أنه يتلقى الوحي من ملك في صورة حمامة تقف على كتفه وتضع منقارها في أذنه، لأنه كما زعموا عودها أن تلتقط الحب منها.

و قد سمع شكسبير بهذه القصة وسمعها معه الأوروبيون من رواة الحروب الصليبية، فلما أومأ إليها عرضا لم يزد على أن يتساءل: أو كان محمد يسمع الوحي من حمامة؟ إنك إذن لتسمعينه من عقاب)(10).

و يضيف العقاد قائلا: (فإذا كان العلم بالشرق علم أحوال وتواريخ فلا خبر من أخباره الصحاح عند شكسبير أصدق من صدق الحس في استغراب الغرائب وتلوين الروايات المنقولة بصيغة الأساطير، وليس للشرقيين لديه ذخيرة من التاريخ أو الجغرافية يستعيدونها من رواياته و أشعاره)(11).

وقد عاد شكسبير إلى الإشارة إلى بعض القضايا الإسلامية، و كان أثيرا لديه أن يعالجها عبر شخصيات إسلامية، وأقربها إليه شخصية المغربي، فقد جعل المغربي بطل مسرحيته: (عبد الله، مغربي البندقية)  OTHELLO, the Moor of Venice  ثم عاد إلى المغربي في روايته(تاجر البندقية)،   The Merchant of Veniceفجعل أحد شخوص هذه المسرحية أميرا مغربيا، وقد جعل جوهر الصراع في( أوتيلو) محتدما في العلاقة الإنسانية بين عبد الله المغربي وميمونة، وقد انتهى الصراع بصورة مأساوية، ولكنها صورة كما لاحظ مالك بن نبي يختلف في الموقف منها المشاهدالمسلم عن المشاهد الغربي، فالانتحار كما هو معروف في الشريعة الإسلامية جريمة تخرج صاحبها من الإيمان، بينما هو عند شكسبير نوع من أنواع البطولة التي تجعل المشاهد -الغربي بطبيعة الحال- يعيش حالة من التعاطف مع النهاية المأساوية لكل من عبد الله وميمونة (أوتيلو وديدمونة). ومجمل ملاحظة مالك ابن نبي أن انفعال المتفرج الغربي يبلغ ذروته، حين يقتل عبد الله ميمونة ثم ينتحر، لأن الدائرة التي يعيشها المتفرج الغربي في تلك اللحظة دائرة جمالية. أليس يرى نهاية مخلوقين عجيبين؟  بينما يظل انفعال المشاهد المسلم هادئا، في هذا المشهد، لأن دائرته أخلاقية، فهو يرى قاتلا ومنتحرا.

والحق أن انفعال المتفرج المسلم، في هذا المشهد، لا يظل جامدا، إلا أنه انفعال يخالف انفعال المشاهد الغربي… إنه ليس انفعال تعاطف وجداني، بل هو انفعال إنسان يرى أمامه شخصا ينفذ جريمتين. إن الدائرة الجمالية حاضرة عند الإنسان المسلم، ولكنها دائرة تختلف عن الدائرة الجمالية للغربي، لأن مقاييس الجمال متباينة.

أما في تاجر البندقية، فإن الأمير المغربي يظهر مهتما، في الفصل الثاني من المسرحية بالمشاركة في التباري القائم بين فئة من النبلاء قصد الحصول على موافقة بورشيا على الزواج منه، وبالرغم من أن عنصر الدين شديد الحضور في هذه المسرحية، حتى إن الحكم الذي صدر ضد اليهودي شيلوك هو أن يتنصر، إلا أن الصراع في الحقيقة غيَّب الإسلام، يبقى هذا الصراع محتدما بين النصرانية واليهودية، بالرغم من نبرة الاستخفاف بالنصرانية التي تظهر على لسان لونسلوت وهو يقول مخاطبا جسيكا:(أفما تكفي أعداد نصارى الأرض؟ لقد ازدحمت بهم الدنيا… حتى ما يقدر أحد أن يحيا فيها! كثرة تحويل الناس إلى النصرانية تغلي أسعار لحوم الخنزير ! قد يأتي يوم لا نقدر فيه على ثمن شواء الخنزير)(12). أما الصورة التي يظهر فيها أثر الدين على المغربي، المسلم، فحين يتعلق الأمر بالقدر. إن المغربي شجاع نبيل، ولكنه مستعبد للقدر بشكل فظيع. وهكذا يبدو أن النظرة الإغريقية للقدر تهيمن على شكسبير فيضفيها على المغربي الذي يقول:

وهكذا شأني أنا… قد صرت عبدا للقدر.

وذاك مكفوف البصر(13).

وواضح أن هذه النظرة الإغريقية التي ترى القدر أعمى، وتمجد الرؤية العبثية، تظل أقرب إلى التصور الجاهلي الذي عبر عنه زهير فقال:

رأيـت المنايـا خبط عشـواء من تصـب

تمتـه ومـن تخطـئ يعمــر فيهــرم

أما الرؤية الإسلامية فهي لا ترى أي تناقض بين حرية الاختيار وبين الإيمان بالقدر، لأن القدر- في العقيدة الإسلامية – ليس أعمى، ولا تجري أموره عبثا، بل كل شيء إلى غاية، و كل شيء محكوم بأسباب وكل شيء يجري إلى أجل مسمى.

و يمكن أن نلحظ مغمزا آخر في المغربي الذي يمتاز بالشجاعة ولكن تنقصه الحكمة والحصافة وحدة الذهن:

(لو كان ذهنك ثاقبا كشجاعتك.

وحويت في جسم الشباب حصافة الشيخ الهرم.

ماجاء هذا الرد طي رسالتك)(14).

دانتي والكوميديا الإلهية

…و هكذا نجد أن الأدب الغربي المعاصر ما يزال في مجمله أدبا مرتكسا في رؤيته إلى الإسلام لا نكاد نستثني من ذلك إلا قدرا يسيرا من ذلك الأدب، إننا  نجد عند ماركيت يورسنار الكاتبة المعجبة بالشرق إلى حد الافتتان نظرتين متباينتين يمثل كل منهما شرقا خاصا: فالنظرة الأولى تنصب على الشرق الأقصى، شرق الحلم الجميل والخيال البديع والعجائبية، وهي النظرة التي سيطرت على الغرب منذ قام أنطوان كالان بترجمة ألف ليلة وليلة، ويمكن أن نمثل لهذه النظرة بقصتي يورسنار (كيف نجا ونكفو ) و(كالي ذات الرأس المقطوع ).

بينما تمثل النظرة الثانية الشرق الإسلامي الذي يمثل في هذه القصص خصما عنيدا للنصرانية، ويظهر ذلك في أبسط جزئيات الحياة، وتقوم قصتها (ابتسامة ماركو) مثلا لهذه النظرةحيث ينجو البطل الخرافي المسيحي بأعجوبة من الموت، هذا البطل الذي كان على علاقة بامرأة تركية تمثل الخيانة من جميع الوجوه: الخيانة الخلقية، و الخيانة السياسية… إلخ.

إن هذا الاتجاه القائم على الصراع الذي صار يغذيه الإعلام الغربي المعاصر يزداد جلاء في رواية تييري بروتون Thierry Breton  (المجمع الفاتيكاني الثالث Vatican III) الصادرة عام 1985 وهي رواية خيالية كما هو واضح إذ لم يعقد المجمع الفاتيكاني حتى الآن غير دورتين اثنتين، غير أن الكاتب يتخيل مجمعا مسكونيا ثالثا يقوم على الصراع بين الإديولوجيات والعقائد، أن الحرب القائمة بين الحضارات ليست حربا عسكرية و لكنها حرب إيديولوجية.

وبقدر ما دعا المجمع الفاتيكاني الثاني إلى حوار إسلامي مسيحي كما سبقت الإشارة إلى ذلك، مما يعتبر تطورا إيجابيا في نظرة الكنيسة إلى الإسلام، فإن الأدب ممثلا في هذه الرواية يؤكد نزعة العداء بين الحضارات والأديان، ويجعل الكاتب الصراع قائما بين الإسلام والمسيحية والشيوعية، (وقد صدرت الرواية قبل انهيار المعسكر الشيوعي).

إن هذه الرواية التي تجعل روما، بل الفاتيكان بالتحديد، مركزا للدولة العالمية القادمة تصور الإسلام- في شخص عبد الله، أحد أبطال الرواية- تصويرا يجعله رمزا للإرهاب ولأمر ما اختار الكاتب أن يكون أبطال روايته الممثلون للعالم الإسلامي من ليبيا وإيران.

إن هذا لا ينبغي أن يدعونا إلى التشاؤم واليأس من وجود تيار مومن يدعو إلى الحوار الحضاري في صدق وإخلاص، فما تزال هنالك، رغم الظلمة الضاربة أطنابها في الغرب، مساقط ضوء تكشف عنها بعض الأعمال الغربية المتميزة التي تعاني من التهميش المقصود في الغرب والإهمال غير الواعي في العالم الإسلامي، وهي تكشف عن تعاطف كبير مع القضايا الإسلامية وفهم للإسلام وحضارته وتعالج موضوع الإسلام والمسلمين بكثير من النزاهةوالموضوعية التي فقدها بعض المستغربين المسجونين داخل الرؤية الغربية المتعالية وهم يعملون على تشويه حضارة أمتهم من خلال أدب رقيع منحط. ومن تلك الأعمال الأدبية الغربية المتميزة الجادة يوميات الفرنسية فرانسواز كيستمان:(الموت من أجل فلسطين) (15)، وقد اختارت هذه الكاتبة الالتحاق بصفوف الفدائيين الفلسطينيين، وهنالك في الشرق تعلن الكاتبة إسلامها وتتسمى(ريم النابلسي) وقد سجلت يومياتها هذه قبل أن تنال شرف الاستشهاد في 23 شتنبر 1984م، والحمد لله رب العالمين.

—————–

(ü) بتصرف، من دراسة طويلة قدمت لجامعة الصحوة الاسلامية في دورتها الرابعة

1- 1473 -1472 : La chanson de Roland ( Vers

2- 12 , Pierre JONIN

3- نفسه : 18

4- التعريف بشكسبير : ص: 159

5- 19، JONIN

6- الإسلام والمسيحية:77.

7- 26،   Littérature arabes La

8- cid, Larousse 1970 Le

ولمزيد من التفصيل، يراجع النصض المسرحي، والتوضيحات التي قدم بها للمسرحية كل من L. Le jealle, J. Dubois.

9- الإسلام والمسيحية : 75، 76.

10- التعريف بشكسبير: 220.

11- نفسه.

12-تاجر البندقية: 152.

13-نفسه: 77.

14 نفسه: 103.

15- Mourir pour la Palestine : Françoise Kesteman

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *