تفسير سورة الطلاق


4- التقوى ضمان إنصاف المرأة في الطلاق

مازلنا مع بداية سورة الطلاق وبيان الأحكام التي أسسها الاسلام وهو ينظم هذه المرحلة من مراحل الحياة الزوجية وهي مرحلة انفصام عروة النكاح وانتهاء هذه العلاقة إلى انفكاك. وكما أن الاسلام قد ضبط أمر الزواج وأمر الالتقاء بين الرجل والمرأة في نطاق هذا العقد الشرعي فكذلك ينظم الشرع هذا الفراق أيضاً حتى لا يتأثر به أحد الفريقين وحتى لا يؤدي ذلك الفصال إلى ظلم أو عسف أو هضم لحق أحد الطرفين.

ونحن مع قول الله تعالى {وأحصوا العدة}، فالعدة أمر تنظيمي نتحدث عن سره لاحقاً.

{أحصوا العدة} هذا الأمر موجه إلى من يعنيهم الأمر من : الأزواج والزوجات وأولي الأمر، فأما الأزواج فإنهم خوطبوا بهذا الأمر ليضبطوا تاريخ تطليق زوجاتهم وهذا الضبط أدعى لليقين حتى لا يقع الخلاف فيما بعد.

ومن ضبط العدة معرفة أحكامها أيضاً : متى تبدأ، أنواعها.. فعدم المعرفة خطير، لأن أحكام الزواج وما يتعلق به قضايا تلامس جل الناس.

وهذا الأمر متوجّه به كذلك إلى الزوجة، حتى قال بعضهم إن أحكام العدة من أمور النساء وليس من أمور الرجال، وقالوا : الطلاق متعلق بالرجال والعدة بالنساء، أي يرجع إلى الرجال لمعرفة متى طلقوا وكم طلقة طلقوا؟ فالقول قولهم. والعدة ألصق بالنساء لأنهن يعلمن بحيضهن وطهرهن ولأن الأمر يتم داخلهن. فإذا ضبطته المرأة أعانت على تطبيق شرع الله وإذا كانت مهملة لا تدري متى طلقت ومتى ابتدأت عدتها وهل طلقت في طهر أو في حيض، فإنها تكون سبباً في ضياع هذا الواجب الشرعي.

إن إحصاء العدة يؤدي إلى شيء مهم جداً في الشريعة الاسلامية وهو حفظ النسب، فنحن نعرف أن من الكليات التي جاء الإسلام للاهتمام بها كليات العقل والنفس والدين والمال والنسب (العرض).

– اهتم بالعقل ودعا إلى تطويره وتنميته بالتفكر في ملكوت الله ومنععنه كل المخدرات الحسية والمعنوية وكل الاشياء التي تعطل العقل ابتداء من الخمر إلى أحدث المخدرات ظهوراً… ومنها الفكر الخرافي الذي يتمترس خلف الدين ويمنع الإنسان من التفكير. وهذا الأمر أصبح يُشَجَّعُ وفي المقابل يحارب الاسلام الذي يناقش ويفكر ويحاور، وينعت بالتطرف وهو في الحقيقة الاسلام الذي سيرفع الأمة الاسلامية.

– كلية المحافظة على النسب، يقول علماء المقاصد : ليس من مهمات الدين أو من ضروراته أو كلياته أن زيداً هو ابن لعمرو وأن عمراً هو ابن لبكر…

لكن الضروري هو أن الشخص يعلم أن هذا الابن الذي هو منسوب إليه هو ابنه حقيقة. لأن هذا الوالد مطلوب منه أن يضحي من أجل هذا الولد، فقد يحرم نفسه من كثير من ملذات الحياة لكي يصل ابنه  إلى مبتغاه.

فكيف يمكن لإنسان يضحي كل هذه التضحيات من أجل ابن هو متشكك في نسبه إليه؟.

فالترابط والتماسك العائلي متوقف على معرفة الأنساب، فالإنسان يستمر في خدمة أسرته لأنه مطمئن إلى أن أعضاءها ينتمون إليه ومن صلبه، وأنه لا يشفق على الغرباء ولذلك يستميت ويعطي الكثير ويرتقي المجتمع بهذا الإحساس. لكن إذا زال هذا الإحساس يقع شيء خطير هو التفكك العائلي. وتفكك الأسرة في المجتمع الغربي هو بالدرجة الأولى بسبب الزنا وما يترتب عليه من دياثة وهذا ما أدى بالغرب إلى التفكك، وما نعيشه في مجتمعاتنا الاسلامية من تماسك أسري هو بسبب حفظ الأنساب.

{واتقوا الله ربكم..} هذا الأمر بالتقوى هو طبعاً موجه إلى المسلمين في جميع المستويات والمراحل ولكنه الآن موجه إلى الأمة الاسلامية في مجال خاص هو مجال (إحصاء العدة). معناه : أنتم أيها المسلمون تطلقون لدواع مختلفة (تحدثنا عنها في حلقات سابقة) ولكن النفس المسلمة منضبطة بضوابط الشرع، لذلك  فالمسلم مطلوب منه أن يتقي ربه في هذه الحالة الخطيرة حالة الطلاق، حالة الأزمة، ولأن الإنسان إذا وصل مرحلة الغضب تطيش سهامه ويذهب عقله ويتصرف بناء على نزواته فيأتي حماقات وبشاعات كثيرة ربما يندم عليها. فعلى المسلم أن يبقى متقياً ربه وهو يطلق زوجته. فكما يتقي الله وهو يحبها فعليه أن يتقي الله وهو يفارقها. فإن لم يتق الله في الأول فإنه قد يذهب بها إلى المعصية ويبيح لها المحرمات. فقد يحب الرجل المرأة وهو لا يحب الله، فقد يستجيب لكل دعواتها وطلباتها التي قد تكون من الحرام كالسماح لها بالسير في ركاب الموضة والعري والاختلاط.. وهو يطاوعها في كل ذلك. وفي المقابل قد يحرمها أشياء مباحة كثيرة ربما هي من حقها، وهو ما ترون عليه الطلاق اليوم، فكثير من حالات الطلاق اليوم غير شرعية، غالباً ما يحكمها الغضب.

فرب رجل طلق زوجته وحرمها حقوقها وأبناءها واحتال عليها بشتى الحيل ولا أحد ينكر عليه ظلمه. فعلى الإنسان أن يتقي الله في مرحلة الطلاق وله على ذلك أجر من الله تعالى. فالتقوى أساس مهم جداً تتأسس عليه الأسرة، فالله تعالى يدعو المؤمنين إلى التقوى وهم يطلقون وهم يحصون العدة، إن هذا هو ضمان لحقوق المرأة عند الزوج في الحقيقة، إذا أردنا للمرأة ألا تُظْلَم هو أن يكون زوجها تقياً، والمرأة إذا أرادت أن تعيش في كنف الرحمة الاسلامية فيجب أن تساعد زوجها على تقوى الله وعلى أن يتعمق في دينه. فبعض النساء يعتقدن أن الرجل إذا كان متديناً فإنه يكون متزمتاً وأقل منحاً للحقوق من الرجل المتفتح المتفسخ. والعكس هو الصحيح لأن حالة التقوى تجعل الإنسان إيجابياً في كل المراحل بما فيها مرحلة الطلاق، والنساء على الخصوص يجهلن هذا التوجيه الإلهي. فإلى أي شيء توجه الأمر؟ توجهت الدعوات النسوية الآن إلى قضية واحدة هي قضية المطالبة بالقوانين التي تضمن حقوق المرأة، ولم يطرح السؤال : هل هذا الزوج تقي أو فاجر؟.

إن هذه القوانين هي في حقيقتها تؤدي إلى جوربل إلى اتجاه معاكس للمراد. فمن مطالب هذه الفئة من النساء اشتراك الزوجين في بيت الزوجية، وأن الرجل إذا طلق زوجته فمن حقها أن تأخذ البيت الذي كان يؤويها ويصير ملكاً لها بعد الطلاق مباشرة، وهذا يتجه في إطار النظام الغربي.

ربما تصدر قوانين من هذا القبيل تقرباً وتودداً إلى الغرب، وربما تصدر قوانين أكثر (تقدمية) مما عند الغرب حتى ننزع عنا تهمة الاسلام والتحجر،، وقد يصبح الغرب أكثر محافظة منا، لكن هذه القوانين إلى أي شيء تؤدي؟ تؤدي إلى نتيجة واحدة وهي عزوف الشباب عن الزواج وانصرافه إلى الرذيلة باعتبارها أقل تكلفة من الشروط والقوانين التي يتطلبها الزواج في طبعته الجديدة المثقلة بالمطالب.

فأوربا أصبحت اليوم تعطي منحاً مهمة جداً لتشجيع الشباب على الزواج في حين أصبحنا نحن نضع المشاكل والمزيد من العراقيل في وجه الشباب، فنحن لا نعرف كيف نحل مشاكلنا بل نحسن تعقيدها.

إن الغرب يذبحنا ذبحاً ويسحقنا سحقاً ولا يذرف علينا دمعة واحدة، فلماذا كل هذا الاهتمام بالمرأة فقط؟ لماذا لا يدافعون عن الرجال الذين يعيشون مشاكل عدة مثل : البطالة..

إذن، العلاقة بين الزوج والزوجة هي علاقة تقوى، إذا أسسنا التقوى فقد ضمنا حقوق المرأة، وإذا انعدمت التقوى فإن القوانين لا تضمن هذه الحقوق وإنما تضمن التقليل من حالات الزواج والتكثير من حالات الانحراف والتقليل من النسل لنمضي فيما يريده الغرب.

د.مصطفى بنحمزة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *