بعد انحسار الحملة المسعورة على النبي  راغمة : {لا تحسبوه شرا لكم}


 

د. خالد العمراني

لاحظنا كيف عاشت الكثير من عواصم العالم العربي والإسلامي حالة من الغضب والغليان والتظاهر الشعبي؛ على إثر الرسومات المسيئة لرسول الله  مستنكرة ومنددة بما وُصفت به شخصية محمد  الفذة، وعبرت بعض المؤسسات والهيئات والدول على مستوى رسمي عن شجبها وغضبها، واتخذ بعضها مواقف جريئة، يعد الإقدام عليها سابقة إيجابية في التاريخ المعاصر لحكومات العالم الإسلامي وبعض منظماته ومؤسساته، وكأني بالأمة رغم الجراح المثخنة بها، ورغم سجلها المليء بالإهانات والمذلات، كانت في أمس الحاجة إلى صفعة من هذا النوع لتصحو من نومها، وتنتبه من غفوتها، وكأني بالآية الكريمة المنزلة في حادثة الإفك -وهي أشبه كثيرا بهذه الحادثة- كأني بها تتنزل من جديد، وتخاطب الأمة قائلة لها: {لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(النور : 11)؛ ذلك بأن كثيرا من الناس ظنوا أن هذه الحملة تنتظم في سلك الحملات والضربات التي تنزل بالأمة فتكاد تفرق هامتها ولا تزيدها إلا خبالا وتقهقرا وذلا وانتكاسا، وكرهوا ذلك ورجوا أن لم يكن قد حصل. والحقيقة أن الأحداث والأقضية المفيدة للأمة في نهضتها واستيقاظها لا يقاس نفعها ولا إفادتها بمدى حب الناس أو كرههم لها؛ لأن المقاييس البشرية تبقى قاصرة دون معرفة كنهها وآثارها من أول وهلة، فلعلها تكون من الأقدار الإلهية ومن الأسباب المسخرة لحكمة يريدها الله تعالى ولأمر يعلمه سبحانه، وصدق الله العظيم إذ يقول: {وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}(البقرة : 216) ويقول سبحانه: {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً}(النساء : 19) وصدق المثل العربي ” رب محنة في طيها منحة”، و”رب ضارة نافعة”.  وهذا ما حصل بالفعل في حادثة الرسوم، إذ جلبت النفع الكبير للأمة، وجاءت بالخير الكثير، وبنتائج عكس ما كان يتوخى منها.

ولو علم من كانوا وراء ذلك ما ستؤول إليه الأمور لما أقدموا على حماقتهم وجهالتهم، ولو تخيلوا الخدمة الجليلة التي سيسدونها للأمة بفعلهم هذا ما فعلوه أبدا، ولكنه عمى البصر وانطماس البصيرة، وتسخير الله تعالى الأسباب والمسببات المفيدة في نهوض الأمة؛ ليلا تبقى خارج دائرة التاريخ تتأثر ولا تؤثر، بل تعود كما كانت بادئ أمرها تصنع الأحداث وتتحكم في صيرورة التاريخ وتقوم بمواجهة التحديات وبواجب الشهادة على الناس كما كانت بادئ أمرها.

والآن وبعدما انحسرت الحملة المسعورة راغمة، وهدأت ثائرة العالم الإسلامي وغضبته، ماذا عسى الناظر والمتأمل أن يستخلص من الدروس والعبر والمستفادات :

< على مستوى العالم العربي والإسلامي

مما انتجته هذه الحادثة وما استفيد منها ما يلي :

– أن الأمة لازالت بخير وأن الخير كامن فيها، وأنها قادرة على أن تقول كلمتها وتدافع عن مقدساتها عندما تدعوها الضرورة إلى ذلك، والحاجة ماسة إلى استثمار هذا الخير وتوظيفه وتهيئ الظروف المناسبة لظهوره وسريانه في دنيا الناس لمغالبة الشر المسلط عليهم. لكن ومن باب النقد الذاتي فقد بدا واضحا أن الأمة لازالت لم ترق إلى مستوى التعبير والرد الحضاريين، ويتجلى ذلك في المظاهرات العشوائية التي تجاوزت حد الاحتجاج والتعبير عن الرفض إلى التخريب والتدمير، وهذا يسيء إلى الإسلام وإلى هذا الرسول نفسه.

– قدرة بعض الدول على اتخاذ قرارات شجاعة وردود ردعية هامة؛كسحب السفراء، وإغلاق السفارات، وقطع العلاقات، والمقاطعة الاقتصادية….

– تحريك الأحاسيس والمشاعر واستجاشتها وتوحيدها على نطاق واسع نحو هدف واحد ومقصد واحد هو: ” كلنا فداك يارسول الله”، وكذا إذكاء جذوة الحماس والاستعداد للبذل والإنفاق والتضحية في سبيل هذا الدين وفي سبيل الدفاع عن رسول الله .

– أن هناك حدودا وفواصل تمثل عند المسلمين خطوطا حمراء لايرضون تجاوزها، إذ تجاوزها تساهل فيما هو من الدين بالضرورة ، ولا أكثر من التعدي على رمز هذه الأمة وقائدها وأسوتها ومبلغها عن ربها، وانتهاك حرمته وقداسته.

– محبة الأمة الشديدة لرسولها  رغم البون الشاسع بين واقعها وبين ما جاء به ودعا إلى اتباعه والسير على هديه، وإن هذه المحبة الشخصية لمن أتى بهذا الدين تعتبر المادة الخام التي يتأسس عليها قيام الدين من جديد في نفوس الناس وإقامته في الأرض على نحو أصيل ومتين.

– حالة الاحتقان والانحباس والتوتر التيتعيشها المجتمعات العربية والإسلامية، وأن أي شيء يمس المشاعر يمكن أن يفجر غضب الشارع، ويجعله ينقلب على من تسبب في هذا الاحتقان والانحباس، ومن تسبب في تفجير هذا الغضب.

– رد الاعتبار للشعوب لتقول كلمتها في كثير من الأمور، ولا تبقى طرفا متفرجا ومحايدا فيما يمارس عليها ويراد بها، وذلك من خلال التحركات الشعبية العريضة والواسعة التي لم تقابل بالرد العنيف من قبل السلطات والحكومات كما هو ديدنها.

– رد الاعتبار لبعض المؤسسات والمنظمات الإسلامية كمنظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية … التي كانت فيما قبل تبدو كأنها غير معنية بكثير مما يحدث في الأمة من داخلها أو خارجها، والتي تحركت هذه المرة وكان لها دور فعال في بلورة بعض القرارات والقوانين لصلح الأمة.

– إحراج الحكام ووضعهم أمام الأمر الواقع: إما مساندة الشعوب أو على الأقل ترك الحرية لها لتقول ما تشاء وتفعل ما تشاء مما يمليه عليها دينها وحضارتها ومسؤولياتها الدينية والحضارية.

– التعرف على بعض مكامن القوة في الشعوب الإسلامية، وعلى بعض الوسائل الناجعة في الرد كالمقاطعة الاقتصادية مثلا.

– إتاحة الفرصة للتعرف على الرسول  بشكل أكثر وأوفى عن طريق ما كتب وقيل عبر وسائل الإعلام والمحاضرات والخطب وغير ذلك، وكذا التعريف به وبالدين الذي جاء به، وإبراز خصائصه الحضارية وقيمه المثلى، وإسماع صوت المسلمين للآخرين.

– إرسال بعثات علمية إلى ديار الغرب ، وإنشاء مؤسسات ومواقع إلكترونية دائمة للتعريف بالرسول ، وبالإسلام.

– عقد العديد من اللقاءات والاجتماعات والمؤتمرات لمدارسة ما تتعرض له الأمة من هجوم وتطاول، وآخرها المؤتمر العالمي الإسلامي لنصرة النبي محمد .

– تقاعس أتباع النبي محمد  وورثته في القيام بواجب التعريف به وبالدين الذي جاء به، فعلى قدر عدم التعريف به وقع الجهل بقيمته وقدره، وعلى قدر الجهل وقعت الاستهانة والاستهزاء به.

< على مستوى العالم الغربي الأوربي:

أبرزت الحملة ما يلي:

– مدى الحقد والكراهية التي يكنها الغرب أجمع للمسلمين ولدينهم ولرسولهم صلى الله عليه وسلم، ويتجلى ذلك فيما يلي:

– امتداد الرسومات إلى أكثر من إحدى عشرة دولة وإن كانت الدانمرك هي التي تولت كبرها.

– إعلان الاتحاد الأوربي عن مساندته ومؤازرته للدانمرك في مواجهة المسلمين.

– اتحاد مواقف بعض الأوربيين حكومات وشعوبا،واستغرابهم من حالة الغضب التي عبر عنها العالم الإسلامي وأنها لا معنى لها ولا مبرر.

– إصرارهم وعدم استعدادهم للتراجع عن خطإهم بالاعتذار للمسلين.

– تحذير كثير من الدول العربية والإسلامية من الإقدام على المقاطعة الرسمية للمنتجات الأوربية والدانمركية على الخصوص.

– عدم الاغترار ببعض الدول ممن يدعي الصداقة أو التقرب من العالم الإسلامي، فالكفر ملة واحدة.

– ازدواجية المعايير في التعامل مع كثير من الأحداث والمفاهيم ومنها مفهوم الحرية؛ ففي الوقت الذي تبرر به مسألة الرسومات على أنها مسألة تتعلق بحرية الصحافة وبحرية التعبير؛ يحكم بثلاث سنوات سجنا على الانجليزي (إيرفنج) لتشكيكه في المحرقة اليهودية المزعومة (الهولوكست).

– عدم الموازنة بين الحرية المدعاة وبين ما يحظى به النبي  من تعظيم وتوقير، حيث غُلِّب جانب الحرية، على عكس ما يجب من التعديل فيها لتتناسب مع التعظيم والتوقير، فلا يطغى جانب على آخر.

– هناك بعض الجهات تريد أن تحدث فجوة كبيرة بين العالمين العربي والغربي، وهي المحرك لهذه المناوشات والصدامات لحاجة في نفسها، فمن تكون؟.

– تحول العالم الغربي من موقع المهاجم إلى موقع المدافع عن مواقفه، ولو بما لا يقبل عقلا ولا منطقا، والتعلل في ذلك بتعلات واهية.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *