الرسول  في رسائل النورسي


4- المعجزات الأحمدية

الحديث في المعجزات النبوية يطول، وقد قيل فيه الكثير وكتب الكثير، ولايزال ملفه مفتوحاً بخلاف الكثير من الامورالتي حسمت في عصر الرسالة. فالذين يجدون في كتاب الله المعجزة الكبرى ذات الفاعلية الدائمة والحضور المؤكد في الزمن والمكان، والمصداقية المطلقة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ومن خلفها والتي وعد الله سبحانه بحفظها على مدى الدهر.. الذين يرون في كل آية أومقطع أوسورة ، اعجازاً قاطعاً في هذا الجانب اوذاك من جوانب الحياة والوجود والخبرة البشرية والمصير.. الذين يلمسون في اسلوبياته ومضامينه على السواء اداء يعلوعلى القدرة البشرية ويتلقى معطياته من فوق ، من لدن حكيم عليم.. الذين يجدون هذا وذاك ويتعاملون معه ويلمسونه صباح مساء لا يرون ثمة حاجة للبحث عن معجزات اخرى اصغر حجما، واقل قدرة على التاثير.. معجزات قد تكفي مرحليتها وعدم استمرار فاعليتها في الزمن والمكان لأن تجعلها لا تكاد ترى ازاء الحضور القرآنى المدهش، المتواصل، الفذ، المتدفق كالشلال والذي لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد.

ويزيد هؤلاء تشبثاً بموقفهم ان الاسلام، بخلاف سائر الاديان والرسالات السابقة ما اعتمد في مجابهة الخصوم منظومة الخوارق والمعجزات، وانما بالقرآن الكريم وحده تمت المجابهة التي آلت الى ذلك الانتصار الحاسم الساحق ولا تزال.. وان القرآن الكريم نفسه اشار الى هذا واكده في اكثر من مكان: {وما منعنا ان نرسل بالايات الا ان كذب بها الاولون}(الاسراء : 59) وتقدم بالبدائل الاكثر ملاءمة لتنامي الوعي البشرى، وتراكم الخبرة بمرور الزمن : {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي انفسهم حتى يتبين لهم انــه الحق..}(فصلت : 53) {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله..}(يونس : 39).

هذا كله حق .. وحق – كذلك – ان يشهد عصر الرسالة ، بين الحين والحين، ما يمكن اعتباره معجزات تخرق القوانين والسنن المتعارف عليها.. تأييداً لرسول الله  اوافحاماً لخصومه، اوتكريماً له، اوغيرها من الاسباب والمسوغات التي تجعل معجزات موقوتة كهذه بمثابة اسناد وتعضيد لمعجزة القرآن الكبرى وليس تقاطعاً معها اوارتطاماً بها، ناهيك عن ان القرآن الكريم نفسه اشار الى طرف من هذه المعجزات كمشاركة الملائكة في معركة بدر انتصاراً للمسلمين المستضعفين في الارض.

والمهم في كل الاحوال، الا يندفع المرء في موقفه الى ما وراء حدوده المعقولة المنسجمة مع معطيات السيرة نفسها، والا تأسره الرؤية احادية الجانب فتنسيه، اوتحجب عنه، الجوانب الاخرى للظاهرة التي قد تملك هي الاخرى ثقلها ومسوغاتها.

وفضلاً عن هذا، فان على المرء اذا اراد الا يجانب الانصاف ان يلحظ السياق الذي يرد فيه التعامل مع الظاهرة.. فان النورسي المشهود له بالتعامل الجاد مع معطيات العقل، يمضي في نسيج رسائله جميعاً لكي يعاين البطانة، اوالخلفية الروحية للظواهر والاحداث ويوغل عمقياً صوب بعدها الغيبي، فلا غرابة اذن اذا ما خص المعجزات الاحمدية من بين وقائع السيرة ومفردات السنة المزدحمة، بهذه الوقفة الطويلة، تماما كما فعل في تعامله مع …المعراج، ومع الاخبار بالغيب واحاديث الساعة ومع جل المقاطع التي افردها للرسالة والرسول  .

ثم انه – وهذا هوالمهم – يقيم رصده للمعجزة على الاحاديث الصحيحة التي اخبرت بها وتحدثت عنها، وليس على اقوال القصاص والرواة اوالاخباريين والمؤرخين. كما انه لا يلجأ الا في حالات محدودة الى حديث ضعيف، وحينذاك فان من حق القارئ ان يرفض المعجزة مادامت لم تنقل الينا بالمتفق عليه من مرويات السنة الشريفة. اما وقد اعتمد النورسي في معظم الحالات، معايير رجال الحديث، فان لنا ان نسلم بمعطياته والا نعتبرها في حالة تقاطع مع الظاهرة القرآنية، بل ان نتأولها، اذا اقتضى الامر، من اجل ان تصب جميعاً في بحر الصدق المطلق للرسالة والرسول  وان نتذكر – دائماً – كما يشير النورسي نفسه، ان العديد من الخوارق لم يكن معجزات بقدر ما هوكرامة اوكما يسميه …اكرام الهي وضيافة رحمانية(1).

والمهم مرة اخرى، ان نلحظ السياقات التي يتم من خلالها التعامل مع المعجزة والا نجعلها هدفاً بحد ذاته ، والا يجيئ تعاملنا معها على حساب الظواهر الاخرى حيث تبدوالقيمة العليا لشخصية الرسول المعلم عليه افضل الصلاة والسلام، وعبر نسيج سيرته.. في المعاناة، والواقعية ، والاخذ بالاسباب، التي تم التعامل من خلالها مع التحديات والاحداث، وحيث لم تكن المعجزات النبوية كافة، خارج الظاهرة القرآنية سوى مساحات محدودة جداً في بحر واسع ودائرة كبرى، كان فيها الفعل الايماني الواقعي، والمعاناة البشرية، والحيطة، والتشبث بالاسباب، الحكمالفصل في تقرير المصائر وتشكيل الاحداث، وستاراً لقدر الله في العالم والتاريخ.

مهما يكن من امر فان النورسي في مكتوبه التاسع عشر هذا عن المعجزات الاحمدية، وانسجاماً مع منظوره الماورائي للظواهر والاحداث، يخصص للمعجزات النبوية مساحة كبيرة تتجاوز المائة والسبعين صفحة …111 – 287،، فهي والحالة هذه اكبر مساحة خصصها النورسي لموضوع من موضوعات السيرة والسنة الشريفة. ولعل الكم الكبير الذي وقع عليه وهويتابع الظاهرة، الجأه الى فرش هذه المساحة الكبيرة، فهويتعامل مع اكثر من ثلاثمائة معجزة من معجزات عصر الرسالة، يختار لكل مجموعة منها عنواناً موحداً كما هوشأنه في التقسيمات الفنية لرسائله. فهناك تسعة عشرة …اشارة، يخصص الاشارات الاربع الاولى منها لتقديم الضوابط والاضاءات والمعايير الضرورية في التعامل مع …المعجزة، وهذه الاشارات – اذن – على درجة كبيرة من الاهمية لأنها تزيل الكثيرمن اللبس، وتردّ على الظنون والاوهام والشبهات ، وتحدد الصيغ الاكثر توازناً في معالجة الظاهرة فلا تجنح اوتنحرف ذات اليمين اوذات الشمال.

ها هنا بمقدور المرء ان يتلقى المزيد من مسوغات انكباب النورسي على المعجزات الاحمدية وتخصيصه لها هذه المساحة الواسعة، فهولا يتقبلها على عواهنها، ولا يعاملها كما لوكانت على قدر واحد من الاهمية، اونمطاً واحداً.. وانما هويعتمد اسلوباً نقديا انتقائياً، وفق الضوابط والمعايير المعتمدة، لكي لا يتبقى قبالة القارئ الا ما هومقبول وفق تلك الضوابط والمعايير.

فالنورسي يرى في المعجزة بحد ذاتها تصديقاً من رب العالمين لدعوى رسوله الكريم  ، اى كأن المعجزة تقوم مقام قول الله سبحانه: صدق عبدى فأطيعوه(2) غير ان دلائل صدق الرسول  وبراهين نبوته لا تنحصر في معجزاته، بل يرى المدققون ان جميع حركاته وافعاله واحواله واقواله واخلاقه واطواره وسيرته وصورته، كل ذلك يثبت اخلاصه وصدقه. ولقد صدق بنبوته مئات الالوف من الناس المتباينين في الفكر بمئات الالوف من الطرق. والقرآن الكريم وحده يظهر الفاً من البراهين على نبوته  عدا اعجازه البالغ اربعين وجهاً(3).

وهويصنف دلائل نبوة الرسول  الى قسمين، اولهما: الحالات التي سميت بالارهاصات، وهي الحوادث الخارقة التي وقعت قبل النبوة ووقت الولادة. وثانيهما: دلائل النبوة الاخرى التي تنقسم الى قسمين، احدهما الخوارق التي ظهرت بعده تصديقاً لنبوته، وثانيهما الخوارق التي ظهرت في فترة حياته المباركة، وهذا ايضاً قسمان، اولهما: ما ظهر من دلائل النبوة في شخصه وسيرته وصورته واخلاقه وكمال عقله. والثاني: ما ظهر منها في امور خارجة عن ذاته الشريفة، اى في الآفاق والكون، وهذا ايضاً قسمان: قسم معنوى وقراني، وقسم مادي وكوني وهذا الاخير قسمان ايضاً ، اولهما المعجزات التي ظهرت خلال فترة الدعوةالنبوية، وهي إما لكسر عناد الكفار اولتقوية ايمان المؤمنين. وثانيهما الحوادث التي اخبر عنها  قبل وقوعها – بما علمه الله سبحانه – وظهرت تلك الحوادث وتحققت كما اخبر(4).

والنورسي يذكر بانه اذا كانت جميع احوال الرسول الكريم  واطواره دليلاً على صدقه وشاهدا على نبوته ، الا ان هذا لا يعنى ان تكون جميع احواله وافعاله خارقة للعادة، ذلك لأن الله سبحانه قد ارسله بشراً رسولا، ليكون باعماله وحركاته كلها اماماً ومرشداً للبشر كافة ، وفي احوالهم كافة.. فلوكان في جميع افعاله خارقاً للعادة ، خارجاً عن طور البشر، لما تسنى له ان يكون اسوة يقتدى به ، لذا ما كان يلجأ الى اظهار المعجزات الا بين حين وآخر، عند الحاجة، اقراراً لنبوته امام الكفار المعاندين. ولما كان الابتلاء والاختبار من مقتضيات التكليف الالهى، فلم تعد المعجزة مرغمة على التصديق – اراد الانسان ام لم يرد – لأن سر الامتحان وحكمة التكليف يقتضيان معاً فتح مجال الاختيار امام العقل من دون سلب الارادة منه(5).

وهويشيرالى ان الآثار المنقولة ، ان كانت متواترة فهي قطعية الثبوت وتفيد اليقين. هذا التواتر الذي يجيئ بصيغتين اولاهما التواتر الصريح اواللفظي، وثانيتهما التواتر المعنوي وهوقسمان اولهما سكوتي، اى ابداء الرضا بالسكوت عنه، وثانيهما معنوى وهواتفاقهم على القدر المشترك بين اخبارهم وان كانت الروايات متنوعة.

وهكذا فالقسم الاعظم مما نقل الينا من دلائل النبوة ومعجزات الرسول  هوبالتواتر الصريح اوالمعنوي اوالسكوتي ، وقسم منها بخبر الآحاد، الا انه ضمن شروط معينة ممحصة اخذ وقَبِلَ من قِبَلِ ائمة الجرح والتعديل من اهل الحديث النبوى فاصبحت دلالته قطعية كالتواتر. ولا شك اذا ما قبل بصحة خبر الآحاد محدثون محققون من اصحاب الصحاح الستة وفي مقدمتهم البخارى ومسلم ، فلا ريب اذن في قطعيته(6).

وثمة اخيراً وليس آخراً ما يود النورسي ان ينبه عليه بصدد الظاهرة التي يتعامل معها: ان احوال الرسول  واوصافه قد بينت على شكل سيرة وتاريخ الا ان اغلب تلك الاحوال والاوصاف تعكس بشريته فحسب، اذ ان الشخصية المعنوية لتلك الذات النبوية المباركة رفيعة جداً وماهيته المقدسة نورانية الى حد لا يرقى ما ذكر في التاريخ والسيرة من اوصاف واحوال الى ذلك المقام السامي، ولا يملك الاحاطة الكاملة بحقيقة كمالاته.. فانّى لهذه الشخصية المباركة ان تنحصر في حالة ظاهرية اوان تظهرها بجلاء حادثة بشرية؟ فلئلا يقع احد في غائلة الخطأ يلزم من يسمع اوصافه  البشرية الاعتيادية ان يرفع بصره دوماً عالياً لينظر الى ماهيته الحقيقية والى شخصيته المعنوية الشامخة في قمة مرتبة الرسالة، والا اساء الادب ووقع في الشبهة والوهم(7).

———

1-  المكتوبات ص 173.

2- نفسه ص 114.

3- نفسه ص 115.

4- نفسه ص 116 – 117.

5- نفسه ص 118.

6- نفسه ص 119 – 120. ولمزيد من التفصيل حول هذه المسألة انظر ص 120 – 121.

7- نفسه ص 123 – 124.

أد.عماد الدين خليل

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *