نعتذر إليك يا رسول الله في ذكرى مولدك مما يصنعه المتخاذلون في طريق دعوتك!!


ما أعظمك يا رسول الله وأنت تُربّي الجيل الفريدَ في التاريخ على القراءة باسم ربّه، منذ نزل عليك {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ الذي خلق} فقَرَأْتَ الكَوْن كُلَّه باسم ربك الذي خلقه وخلقك وعلَّمتَ أصحابك وأتباعك من أمتك كَيْفَ يقرؤون الكَوْنَ باسم ربِّهِمْ شاكرين الله تعالى على نعمة خَلْقِ الكون مسخرا لهم، يتمتعون بما شاءوا من طيّباته في ظل الاعتراف بالمُنْعم والإقرار به سيّدا محكَّماً في الصغيرة والكبيرة من شؤون حياتهم، عَلَّمْتَهُمْ كيف يومنون بالخالق المُنعم ويستقيمون مع منهجه النازل وحيا من السماء، فسعِدوا وفازوا بخُلود الذِّكر وعظيم الجزاء!!

ما أعظمك يا رسول الله وأنت تُجابِهُ الشامتين والحاقدين والحاسدين والجهلةَ والمتكبرين والمستهزئين من كل لَوْن وصنف!! فصَبَرْت لربِّك، ولربك وحْدَه، فكفاك الله تعالى شر المستهزئين فَغَرُبَتْ شمسُهم ـ إن كانت لهم شمس ـ وحُصِدُواـ غير مأسوف عليهم ـ حَصْداًَ يعْتَبَرُ آيةً من ربِّك، ومعجزةً متلألئةً تُخَلّدُ صِدْقك، وصِدْق رسالتك، وصِدْق نبوَّتك لمن كان في حاجة إلى دليل على صِدْقك، كما تُخَلِّدُ كذِبَ وافتراء أعدائك الذين عايشتَهم والذين أخبرك ربُّك بهم، وأخبرتَنا بهم لتعرفَهُمْ أُمَّتُكَ بخُبثهم وسفههم في كُلِّ العصور، فلا تبالي بهم، لأنهم إلى الخِزْي منتهون، كما انتهى سَلَفُهم المخزيُّون!!

ما أعظمك يا رسول الله!! وأنتَ تَقْرَأ مستقْبَل النُّور الذي بُعِثْتَ به!! فتراه مُشرِقاًً لامعاً لَأْ لَاءًً مِنْ خِلاَلِ الظُّلَمِ الحالكة السَّواد، فتقول : والله لينتَصرَّن هذا الدينُ حتى يَبْلُغَ ما بَلَغَ الليلُ والنهار!! لِتُعَلِّمَ الأمَّة الثقة في الله تعالى ووعْدِه الحقِّ الصَّادق، وتُعَلِّمَهَا أن الحَقَّ يَعْلُوولاَ يُعْلَى عَلَيه!! وأن الباطل ساعَةٌ، ودولةَ الحق إلى قيام السَّاعة!!

ما أعظمك يا رسول الله!! وما أحلَمَك!! وأنت تُجابهُ السفاهة بالحِلْم والعفو والصفح!! فتقولَ لقوم آذوك وسفِهُوا عليك : اللهم ارحَمْ قَوْمي فإنهم لا يعلمون!! لِتُعَلّم الأمة أن الرسالة الإسلامية يحمِلُها الصابرون لله وحده، فلا يحمِلون حِقداً لأحدٍ، ولا حُبَّ انتقام من أَحَدٍ، مهما سُجنُوا وعُذَِّبُوا وقُتَِّلوا وشُرِّدوا لأنهم يعملون مع الله تعالى الذي يُوفّي الصابرين أجْرَهُمْ بغيْر حساب!!

ما أعظمك يا رسول الله وما أحلمك!! وأنت تُعَلّم البشرية كلَّها كيف يكون القلبُ الكبير! وأنت تقول للذين آذوك وأخرجوك وطردوك وحاربوك بحِقْدٍ وحَنَق : اذْهَبُوا فأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ!! ولو شئت أن تحصُدَهم حَصْداً لحصدتَهُم في غَداةٍ واحدة!! ولكنَّ قلبك الكبير وسِعَ جُرمَهُمْ فجرَّعْتَهم غُصَصَ النَّدم التي أَثْمَرَتْ سريعاً حُبَّك، وحُبَّ ربك، وحُبَّ دينك، وحُبَّ الجهاد معك لإعلاء راية الدين الذي حاربوك من أجله!! وبذلك أحْدَثْتَ في التاريخ كله ثورة انقلابية بيضاء لا تُراق فيها قطراتُ من الدن ولكن تُسْكَب فيها جُرْعاتُ الإيمان في القلوب الجاهلية المتعطشة للإنقاذِ من ضَيق الهوى ومكْبوتات الصدور المحدودة  الآفاق لتُعلّم الأمة أن الانقلابات السلميةَ أسرَعُ حَلاًّ، وأنْفَعُ عِلاَجاً، وأَدْوَمُ صلاحاً، وأسلمُ عاقبةً!!

ما أعظمك يا رسول الله!! وأنتَ تحذِّرُ الأمة من الأخطار الخارجية التي سَتَتَكالَبُ عليها إن هي أُصيبَتْ بالوَهن، وضَعُفَت عن القيام برسالتها، واشتغلَتْ بالحطام اشتغالا جَعَلَها خفيفة الوَزْن عند الله وعند الناس، لا يُحْسَبُ لها حسابٌ قَطُّ!! فقلتَ لها : “يُوشِكُ الأمَمُ أنْ تَدَاعى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إلَى قَصْعَتِهَا” فقال قائل : أوَمَنْ  قلة نحن يومئذ؟ قُلت : “بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثيرٌ، ولكنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وليََنْزعَنَّ اللَّهُ من صُدُورِ عَدوِّكُم المَهَابَةَ مِنْكُمْ، ولَيَقْذفَنَّ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ” قال قائل : يا رسول الله!! وما الوهن؟! فقلت : “حُبُّ الدُّنْيَا وكَرَاهيَةُ المَوْتِ”(أبو داود).

صَلَّى اللَّهُ عَلَيك ياَ رَسُولَ اللَّه!!

فقد تكالَبَ على أمَّتِك هَبَابِلَةُ الشرق والغرب، ونمارِدَةُ الشمال والجنوب، فالكل يُريدُ أن يأخُذ مِزْقَةً من مِزقِ أمَّتِك التي صارت لا يَجْمَعُها شمْلٌ بعد أن فرَّطت في الاعتصام بكتاب ربك وسنَّتك!!

صلى الله عليك يا رسول الله!!

فقد  أصبحت أمتك بعربها وعجمها تائهة، إذ اجتمع كبار القوم اجتمعوا بدون برنامج ولا منهاج، وإذا اجتمعوا ببرنامج ومنهاج تخاصموا وانفضوا بدون اتفاق على برنامج ولا منهاج، وإذا اتفقوا على برنامج أومنهاج خرجوا وهم عازمُون على التنكُّر لكل برنامج أو منهاج. اجتماعُهُم ريَاءٌ وتظاهر، وافتراقُهم اغترارٌ وتدابُر!!

صلى الله عليك يا رسول الله!!

لقد حذَّرتَنا مِنْ غَزْو الكُفْر لقلوبنا باتباع سنَن من قبلنا شبرا بشبر وذراعا بذراع، ولكن أمتك انزلقت انزلاقة كبرى فأصبحت هَيْبَةُ رموز الكفر في قلوب كبار قومنا أعظم من هَيْبَةِ الله تعالى، يطيعونهم ويعصَوْن الله، يوادُّونهم ويعادون أحباب الله، يُحكِّمون قانونهم ويطَلِّقون شريعة الله… حتى أصبح الحملُ ثقيلا جدا على الطائفة التي بشَّرتَنَا بتعليق الآمال عليها، إنها إذا دَعَتْ حوربَتْ، وإذا  كتَبَتْ صُودرَتْ، وإذا جهرت وصَدَعَتْ سُجنت وقُتلت، وإذا ظهرت حُوصرت وجُوِّعَتْ!! ومَعَ ذلك، فإن هذه الطائفة تصارع الأمواج الكفرية والنفاقية شرقا وغربا متعلقة بالوَعْد الكبير الذي قُلتَ فيه “تَكُونُ النُّبوَّةُ فيكُم مَا شَاءَ اللَّه أنْ تَكُونَ ثم يرفعُها الله تعالى. ثم تكونُ خِلافةٌ عَلَى مِنْهاج النُّبُوَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَن تَكُون، ثم يَرْفَعُهَا الله تعالى، ثم تكُونُ مُلْكاً عَاضّاً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أن تكُونَ، ثم يَرْفَعُها اللَّهُ تعالى، ثم تَكُون مُلْكا ًجَبْريةً فتَكُونُ مَا شاَءَ اللَّهُ أن تَكُونَ، ثم يَرْفَعُهَا اللَّهُ تعالى، ثم تكون خِلافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ نبوَّةٍ”(أحمد والبيهقي)

إنه الأمل الذي تهون معَهُ كُلُّ الصعاب، وتُبذَل في سبيله الرقاب.

صلى الله عليك وسلم في الأولين والآخرين!! وإننا لنبرأ إلى الله تعالى مما فعل في حقك السفهاء المتكبرون، ونعتذر إليك مما  يصنعه ـ من أبناء أمتك ـ المتخاذلون.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *