قضايا المرأة بين الشرع والعقل


5- شبهات حول النظرة الاسلامية للمرأة

ديــة الـمــرأة

أقر الإسلام شرعة القصاص في القتل العمد، وسوى في ذلك بين الذكر والأنثى، أما في حالة الخطأ فقد أوجب الدية: {ومن قتل مومنا خطأ فتحرير رقبة مومنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا}(النساء:92) وهي مقدار محدد من المال، الأوصاف والأسنان، على أهل الإبل، وألفي شاة من الغنم على أهل الغنم، ومائتي بقرة على أهل البقر، وعندما غلت الإبل في عهد عمر ] جعل الدية ما يساوي ذلك ذهبا وفضة، وكانت الدية أول الأمر واجبة على العاقلة بسبب النصرة التي كانت على العشيرة في زمنه  ثم بعده على أهل الديوان، وهذا التنويع في الأداء كان فيه تيسير على أهل الدية حضرا وبدوا لتسهيل الأداء عليهم، ومنه يؤخذ أداء ما يعادل القيمة على اعتبار أن الإبل هي الأصل.

وقد ذهب جمهور من الفقهاء والمحدثين إلى أن دية المرأة، إذا قتلت خطأ، هي نصف دية الرجل، ومستندهم في ذلك حديث معاذ بن جبل ] أن رسول الله  قال:”دية المرأة على نصف دية الرجل”على الرغم من أن إسناده لا يثبت مثله وفيه انقطاع كما قال البيهقي. إلا أن هذه القضية أصبحت في عصرنا تثير جدلا بين الفقهاء ورجال القضاء والقانون، وحساسية إزاء مقررات المنظمات الدولية، وذلك بعد أن أصبحت المرأة كالرجل في مختلف مجالات الحياة وفي شغل الوظائف العامة وتحمل المسؤوليات المهمة، ومن هنا قال بعض العلماء: إن دية المرأة مثل دية الرجل مستندين في ذلك إلى جملة من القرائن والمبررات:

أولا: إن الحديث الذي جعل دية المرأة على نصف دية الرجل لم يصح عن النبي  فقد جاء عن معاذ بن جبل وقال البيهقي: إسناده لا يثبت مثله، وجاء عن علي بن أبي طالب، وفيه انقطاع، وليس في الصحيحين، مما لم يبلغ معه من قوة السند ما يجعله يخصص عموم القرآن.

ثانيا: إن الإجماع لم ينعقد في هذه القضية، فقد خالف فيها الأصم وابن علية القائلين بأن دية المرأة مثل دية الرجل”(1).

ثالثا: إن الزعم بأن دية المرأة أرخص وأن حقها أهون، زعم غير صحيح مخالف لظاهر القرآن الكريم الذي أقر أن الرجل يقتل في المرأة كما أنها تقتل في الرجل، اعتمادا على قوله تعالى:” النفس بالنفس}(المائدة:45) إذ سوى بين دمهما باتفاق، وفي الحديث: >في النفس مائة من الإبل< وكلمة نفس تطلق على الذكر والأنثى.

رابعا: إن ما ذكره بعض الفقهاء المعاصرين من أن الدية تعتبر تعويضا عن مفقود، وفي العوض يلاحظ التكافؤ، فقتل الرجل خسارة للأسرة أفدح من قتل المرأة حيث يكون فقد رب الأسرة أشد ضررا، مردود عليه بأن الشارع سوى في الدية بين الرجل الراشد والطفل الرضيع، وبين العالم والأمي، والصالح والشرير، رغم أن الخسارة بفقد أحدهما ليست متكافئة ولا واحدة، لأن نظر الشارع هنا إلى النفس وقيمتها الإنسانية كما في القرآن: {أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا}(المائدة:33) ولعل هذه التبريرات الفقهية والإنسانية هي التي جعلت شيوخ أهل العلم المحدثين من أمثال محمود أبو زهرة ومحمد شلتوت ومحمد حسنين مخلوف وغيرهم يختارون التسوية في الدية.

وهذا المنظور الفقهي الاجتهادي في مسألة الدية، يتفق مع مبدإ المساواة ومع ما يقتضيه عموم أحكام الشريعة من أن تكون أحكامها سواء بين الأفراد، إذ من شأن إجراء الأحكام والقوانين على وتيرة واحدة، أن يعين على تماسك الأمة ووحدتها الاجتمـــــاعية، هذا فضلا عن أن تحقيق مبدأ التسوية في الدية سيدفع تساؤل خصوم الإسلام:هل المرأة في نظر الشريعة الإسلامية نصف إنسان حتى تكون ديتها نصف دية الرجل؟.

———-

1- الإمام الشوكاني: نيل الأوطار ج 7،ص:68

2- نظرات في فقه الشيخ الغزالي ومرتكزاته-مجلة المسلم المعاصر- العددان:75 – 76 -1995.

ذ.عبد الحي عمور

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *