في ذكرى مولد الرسول


الإسلام دين لجميع الناس

إن كل الديانات التي ظهرت وانتشرت بين الناس سميت بأسمائها، إما نسبة لرجل خاص أو إلى أمة معينة، فالمسيحية مثلا أخذت اسمها من المسيح عليه السلام، واليهودية أخذت اسمها من قبيلة تعرف بيهودا… إلا أن الإسلام لا ينتسب إلى رجل خاص ولا إلى أمة معينة، وإنما يدل اسمه على صفة خاصة يتضمنها معنى كلمة الإسلام الذي هو دين عام، ولذلك كانت غاية حامل رسالته محمد ، أن ينشره بين جميع الناس {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا}(سبأ : 28). وقد حذر الله عز وجل من لم يومن بهذا الدين فـــي قوله تعالى : {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}(آل عمران : 84).

التبشير بنبي الإسلام عليه السلام

جاء في سفر التكوين في الإصحاح التاسع والأربعين، أن يعقوب عليه السلام جمع أبناءه وأخبرهم على أن آل يهودا لا يزول منهمالملك والأنبياء حتى يأتي الإسلام، فتخضع له الشعوب وهو ما وقع فعلا. كما بشرت ببعث الرسول ، التوراة والإنجيل، قال الله تعالى مخبرا عما قاله عيسى عليه السلام لبني إسرائيل : {وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد}(الصف : 6).

نسب الرسول

نسبه  من جهة أبيه، هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هشام بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن مدين بن عدنان. وهذا القدر هو المتفق عليه من نسبه عليه الصلاة والسلام، أما ما فوق ذلك فمختلف فيه.

تاريخ ومكان ولادته عليه السلام

كانت ولادته ، بمكة المكرمة صبيحة يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول من عام الفيل، الموافق ليوم 22/04/571م على  قول جمهور علماء المسلمين، من أمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف. توفي والده عبد الله بالمدينة في رحلة تجارية كان قد خرج معها بعد زفافه بأسبوعين أو ثلاثة، بأمر من جده عبد المطلب، وكانت أول من حملته عند ولادته السيدة بركة، الجارية التي كانت قد اشتراها أبوه عبد الله من سوق الرقيق، وأول من أرضعته بعد أمه، ثويبة مولاة أبي لهب التي كانت قد أرضعت عمه حمزة بن عبد المطلب، ثم أكملت مدة رضاعه السيدة حليمة السعدية.

كيفية الاحتفال بالذكرى النبوية

قد يتساءل بعض الناس عمن سن الاحتفال بالمولد النبوي، ومتى كان ذلك؟ وكيف ينبغي أن يكون الاحتفال؟ يقال إن أول من سن الاحتقال بالمولد النبوي، هو الملك المظفر بإربيل في القرن السادس أو السابع الهجري. قال السخاوي : إن عمل المولد حدث بعد القرون الثلاثة الأولى. ويقال : إن أول من أحدث المولد بالقاهرة هو المعز  لدين الله الفاطمي سنة 362هـ وإن أول من ألف فيه كتابا هو أبو الخطاب بن دحية، وقد سماه “التنوير في مولد البشير النذير”. أما عن كيفية الاحتفال بهذه الذكرى  الميمونة فمن الأفضل أن يكون فيها شيء من التوسع في المأكل والمشرب والملبس، من غير أن يكون في ذلك إسراف أو تبذير، وينبغي أن يُظهر المسلمون الفرح بالمناسبة، من خلال ما يُتلى من كتاب الله عز وجل، وما يُسمع من أحاديث وشمائل رسول الله ، وذكر محاسنه والصلاة عليه وغرس محبته في قلوب الناس، وخاصة منهم الأطفال الذين ينبغي لهم أن يعرفوا سيرة نبيهم عليه السلام من المولد إلى الوفاة، مرورا بالبعثة والهجرة وما شارك فيه من غزوات… وألا يُعظم بالمناسبة إلا بما يُرضي الله عز وجل ويُرضيه. ويُستحسن أن يكون ذلك في أماكن العبادة، كالمساجد ودور القرآن  وبيوت المسلمين وغيرها من الأماكن الطاهرة، ولا بأس من استعمال بعض الوسائل التي تقرب المعلومات والمفاهيم إلى أذهان المستمعين، كالخرائط وأشرطة التسجيل وغيرها، ويجب أن يخلو الحفل من كل ما هو مخل بالآداب والأخلاق، أو مرفوض شرعا كالأغاني وضرب الطبول والموسيقى  الماجنة واختلاط الرجال بالنساء… وفي حالة حدوث هذه الأمور المخالفة للشرع لا قدر الله، يجب إنكار الأفعال على أصحابها لا الذكرى بعينها، لأن الذكرى كما هو معروف تبقى بدعة حسنة يُحتفل بها في النطاق الشرعي كغيرها من الأعياد والمواسيم الوطنية، ومن الأفضل ألا يُثار حول الاحتفال بهذه الذكرى خلاف، يتأذى به المسلمون ويستفيد منه الآخرون. قال تعالى : {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} وقال : {وتعاونوا على البر والتقوى ولاتعاونوا على الإثم والعدوان ومعصية الرسول}.

صراع بين الإيمان والإلحاد

إن تاريخ الإسلام والمسلمين، حافل بالأمجاد المشرقة، رغم ما اعترضه من نكسات سلبية عبر تاريخه الطويل، وقد تحقق لهم ذلك بفضل الله وفضل من رباهم رسولالله  ، من علماء وزعماء وقضاة… الذين قاموا بواجبهم أحسن قيام في  الحكم والتوجيه والإرشاد والمشورة والمحافظة على الدين والوطن وكرامة المواطنين، فتحققت على أيديهم وحدة المسلمين وازدهرت حياتهم المعيشية وكانوا أناسا مُهابين، يُحسب لهم ألفُ حساب.

أما اليوم، حيث لم يعد لهم قول يُسمع، ولا رأي يُحترم لأسباب كثيرة منها : البعد عن الدين {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} وغياب رأي العلماء في المشورة واتخاذ القرارات، والخلافات الحدودية بين هذه الدولة أو تلك، وما يسمونه بالحرب على  الإرهاب… كل هذه الأسباب وغيرها مما يعلمه الله، استغلها أعداء الإسلام والمسلمين فراحوا يعبثون بديننا ومقدساتنا وبمصالحنا الداخلية والخارجية، وهم مرتاحو البال لا يخافون لومة لائم. وقد بلغ الأمر بهم إلى درجة المطالبة بتغيير خريطة دول الشرق الأوسط على النمط الذي يريدونه، كما غضوا الطرف عمن قام بتمزيق المصاحف القرآنية، وأخيرا وليس أخيرا تجرؤوا على  شخص رسول الله، بواسطة الرسوم الكاريكاتورية التي نشرتها الصحف الدانماركية أولا، ثم تبعتها في ذلك بعض الصحف الأروبية، تأييدا أو تشجيعا لها على هذا العمل السافر البشع، الذي لم يسبق له مثيل في التاريخ، وقد أغضب هذا الفعل الشنيع المسلمين في جميع أنحاء المعمور، فهبوا للقيام بالمظاهرات والاحتجاجات على الصعيد الرسمي والشعبي في جل المدن العربية والإسلامية وحتى في بعض المدن الغربية. وما كان هذا التحدي يحدث لخير الخلق أجمعين صلوات الله وسلامه عليه وللمسلمين، لو علم أعداء هذا الدين أن ردَّات الفعل ستكون سريعة  وقوية على جميع الأصعدة، وتمس مصالحهم أولا بأول، ولكن أين نحن من هذه وتلك، والحالة أن رأي علماء الأمة شبه غائب، وتوحيد الرأي بين قادتها وحكامها مستبعد في الوقت الحاضر، ودور منظمة المؤتمر الإسلامي غير فعال، فضلا عما يسمى بالجامعة العربية التي لا حول لها ولا قوة للأسف الشديد. {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} لكن رجاؤنا في الله، ويقيننا فيه  أنه سبحانه سينصر هذه الأمة التي شرفها بالقرآن الكريم، وبخاتم الأنبياء والمرسلين على أعداء الله، عاجلا أو آجلا “وما ذلك على الله بعزيز”.

ذ.محمد الصباغ

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *