غُربة الدين مع كثرة المسلمين


الحمد لله الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور، أحمده حمداً كثيرا وأستغفره بكرة وأصيلاً، وأعوذ به من شرور أنفسنا .

… أما بعد : فيا أمة الإسلام

إننا نسمع الكثير عن الغريب والغُرباء وأهل الغربة، ونقرأ في بعض النصوص التي تدعو إلى الزهد والورع والتزود للآخرة، >كن في الدنيا كأنك غريب< ونسمع كذلك عن غُربة الدّين، وكثرة المتآمرين على شريعة رب العالمين، ونقرأ في حديث الصادق الأمين >بدأ الإسلام غريباً وسيعودُ غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء< فالغريب الأوّل هو الحبيب محمد  فلقد كان يخرج ُ إلى القبائل ويعْرضُ نفسه عليهم، ويقول بِكل تواضُع : من يُؤويني؟ من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، وأثناء هذه الدعوة وهذا البيان، من سيد ولد عدنان، لكل إنسان، فإن عمّه أبا لهب كان له بالمرصاد، يتبعُه من الخلف وينادي ويقول : لا تُصدقوه إنه كذاب، إنه مجنون.

{وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك}، {وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً}، فسيّد الغرباء في هذا الدين هو المبعوث رحمة للعالمين، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، يقول ابن مسعود ] لقد مرّت علينا أيام بمكة وما أحد منا يرفَعُ صوتَه بالحق أو كما قال، وعندما سئل عن أسْوإ شيء مرّ عليه، قال كنا في مكة وخرج رسول الله  ومرّ عليّ نفر من قريش، فقاموا إليه، فهذا يتلتله وهذا يجلجله وهذا يدفعه فو الله ما استطاع أحد أن يقترب من رسول الله إلا أبا بكر الصديق، فجعل يدفع هذا ويُتَلْتِلُ هذا ويجلجل هذا ويبكي ويقول : أتقتلون رجلا يقول ربي الله فقال رسول الله : مؤمن هذه الأمة خير من مؤمن آل فرعون فذاك كان يكتم إيمانه والصديق يعلن إيمانه.

وبعد الغربة الأولى نصر الله دينَهُ وعبدَه وأعز جنده وهزم الأعداء وحده، فجاء بعد هذا الخير شر،وبعد الشر خير وفيه دخن، فكانُوا يقولون : كُنّا نتعامل بالدين فلما ذهب الدين بدأنا نتعامل بالمروءة، فلمّا ذهبت المروءة، بدأنا نتعاملُ بالحياء، فلما ذهب الحياء، بدأنا نتعامل بالعُرف، فلما ذهب العرفُ لم يعد لنا شيء نتعاملُ به، ضيعنا الدين، ضيعنا المروءة، ضيعنا الحياء والعُرْف، ذهب عزنا وضاع مجدنا، وفقدنا مروءتَنا، وذُبْنا في التقاليد الفاسدة كما ذاب الملح في الماء.

وقد يقول قائل إذا قال رسول الله  عن زمانه بدأ الدين غريباً فهذا صحيح ولكن أين هي الغربة الآن والمسلمون ازداد عددهم وكثر جندهم. ووصلوا في النمو الديمغرافي أكثرمن مليار ومآت الملايين والحقيقة تقال : أننا عندما كنا قلة مع الله نصرنا الله، وعندما أصبحنا مع غير الله أصبحنا نملأ الأرض بكثرتنا ولا تُغْني شيئا، تجمعنا زمارة، وتفرقنا عصاً، نكثر عند الطمع، ونتفرق عند الفزع، أصبح الاسلام غريباً في وطنه محاصراً في بيتِه، مشرّداً عند قومه مهاناً عند أهلِه، مطرودا مضطهدا متابعاً متهماً مُهمّشا، وصفوا الاسلام الرحيم بالارهاب.

فإذا أردتم أن تعرِفوا حقيقة هذه الغربة فانظروا اليوم إلى عقيدة المسلمين، وانظروا إلى الركن الثاني الذي هو عمود الدين، وانظروا إلى الزكاة، وإلى الصيام وإلى الحج وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، انظروا إلى الأخلاق وإلى المعاملات  انظروا إلى الجهاد في سبيل الله، انظروا إلى الأحكام الشرعية وإلى الحكم بما أنزل الله.

لقد ظهر في هذه الأمة صنْف غريب عن الإسلام والمسلمين، صِنْف غريب عن هذه الأمة، وعن جِسْمها وعن رُوحِها، ألسنَتُهم السِنَةُ العرب، وقلوبُهم قلوب الأعاجِم، قلوبُ الشياطين في جثمان الإنس، لا يعرفون معروفا ولاينكرون منكراً ولا يرحمون صغيراً ولا يوقرون كبيراً ولا يحترمون عالماً ولا فقيها، يمشي الصالح بينهم مستخفيا أولئك شرار خلق الله.

وبهذا الصنف الغريب الدخيل على هذه الأمة، اختلط الحابل بالنابل والصاعد بالسافل، وأصبح المسلم الصادق الأمين متهماً مُطالباً في الاعلام والاقلام، وبهذا ظهرت وصدقت نبوَّة الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام عندما قال في هذا الحديث الذي رواه أحمد والحاكم وأبو داود وغيرهم، إن من ورائكم أيّامًا خداعة، يصدّق فيها الكذاب، ويكذّب فيها الصادق، ويؤتمنُ الخائن، ويُخوّنُ الأمين، ويتكلم الرويبضة.

اكتفى الناسُ بالمظاهر الجوفاء، زينوا المظاهر،وضيعوا السرائر اشتغلوا بإصلاح الصورة الفتوغرافية والديكور وتركوا الأصل واللب والجوهر، ومازالوا يتحدثون عن الإصلاح ولا وجُود للإصلاح إلا عند الذين يفسدون ولا يصلحون، وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون}.

والأمة لا تخرج من ورطة إلا وقعت في ورطة أخرى، فأصبحت لا تُميِّز بين المصلح والمفسد، ولا بين الصادق والكذاب ولا بين الأمين والخائن، فأصبحت عند الشدائد تَلجَأ وتسْتجير بمن لايملك نفعا ولا ضرّاً فهي تَسْتَجِير  من الرمضاء بالنار، وهي كمن يصُبّ الماء في رمال الصحراء وكمن يشرب من ماء البحر، فعندما ترون الذين يحملون أسماء الصالحين، ويسبون الله والرسول ولا يستجبون لله ولا لرسوله الأمين، أليست هذه هي الغربة للدين؟! وعندما ترون الذين يقترفون السيئات والموبقات نهارا جهاراً أليست هذه هي الغربة للدين؟!.

وعندما تروْن لكل فرقة أو طائفة حزب أو دولة لها اسلام غير الإسلام ودينٌٌ غير الدين، وعقيدة غير عقيدة المؤمنين الأولين، أليست هذه غربة في الدين؟!، وعندما ترون الذين يفسرون الاسلام وتعاليمَ الاسلام بأهوائهم، وما يُريده هذا أو ذلك أليست هذه غُربة في الدين؟، وعندما ترون العري والتبرّج والسفور والزنا واللواط في بلاد الاسلام تُدركون حقيقة هذه الغربة.

وعندما ترون ادعياء الضلال والانحراف وخطباء الفتنة الذين ضلوا وأضلوا تدركون معني الغربة، وعندما ترون أهل البدع والضلالات والمواسم الشركية تعلمون حقيقة الغرباء، قال العلامة ابن القيم رحمه الله :

>لما أعرض الناس عن تحكيم الكتابِ والسنة والمحاكمة إليهِما واعتقدوا عدم الإكتفاء بهما، عرض لهم من ذلك فسادُ في فِطرهم، وظُلمة في قُلوبهم وكدَر في أفهامِهم، ومحْقٌ في عقُولِهم، وعمّتهم هذه الأمور وغلبت عليهم حتّى رُبِّي عيها الصغير، وهرِم عليها الكبير، فلم يروها منكراً، فجاءتهم دولة أخرى أقامت فيها البدع مقام السنن والهوى مقام الرشد، والضلال مقام الهدى، والمنكر مقام المعروف، والجهل مقام العِلم، والرياء مقام الإخلاص، والباطل مقام الحق، والكذب مقام الصدق، والمداهنة مقام النصيحة، والظلم مقام العدل، فصارت الغلبة لهذه الأمور، فإذا رأيت هذه الأمور قد أقبلت، وراياتُها قد نُصبت ، فبطْن الأرض والله خير من ظهرها، وقُلل الجبال خيرٌ من السهول، ومخالطة الوحْشِ أسلم من مُخالطة البشر، اقْشعرّت الأرض،وأظلمت السماء، وظهرَ الفسادُ في البرّ والبحر من ظُلم الفجرة، وذهبتَ البركات، وقلّت الخيرات، وهزلت الوحوش،وتكدّرت الحياة من فِسق الظلمة، وبكى ضوء النهار،وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة والأفعال الفضيحة، وشكا الكرام الكاتبون والمعقبات إلى ربّهم من كثرة الفواحِش وغلبة المنكرات والقبائح وهذا والله مُنْذِر بسيل عذاب قد انعقد غمامُه، ومُوذِن بليْل بلاء قد ادلهم ظلامه، فاعدلوا عن طريق هذا  السبيل بتوبةٍ نصوح، مادامتِ التوبة ممكنة وبابها مفتوحاً، وكأنكم بالباب وقد أُغلق، {وسيعلم الذين ظلموا أي منقل بنقلبون}.

عباد الله :  إن الأمر قد زاد في زماننا هذا عمّا وصفَهُ الإمام ابن القيم فأصبح الاسلام غريباً في بلاده، واكتفى النّاس بالتّسمّي به، والانتساب إليه من غير عمل بأحكامه، فيا أيها الغريب الحبيب الذي بشره رسول الله  في بقية الحديث الذي بدأنا به فقال : فطوبى للغرباء< ومن هم الغرباء الذين بشرتَهم ودعوتَ لهم يا رسول الله وقُلت وأنت الصادق المصدوق : >بدئ الإسلام غريباً وسيعود غريبا كما بدئ، فطوبى للغرباء< إنهم الذين يصلحون ما أفسد الناس، فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما فسد من الناس، فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما فسد من أمته.

فكونوا من الغرباء الذين يصلحون ولا يُفسدون، وبأمر الله يعملون {الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين بآيات ربهم يومنون والذِين بربّهم لا يشركون والذين يوتون ما آتوا وقلوبُهُم وجِلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يُسارعون في الخيرات وهم لها سابقون}. {ولا نكلف نفساً إلا وسعها ولدينا كتابٌ ينطق بالحق وهم لا يظلمون}، ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمن ونجنا برحمتك من القوم الكافرين.

üüüüüüüü

الحمد لله الذي لا ينبغي الحمد إلا له، والصلاة والسلام على خاتم النبوة والرسالة وعلى آله وصحبه..

عباد الله : بعد أن غُصْنا بكم في بحور الغربة، فتعالوْا لنَعِيش مع البشارات التي جاءت من الله ومن رسول الله والتي جاءت بها السنن الربانية والسنن الكونية، والصراع بين الحق والباطل، والعاقبة للمتقين، {ولا تحسِبَنَّ الله غافلا عما يعمل الظالمون} فالمؤمنون الصادقون يعتقدون اعتقاداً جازماً وراسخاً، أن المستقبل للإسلام، ونحن لا نبني هذه الرؤيا على أوهام ولا على أحلام، ولا نُغْمض الأعين عن العراقيل القائمة في وجْه العمل الاسلامي من الداخل والخارج، ولا نُقلل من شأن ذلك ولا من تأثيره على الصحوة الاسلامية، ولكنّنا نؤمن إيماناً جازماً أن البشر ليسوا هم الذين يقدِّرون الأقدار، ويدبرون الأمور، ويحسنون الصنع، سواء منهم العدو أو الصديق، إنما الذي يقدر ويدبّر الأمر ومشيئته نافذة وحُكمُه نافذ لا يقبل الاستئناف ولامعقب لحكمه وهو سريع الحساب هو الله، الذي يقول للشيء كن فيكون، {والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون} والله هو الذي قدر لهذا الدين أن يبقى في الأرض وأن يظهر على الدين كله، ووعد المؤمنين بالنصر في الدنيا وفي الآخرة، وأخبر أن المتمسكين بهذا الدين هم الغالبون وأنه سيمكّن للمؤمنين المخلصين في الأرض، {ونريد أن نمن على الذين اسْتُضْعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكّن لهم في الأرض}. واقرأوا التاريخ كيف كانت عاقبة الظالمين والمكذبين {ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيفك ان عاقبة مكرهم إنا دمرْناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتُهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآيات لقوم يعلمون وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون} وجعل الله لكل ظالم حدا لا يتجاوزه وموعدا لن يخلفه، فقال سبحانه {وتِلك القُرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعداً} والله عز وجل هو القادر على أن يُخَْْلق الأسباب التي يتحقق بها كل شيء حيث يقول للشيء كن فيكون، فلا يُسْأل عمّا يفعل وهم يُسئلون، والقرآن مليء بالقَصَص والعِبر والأمثال والحِكم والآياتِ الدالة على قدرة الله عز وجل المطلقة بعد ما طغى فرعون في الأرض وقال ما علمت لكم من إله غيري وكان يذبح الصبيان والنساء واستباح النساء لحاشيته وجُنْده، وإذا بالأقدار تربي موسى في قصْر فرعون ويعكف على تربيته، وبعد ذلك قال الله لموسى {ثم جِئت على قدر يا موسى} ثم كانت عاقبته الدّمار والهلاك، وأمثال هذا كثير في كتاب الله واعلموا أن دوام الحال من المحال، ومهما طال الظلام لا بد من بزوغ الفجر، لا بد أن يشرق العدل بعد ظلام الظلم {ما كان الله ليذر المومنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} ولكل شيء بداية ومن كانت له بداية لا بد له من نهاية،فلو دامت الأمور والقوة للأولئك ما وصلت للأواخر.

واسمعوا قول رسول الله  في هذا الحديث الذي رواه أحمد وغيره : >ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار حتى لا يبقى بيت مَدَرٍ ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعزّ عزيز، أو بذل ذليل، عزّاً يعزّ به الدين وذلاّ يُذل به الكفر< ويقول  في هذا الحديث المشهور : >لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، حتى يأتي أمر الله أو تقوم الساعة<، وفي رواية >لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لعدُوهم قاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولامن خالفهم<.. وأخبر أن المتمسك بسنته عند فساد أمته له أجر شهيد، وقال عليه الصلاة والسلام >إن وراءكم أيام صبْر القابض على دينه كالقابض على الجمر المتمسك بسنتي عند ذلك لَهُ أجر خمسين منكم يعملون بعملكم، والله تعالى يقول : {والله متم نوره ولو كره الكافرون} {ويومئذ يفرح المومنون بنصر الله}، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم،وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وعن عن الآخرة هم غافلون} فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وانصُر الاسلام والمسلمين، اللهم اجعل كلمة الإسلام هي العليا، اللهم ردنا إلى الإسلام ردا جميلا، اللهم اجمع شتات المسلمين، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين واشف مرضانا ومرضى المسلمين…..

ذ.عبد الحق اليوبي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *