عظمة الإسلام


((في جلسة جمعتني بجماعة من طلبة الجامعة، في إحدى ليالي رمضان المبارك، دامت أربع ساعات تقريباً، أثير فيها موضوع انتشار الإسلام بالسرعة المعروفة، وكان أغلبية الطلبة يعتقدون ويجزمون بأن الإسلام انتشر بالسيف لتحقيق أهداف توسعية واقتصادية. ولم ينتشر بالحكمة والموعظة الحسنة والقدوة، كما يدعي معتنقوه، وفي نقاش ساخن معهم كنت أذكّرهم بأسباب انتشار الإسلام منذ بعثة محمد  إلى يومنا هذا، معززاً ذلك بآيات قرآنية وأحاديث نبوية، وهذه خلاصة ما أدليت به أمامهم، وأسأل الله تعالى أن أكون قد وفقت في ذلك)).

ليس من شك في أن الرسالات السماوية -ومنها الإسلام- مصدرها واحد وهو الله تعالى، تتفق على وجوب الاعتقاد بالله عزوجل، وعبادته وحده، وليس من شك أن الرسالات السماوية السابقة للإسلام لم تبق ربانية كما جاء بها الوحي من عند الله تعالى، بل حرفت وشوهت، فجاءت رسالة محمد  بوصفها اللبنة الأخيرة والرسالة الخاتمة، التي أكملت البناء، وتممته، لتكشف عن هذا التحريف والتشويه الذي لحق العقيدة والتشريع، ولم تمض إلا فترة قصيرة حتى شملت دعوته  من هم خارج الجزيرة العربية كالفرس والروم، مما أثار إعجاب المناوئين والباحثين والمفكرين، وجعلهم يهتمون بهذه الظاهرة. فما هي الأسباب الموضوعية التي ساعدت على انتشار الإسلام بهذه السرعة العجيبة؟.

إن انتشار الإسلام بهذه السرعة -قديماً وحديثاً- يرجع إلى عدة أمور منها :

1) أنه دين الفطرة، فالنفس الإنسانية تنزع إلى شيء هو من طبيعة فطرتها، ولا شك أن أصلح النظم وأحبها إلى النفوس ما قبلته الطباع وألفته النفوس، وأبعدها عن الصلاحية ما نفرت منها الطباع وهجته النفوس، فالدين أمر فطري لدى البشر جميعا، والإنسان خلق متديناً بطبعه، قال تعالى : {فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرةالله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم}(الروم : 29). وقال  : >كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه<(رواه البخاري).

2) أنه دين الوسطية والاعتدال واليسر، يدعو إلى التوسط في كل شيء، فيجمع بين مطالب الروح ومطالب الجسد، ومصالح الفرد ومصالح الجماعة. وخير الدنيا وسعادة الآخرة. قال تعالى : {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً}(البقرة : 142).

وقال  : >إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا<(رواه البخاري).

3) أنه دين يتفق مع العقل ويسير معه جنباً إلى جنب فلم يكن كبعض الشرائع التي تدعو إلى إهمال العقل، بل يحتكم في تقرير قضاياها إلى العقل، ويعيب على من يهمل عقله، ويلغي تفكيره، ويعتبره كالحيوان الأْعجم. قال تعالى : {لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضلّ أولئك هم الغافلون}(الأعراف : 179).

والقرآن الكريم يدعو إلى النظر في ملكوت السماوات والأرض قال تعالى : {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب}(آل عمران : 190).

4) إشتماله على كل ما تمس إليه حاجة الناس مما ينظم أمور معاشهم وأمور معادهم، وتتوقف عليه سعادتهم في دنياهم وآخرتهم، قال تعالى : {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، ويُبشر المومنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً}(الإسراء : 9).

وقال  : >تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده كتاب الله وسنتي<(رواه مسلم).

5) أنه دين عام خالد، صالح لكل مكان وزمان بعقيدته وعباداته وتشريعاته وأخلاقه، فهو دين الأغنياء والفقراء، والأقوياء والضعفاء والرجال والنساء، والعرب والعجم، مما يجعله يتماشى مع مصالح الناس، ويتناسب مع كل بيئة، وكل عصر، وتتشربه النفوس السليمة، حيثما وجدت. قال تعالى : {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون}(سبأ : 28). وقال  : >…وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة<(رواه البخاري).

وقال  : >إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها<(رواه مسلم).

6) كان لإعجاز القرآن البياني والتشريعي والعلمي أعظم الأثر في هداية الناس، واستمالة القلوب، ودخول كثيرمن الناس -عرباً وعجماً- في الاسلام قديماً وحديثاً، وما نسمعه ونقرأه ونشاهده كل يوم من اعتناق كثير من الأوروبيين وغيرهم لدين الإسلام إلا دليل على إعجاز القرآن وتأثيره في النفوس. قال تعالى : {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدّعاً من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون}(الحشر : 21).

7) سمو مبادئه التي قام عليها في تنظيم حياة الناس من العدالة والحرية والمساواة والإخاء. قال تعالى : {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن}(الحجرات : 11) وقال  : >لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه<(رواه البخاري).

8) التأثر بأتباعه لطهارة نفوسهم واستقامة سلوكهم وسمو أخلاقهم، فدخل في هذا الدين تبعاً لذلك أفراد وجماعات على أيدي التجار والمهاجرين من المسلمين. قال  : >اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحوها، وخالق الناس بخلق حسن<(رواه الترمذي).

9) أنه دين تربية راعى حقوق الإنسان في التربية السليمة المنسجمة مع أوامر الدين وتوجيهاته، منذ ولادته بل وقبل أن يولد حيث وضع شروطاً للزواج الشرعي يجب توفرها في كلا الزوجين. قال تعالى : {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة}(التحريم : 6). وقال  : >مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع<(رواه أبو داود).

10) الاسلام دين جامع ونور ساطع، يهدي لخير الدنيا والآخرة،يكفل مصلحة الفرد، كما يكفل مصلحة الجماعة، ويوقظ الجوانب الروحية في الإنسان، كما يرعى الجوانب المادية فيه وتلك دلائل عظمة الإسلام، وصدق الله العظيم إذ يقول : {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون}(الأنعام : 154).

ذ.أحمد حسني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *