سماحة النبي في التعامل مع غير المسلمين


سماحة النبي  في التعامل مع غير المسلمين

مما لا شك فيه أن في الإسلام من السماحة والسهولة ومن اليسر والرحمة ما يتوافق مع عالميته وخلوده، وهو ما يجعله صالحا لكل زمان ومكان لسائر الأمم والشعوب، فالسماحة تتواءم مع عالمية الإسلام وخطاب الدعوة في القرآن والسنة يؤكد ذلك.

وفي هذه المرحلة الدقيقة والحرجة التي يمر بها العالم الإسلامي تتزايد الأسباب والبواعث التي تدفع إلى معالجة القضايا والموضوعات ذات الصلة بتوضيح تعاليم الإسلام وقيمه ومثله في الاعتدال والسماحة والدعوة إلى الحوار والتعايش. وبالرغم من تعدد المناسبات التي نبادر فيها إلى إبراز مبادئ الإسلام وتبليغ رسالته إلى الناس كافة ونسعى من خلالها إلى تصحيح صورة الإسلام التي ازدادت قتامة وتمييعا في الآونة الأخيرة نتيجة حملات التشويه المغرضة التي تشنها مختلف وسائل الإعلام الغربية، فإن التأكيد على تلك الموضوعات والقضايا يزيدها رسوخا في الأذهان ويبرز حقيقة موقف الإسلام من تلك المبادئ والقيم التي ينسب نقيضها إليه بهتانا وظلما.

وبمناسبة المولد النبوي الشريف،وفي ظل اتهام الرسول  بالعنف والإرهاب (حسب ما عبرت عنه مؤخرا بعض الرسومات الكاريكاتورية الدانماركية) أرى أن في مقدمة ما ينبغي تجليته من أخلاق الرسول العظيم عليه أفضل الصلاة والسلام مبدأ تسامحه مع غير المسلمين.

لقد بعث الله تعالى نبيه  رحمة للعالمين وهو مثال للكمال البشري في حياته كلها، مثال للكمال في علاقته بربه وفي علاقته بالناس كلهم بمختلف أجناسهم وأعمارهم وألوانهم مسلمين وغير مسلمين .

وقد كان  سمحا سهلا مرنا معتدلا، ولم يكن متشددا، فلا إعنات ولا مشقة ولا إحراج في تصرفاته وأفعاله وتعاليمه كلها، فأخلاقه  مع المسلمين وغير المسلمين تقوم على التوسط وتتميز بالسماحة والتخفيف واليسر وترك التنطع والتشدد والغلظة والاستكبار.

وقد أمر الله تعالى رسوله  بأعلى درجات التسامح  فقال تعالى : {فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين}(المائدة 13 )، وقال أيضا {فاصفح الصفح الجميل}(الحجر 85)، ومن نعم الله علينا وعلى الإنسانية إرسال نبينا محمد  بالحنيفية السمحاء رحمة للعالمين، وهذه الرحمة ذات صور من الود والتسامح والعفو والتناصح تظافرت نصوصها من القرآن والسنة، وتجسدت معالمها من خلال تعامله  مع غير المسلمين فقد ثبت انه أوصى بالقبط خيرا وقال في الحديث الذي أخرجه الحاكم ( المستدرك 2/533) وصححه ( إذا فتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا فإن لهم ذمة ورحما) .

وأورد مسلم في كتاب فضائل الصحابة من صحيحه حديث ( ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط (أي مصر) فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمة ورحما).

ومن أروع صور التسامح والحلم والصفح التي عبر عنها الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم في تعامله مع غير المسلمين موقفه يوم فتح مكة حيث مكنه الله من رقاب أعدائه الذين بالغوا في إذايته والكيد له ممن استباحوا دمه وأهدروا حياته لولا أن عصمه الله منهم ورد كيدهم في نحورهم . لقد وقفوا أمامه خاشعين خاضعين نادمين متوسلين ، فقال لهم : “أتدرون ما أنا فاعل بكم” قالوا : خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، فقال  : (أقول لكم ما قاله يوسف لأخوته {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} اذهبوا فأنتم الطلقاء).

وتجلت روح السماحة عند النبي  عندما قال لهم أيضا :” من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن ألقى السلام فهو آمن”.

وعن البراء بن عازب قال : كتب علي بن أبي طالب الصلح بين النبي  وبين المشركين يوم الحديبية فكتب : هذا ما كاتب عليه محمد  فقالوا :” لا نكتب رسول الله، فلو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك، فقال النبي  لعلي : امحه، فقال: ما أنا بالذي أمحوه، فمحاه النبي  بيده.

وروى القاضي عياض في كتابه الشفا  أيضا أن النبي  لما كسرت رباعيته وشج وجهه يوم أحد شق ذلك على أصحابه شقا شديدا، وقالوا : لو دعَوت عليهم فقال :” إني لم أبعث لعانا ولكني بعثت داعيا ورحمة، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون”.

ولو تتبعنا المعاهدات التي صدرت عن النبي  لوجدنا فيها ضروبا من التسامح والموادعة والمساواة، ومن هذه المعاهدات إعلان دستور المدينة الذي اشتمل على سبع وأربعين فقرة منها ما يخص موادعة اليهود كما يلي:

– إن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.

–  إن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف إلا من ظلم وأثم فانه لا يوتغ (أي لا يهلك) إلا نفسه وأهل بيته.

– إن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم.

– وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وإنه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم وأثم وإن الله جار لمن بر واتقى ومحمد رسول الله ) ( هذه المعاهدة ورد ذكرها في كتاب الأموال لأبي عبيد وسيرة ابن هشام، ومجموعة الوثائق السياسية لمحمد  حميد الله رحمه الله).

ولا شك أن هذا المنهج النبوي العملي والقولي في التسامح مع غير المسلمين قد أثر في نفوس الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم ومن جاء بعدهم إلى يومنا هذا، حيث نرى صورا ونماذج من التسامح التي ازدانت بها صفحات التاريخ . لقد كان المسلمون عبر التاريخ حماة لمبدأ التسامح الديني عن طريق إرساء أسس التعايش والحوار مع الآخرين، على اعتبار أن التسامح كمفهوم أشمل يعتبر قيمة حضارية كبرى وفضيلة سامية في الإسلام ينبع من “السماحة” باعتبارها ملمحا جامعا يطبع مختلف جوانب هذا الدين الاجتماعية والتشريعية والسلوكية وسمة مميزة طبعت المجتمع النبوي الذي كان خاليا من كل تعصب أو تطرف ومن كل عنف أو غلو مع الذات أو مع الآخر.

د.حسن عزوزي

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *