تفسير سورة الطلاق


2- الطلاق : حكمته وأنواعه

إن الإسلام لم يلجأ إلى الطريقة التي لجأ إليها المسيحيون الكاثوليك في الزواج عندما زعموا بأن ما ربط في السماء لا يحل في الأرض؛ وهذا يؤدي إلى مفاسد كثيرة، لأن الطلاق إذا لم يتم قانونياً فهو يتم واقعياً. فقد ينفر الرجل من زوجته أو الزوجة من زوجها، وقد تتم هناك معاشرة جانبية حرام، ويقال إن الطلاق لم يقع، والحقيقة أنه واقع، لأن كل واحد منهما يلجأ إلى جهة أخرى يلبي فيها رغباته وحاجاته. فالإسلام إذن، لم يضغط على الناس ولم يمنعهم من الطلاق كل المنع، وفي الوقت نفسه لم يبحه لهم بإطلاق حتى لا يصير الزواج والطلاق موضوع عبث، فالإنسان ليس محل عبث أبداً، كأن يطلق الرجل متى أحب واشتهى، ومثل هذا الطلاق له صورتان :

– الأولى : أن يقع بطريقة سنية ونسميه طلاقاً سُنِّياً، وهو الذي استجمع شروط الطلاق، ولأجل أن يكون الطلاق سنياً لابد من:

> أن لا يقع هذا الطلاق في حيض أو نفاس، وإذا وقع فهو طلاق بدعي، ولذلك قال الفقهاء، إن الذي يطلق زوجته طلاقاً بدعياً فإنه يؤمر بإرجاعها، فإن لم يستجب أرغم على ذلك، حتى قالوا : إذا لم يرد إرجاعها فإن القاضي هو الذي يتولى إرجاعها. ويمكن للرجل بعد ذلك أن يتمتع بزوجته. وإذا أراد أن يطلقها مرة أخرى فليطلقها في طهر.

> أن يطلقها في طهر لم يقع فيه مسيس (أي لم يجامعها في ذلك الطهر). وإذا وقع الطلاق فإنه طلاق يدعى بدعياً كذلك. إذن عليه أن يطلقها في طهر لم يمسها فيه، وهذا الشرط يطيل مدة بقاء المرأة في بيت زوجها مما قد يسمح بعودة الرجل عن رغبته في الطلاق أصلاً.

> أن يقع بطلقة واحدة، عكس أن يطلقها ثلاثاً في مجلس واحد لسبب ما وهذا طلاق بدعي علته في عدد الطلقات؛ وهو طلاق مختلف فيه بين الفقهاء ابتداء من الصحابة إلى من بعدهم.

والذي كان يفتى به في المذهب المالكي هو أن الطلاقإذا وقع ثلاثاً دفعة واحدة فإنه يحسب ثلاثاً (بائناً)، وهذا قول متشدد في مذهب مالك، ليس متفقاً عليه بين فقهاء المالكية؛ لأن بعضهم قال : إذا طلق الرجل ثلاثا في مجلس  واحد فإننا نعتبر ذلك طلقة واحدة. وقال بهذا بعض فقهاء قرطبة ولعل الذي ترجح عند الفقهاء عموماً هو أنه طلقة واحدة وهذاما يجري به العمل عندنا الآن، وهذا ما أفتى به علي وابن عباس وغيرهما من الصحابة.

وربما كان لهذا الأمر أصل في السنة، أي على عهد رسول الله  ذلك أن الرجل إذا قال لزوجته هي مطلقة ثلاثاً كانت لا تحتسب له إلا واحدة.

فلما كان زمن عمر ] قال : إن الناس قد تعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة فلو أمضينا عليهم هذه الطلقة (الثلاث)، وكان عمر ] يريد ألا يتلاعب الناس بالطلاق، لذلك كان يجري الطلاق الثلاث حتى ينزجر الناس. المهم، مهما يكن فإن الطلاق الثلاث دفعة واحدة هو طلاق بدعي. لذلك فحرام أن يقول الزوج لزوجته هي مطلقة ثلاثاً في مجلس واحد.

والطلاق الثلاث، هو أن يطلقها ثم يراجعها فيطلقها ثانية ثم يراجعها ثم يطلقها ثالثة؛ وهذا فيه صبر وأناة وتَرَوٍّ لأن الله تعالى أعطى للناس هذه المهلة حتى يعلموا أحوالهم، فرب رجل طلق طلقة واحدة لكنه بعد ذلك تاب ورجع وعاد إلى رشده؛ أي يمكن أن تكون الطلقة الأولى درساً مهماً للزوج والزوجة معاً.

ويكون الطلاق كذلك بدعياً إذا أردف طلقة على طلقة في رجعة لم تتم.

إذن فحالات الطلاق البدعي أربع :

– إذا طلق في حيض أو نفاس.

– إذا طلق في طهر مس فيه.

– إذا طلق أكثر من طلقة في مجلس واحد.

– إذا أردف طلقة على طلقة في رجعة.

وحكمها إما الحرمة أو الكراهة.

وأكثر الطلاق في حياتنا من هذا القبيل.

المراد من هذا أن تُتْرك فرصة للحد من ظاهرة الطلاق.

إن الإسلام إذ شرع الطلاق جعله ابتداء في يد الرجل، فلنفرض أن المرأة مُكِّنَت من إيقاع الطلاق كذلك، فعدد فرص الطلاق سيُضاعف، مرة يطلق الرجل ومرة تطلق المرأة مما يؤدي إلى ارتفاع نسبة تشتيت الأسرة، وهذا يتناقض مع فلسفة الإسلام في بناء الأسرة وفلسفته في الطلاق على وجه الخصوص.

فإذا أراد الرجل الموظف مثلا أن يطلق فإنه سيفكر كثيراً في مصير جزء مهم من حوالته، عكس الزوجة لو وضع الطلاق في يدها لكان أسهل عليها لأنها لن تخسر شيئاً مادامت لا تنفق بعد الزواج.

والمرأة قد يحصل لها الضرر، لكن الشرع جعل لها طرقاً أخرى لرفع الضرر عنها وهو التطليق أي تمر عن طريق القاضي.

إذن، لنفرض أن الرجل طلق طلاقاً سنياً، فهذا الطلاق إما أن يكون رجعياً وإما أن يكون بائناً.

– والطلاق الرجعي هو الطلاق العادي الذي يقع من رجل مع إمكان مراجعة المرأة متى شاء إلى ما قبل انتهاء العدة حتى لو رفضت هي أو رفض أهلها. أما إذا انقضت عدتها فإن الطلاق صار بائناً بينونة صغرى.

وهنا يتغير الحكم؛ يمكن للرجل أن يراجع زوجته (مراجعة)، ولكن بخِطبة جديدة وصداق جديد كأن الرجل سيتزوج من جديد؛ وفي هذه الحالة لابد من قبول الزوجة، ولابد من صداق وولي…

– والطلاق الثلاث، هو أن يطلق الرجل زوجته ثلاث طلقات رجعية، وهذا هو الطلاق البائن؛ أي أن الزوجة بانت بينونة كبرى، وحرمت على زوجها، فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، يدخل بها دخولاً حقيقياً.

وهناك طلاق يقع بائناً من البداية كأن يقع قبل الدخول، وهذا طلاق لا رجعة فيه. وإذا أراد أن يتزوجها فعليه أن يبدأ عملية الزواج من جديد وفي هذه الحالة يجب لها نصف الصداق {فنِصْف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح}(البقرة : 235) وكذلك لا عدة على المرأة ما دام لم يدخل بها.

ويقع الطلاق بائناً كذلك إذا كان طلاقاً خُلْعياً (الخلع : المرأة تعاشر زوجها وبدا لها أن الحياة معه لا تصلح فللمرأة أن تختلع منه أي أن تسقط عنه النفقة أو تعطيه مالاً.. (أيتشتري طلاقها).

وكذلك طلاق التمليك أو طلاق المُمَلّكة : أي أنّ الرجل يتفق مع زوجته في بداية عقد الزواج على أن يجعل طلاقها بيدها. فإذا حدث أن طلقت المرأة نفسها من زوجها بموجب هذا الحق فإن الطلاق يقع بائناً.

كذلك كل طلاق أوقعه القاضي (بسبب الإيلاء -أي حَلِف الرجُل على ألا يُعَاشِرَ زوجته- فمرَّت مدة أربعة أشهر ولم يرجع الزوج عَمَّا حَلّف عليه طلَّق القاضي عليه زوجته. وكذلك غياب الزوج الطويل : يعطي الحق للقاضي لتطليق الزوجة) لسبب من الأسباب يعتبر طلاقاً بائناً، أي كُلّ طلاق أوقعه القاضي يعتبر بائنا.

د.مصطفى بنحمزة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *