المنهج النبوي في علاج إصابات الأمة


في كلمة د. عبد العزيز فارح عن اللجنة المنظمة :

بسم الله الرحمان الرحيم

الحمد لله رب العالمين الذي أنزل القرآن مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه وجعله للناس شرعة ومنهاجا، وجعل العدول عنه والخروج عن منهجه ورد حكمه أو الإيمان ببعضه، والكفر ببعضه الآخر، عدولا عن الحق ووقوعا في الهوى والضلال والخزي والعذاب.

والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على الحبيب المصطفى والرسول القدوة الذي أصل المنهجد الإلهي وبينه وجسده. في واقع الناس في ضوء هدايات الوحي الإلهي، ومن خلال عزمات البشر واستطاعاتهم، فترك للمسلمين إلى أن يرث الله الأرض وما عليها المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. والزيغ والتيه إنما يكونان حينما ينكمش الحق وأهله، ويي\تغلب الباطل ويظهر، فتسود الثقافة الإلهائية، والصعلكة الفكرية، والتخاذل العلمي. فيزين الباطل وينمق، ويدفع الحق ويُرَد ويستبعد، ويشجع الضلال والتضليل، ويتمحل في تطبيعهما وتطبيع الهزيمة، لإيجاد المسوغات للسقوط الحضاري، كما هو حاصل في زماننا. وقد قال قديما الإمام أبو بكر بن محمد بن موسى الفرغائي: “قد ابتلينا بزمان ليس فيه آداب الإسلام، ولا أخلاق الجاهلية، ولا أحلام ذوي المروءات”- تاريخ بغداد/ الخطيب البغدادي:3/244.

يرحم الله الأستاذ أبا بكر الفرغاني، فكيف لو عاش في زماننا، فما نحن فيمن مضى إلا كبقل في أصول نخل طوال.

فكيف نسهم في استرداد شخصية المسلم المعاصر، وتحقيق الوقاية الفكرية والثقافية وإعادة بناء المرجعية، للأصول التي أعزت الأسلاف في خير القرون بعد ذلة، وجمعتهم بعد فرقة، وعلمتهم بعد جهل، ورفعتهم من الحضيض إلى المعالي، وأخرجتهم من جور الأديان وضلالاتها إلى عدل الإسلام ونوره. فكيف تتم إعادة تشكيل العقل المسلم، وتشكيل الرؤية في ضوء معارف الوحي وهداياته، وبحار العقل ومكتسباته، وإعادة بناء الوعي بالمنهج النبوي في التغيير والبناء. وما هي الأسباب التي حالت دون منهج النبوة وحسن التعامل معه، وحسن فهمه وامتلاك القدرة على إنتاج النماذج المأمولة التي تحقق خلود المنهج القادرة على حمل أمانة الاستخلاف والعمران وإدامة البحث والنظر وردم فجوة التخلف وعلاج الإصابات المتكررة لجسم الأمة، وإزاحة الغبش الذي اكتنف تصورات وفهوم أفرادها ومثقفيها. كل ذلك وفق منظور وتخطيط ووعي لعقلاء الأمة ومفكريها.

ذلك أن المنهج النبوي في التغيير والبناء الحضاري وسيرة الرسول ، قد مر بالحالات والمراحل التي يمكن أن تتعرض لها الأمة، نهوضا وسقوطا وحركة وركودا … وامتلك الحلول والإجابات لأصول المشكلات لا لأعراضها، وتحتاج لمعاودة النهوض إلى امتلاك القدرة على الوعي الصحيح بالمنهج النبوي في التغيير والبناء الحضاري، وإدراك مراحله ومقاصد كل مرحلة، وتجريده من حدود وقيود الزمان والمكان، والبعد عن الفهم السقيم الذي أدى إليه التعامل الحرفي الظاهري أو الانتقائي للنصوص، إذ المطلوب روح سيرة نبوية تجري في سيرة المرء، ومقاصد سنة صحيحة تقود مقصده فتتحول السنة والسيرة إلى دم يجري في الدم، وفكر ومنهج للتغيير والبناء لا إلى مجرد مظهر لا يسنده باطن.

وهذا ما يفسر خلود الرسالة وعالميتها، وأن يكون صاحبها المصطفى عليه الصلاة والسلام، محل الأسوة والاقتداء.

أيها السادة” إن الأمة التي تحب الله ورسوله وهَبَّتْ في الشهور الماضية لنصرة نبيها وعبرت عن ذلك بمختلف الوسائل والطرق، تعيش مع ذلك أزمة فهم للمنهج، وأزمة تعامل مع المنهج الذي تحتاج إلى حسن إدراكه وفهمه، وحسن تنزيله على الواقع وتقويمه به. ولهذا المقصد كانت هذه الندوة، ندوة السنة والسيرة النبوية نحو وعي صحيح وتفاعل حقيقي، لكي تكون السنة والسيرة معا منهجا للنظر أومحجة، وليس موضوعا للنظر ومادة للتحليل وحسب، كما هو ملحوظ في دراسات العلمانيين ودعاة إعادة قراءة النص بمعزل عما حف به، وفي تغييب للضوابط اللغوية وغير الضرورية لفهم النص…

نأمل أن تكون أشغال هذه الندوة المباركة مساهمة هادئة ورصينة في نصرة الحبيب المصطفى ، والرد على من أساء  ويسيء إليه وإلى أتباعه، أو يتنكر لسنته جهلا بحقيقتها  وأهمييتها في حياة الأمة التي ترنو إلى الانعتاق والنهوض، والشكر والدعاء الخالصان لكل من شارك وساهم في تنظيم هذه الندوة.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *