الشيخ يوسف القرضاوي شاعرا إسلاميا


1- عندما يجتمع العلم والشعر

الشعر والعلم في الغالب لا يلتقيان،  فإذا التقيا،  فأنعم به من لقاء،  ذلك لأن العلم بحقائقه وقواعده وضوابطه الصارمة،  أبعد ما يكون عن الشعر وخياله الفسيح الذي لا يقر له قرار.  ولهذا فإن توفيق العلماء الشعراء الجامعين بين الاشتغال بالعلم،  أيا كان تخصصه،  وقرض الشعر في الأدب العربي قليل قياسا على كثرة النماذج التي تعترض الباحث في الشعر العربي وبخاصة القديم منه في المشرق والمغرب والأندلس.

والواقع أن تلك النماذج الموفقة ـ على قلتها ـ من أولئك الشعراء العلماء الذين جمعوا بين البحث المستفيض في مختلف العلوم سواء كانت علوما حقة أوفقهية شرعية أولغوية أوفلكية من جهة،  وقول الشعر بمختلف فنونه من جهة أخرى،  كان حظها من التوفيق بين الطرفين كبيرا،  حتى إن الاستشهاد بهم في ميدان تخصصهم العلمي والمعرفي يقارب الاستشهاد بهم وبأشعارهم في هذه المناسبة أوتلك ؛ لأنهم كانوا يملكون ناصية العلم والشعر،  فخاضوا في ميادينهما خوض العلماء المتخصصين والشعراء الموهوبين على حد سواء.

هذا كان قديما،  أما اليوم،  فالفجوة بين العلم وتخصصاته التي لا تكاد تحصى،  والشعر الذي ذهب فيه الشعراء مذاهب شتى،  قد ازدادت اتساعا،  بل إن ما يفرق بينهما أكثر مما يجمع،  وإن كنا نسمع بـ ” فيزياء الشعر ” و” كيمياء الشعر ” وما إلى ذلك من العناوين التي تشاكلها التي تتردد على ألسنة كثير من أدعياء الحداثة عندنا في العالم العربي،  والمهووسين بتقليد كل ما يظهر في الغرب مهما كان تافها !!

ولعل هذه الفجوة ترجع بالأساس إلى طغيان الأبحاث العلمية المختلفة على كل جوانب الحياة الإنسانية،  فأصبحت بذلك التكنولوجيا حاضرة بقوة لا تقهر في كل بيت وفي كل ما يرتبط بحياة الإنسان وشؤونه الخاصة والعامة،  وتعددت بذلك اهتمامات العلوم الإنسانية والحقة بتعدد وتعقد الحياة الإنسانية المعاصرة،  مما استتبع معه تشعب العلوم الأخرى المرتبطة بالفقه واللغة وما إليهما.

كل هذا قلّص ـ كما يتخيل كثير من الناس ـ من حضور الشعر إلا في بعض الهوامش التي لا تكاد تذكر،  بل إن بعضهم ذهب إلى حد إعلان موت الشعر،  لتأخذ الرواية بزمام الأمور،  لتصبح بذلك ديوان العرب،  بعدما كان الشعر سيد الميدان،  وتغوَّل بعضهم الآخر فذهب إلى حد إعلان موت الأدب كله من خلال موت الكِتَابِ،  بعد سيطرة ثقافة الصورة على الإنسان المعاصر من خلال وسائل الإعلام الهائلة بمختلف أنواعها وأشكالها التي تقذف كل يوم بجديد إلى ميادين الحياة،  حتى ليبدوهذا الإنسان المسكين مرهقا كليلا وهويجري للحاق بهذا الجديد الذي لا ينتهي.

فكيف لنا ـ إزاء هذا التطور التكنولوجي المذهل ـ أن نعثر على شاعر حقيقي موهوب،  يسيل لسانه شعرا وشاعرية يخفف من وطأة الحياة على الإنسان المعاصر ؟! ومن ثم كيف لنا أن نتخيل رجلا عالما وشاعرا في الوقت نفسه ؟! أولنقل كيف يلتقي العلم والشعر في القرن الحادي والعشرين ؟!

مع كل هذا،  ورغم تشعب حياة الإنسان وتعقدها إلى حد لا يطاق فإن هناك أناسا لا يزالون يحملون بين حناياهم روح الشعر،  ولم ينضب ماؤه بعد في صدورهم،  ولا يزال يسيل على ألسنتهم عذبا رقراقا باردا يروي أوام العطشى،  ويخفف حمل المقهورين الذين تنوء عواتقهم بالقهر،  فتشرئب إليهم الأعناق تطلب المزيد،  وتصيخ إليهم الآذان ساعية إلى سماع هذا الشعر الذي يرون فيه أنفسهم فيعللونها بغد قد يكون جميلا،  أولعل الله يحدث فيه بعد ذلك أمرا ً.

ولعل خير نموذج لهؤلاء الذين نطقت قريحتهم عن تجربة ومعاناة،  وعصرتهم التجارب وما استكانوا،  وما لانت لهم عريكة في قول الحق والجهر به،  الشيخ يوسف القرضاوي،  فهموم هذا الرجل هموم متنوعة ومتشعبة تمتد على طول الأمة الإسلامية وعرضها،  فهويسعى مع ثلة من علماء هذا العصر إلى تبصيرها بأمور دينها فقهاً وإفتاء،  ويذود معهم عن دين الله ضد حملة معاول الهدم من العلمانيين والعَبَثِيِّين في الداخل،  بقدر ما يصدون هجمات الغرب الصليبي الذي لا يغمض له جفن وهويكيد للإسلام والمسلمين في كل مكان.

كل هذا تجد له مكانا فسيحا في كتابات الشيخ القرضاوي وخطبه نثرا،  كما تجده أيضا فيما نظمه شعرا،  فكأني بالشيخ يضطر إلى قول الشعر ليستريح من ضغط النثر،  على طريقة القدماء الذين كانوا إذا تعبوا من دروس العلم المختلفة،  شرعوا في إنشاد الشعر للترويح عن نفوسهم لتنشيط الأذهان لتقبل على جولة جديدة من تلقي ما سيلقى عليها من العلوم.

فالشيخ يوسف القرضاوي يبدوفي أشعاره رجلا صلبا لا تلين قناته في الدعوة إلى الله عز وجل،  له إصرار كبير على التحدي والصبر على كل أنواع القمع والتعذيب الذين مورسا عليه في فترات مختلفة من حياته التي قضاها في السجن،  كما أنه ـ إلى جانب ذلك ـ يحاول الكشف عن العلل التي أصابت الأمة الإسلامية حتى وصلت إلى هذا الحد من الهوان الذي تردت فيه لزمن غير قصير،  كما يتضح من خلال ديوانه ” نفحات ولفحات ” (1)،  والذي يحتوى على قصائد قيل أغلبها أواخر الأربعينات وخلال الخمسينات وأوائل الستينات من القرن الماضي،  وهي الفترة نفسها التي قيلت فيها بعض القصائد من ديوانه الثاني  “المسلمون قادمون ” (2)،  كما أنه يبشر بأفق جديد ينتظر الأمة الإسلامية مع هذه الصحوة الإسلامية التي تزداد رسوخا يوما بعد يوم،  وبخاصة بين صفوف شباب الأمة،  التي تجسد عودة قوية للوعي الإسلامي إلى الحياة اليومية للمجتمع الإسلامي،  مما حمله على تفعيل دور الشريعة الإسلامية في كل مظاهر الحياة في أشكال مختلفة،  وهذا ما يظهر في قصائد أخرى من ديوانه “المسلمون قادمون “،  وبخاصة القصائد التي قالها في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي على قلتها،  وفي هذين الديوانين كليهما يحاور التاريخ الإسلامي القريب والبعيد في محاولة لفهم أوضح،  وقراءة أعمق لوضع الأمة الإسلامية في علاقتها بذاتها وبغيرها،  في ظل ذلك التدافع الحضاري القوي الذي كان وما يزال بين الأمة الإسلامية وغيرها من الأمم،  سواء الشرقية منها أيام الاتحاد السوفياتي الذي كان يمثل المعسكر الشيوعي،  أوالغربية منها بشقيها الأوربي والأمريكي،  على اعتبار أنها كانت وما تزال تمثل المعسكر الليبرالي الرأسمالي.

وما تجدر الإشارة إليه منذ البداية،  هوأن قصائد الديوانين كليهما ليست على وتيرة واحدة من الشعرية والشاعرية،  فتجد القصائد التي قالها الشيخ في السجن أكثر تجسيدا لقوة الشاعر ولصلابة مواقفه،  وأكثر جرأة على التعبير المباشر الدال على التحدي والإصرار غير مبال بما يتعرض له من تعذيب وتنكيل.  ولعل صدمة اللحظات التي عاشها الشيخ،  هي التي كانت تدفعه إلى هذا النمط من الكتابة،  وهوما يؤثر فنيا في كثير من الأحيان على النصوص،  بحيث تبدوتقريرية مباشرة في لغتها،  خاصة حين يعمد إلى توظيف أسماء جلاديه وتشبيههم بأسماء الجلادين المتجبرين السابقين في الأمم الغابرة القريبة والبعيدة،  ثم يتبعها بتوظيف أسماء المبتلين من الصابرين،  وبخاصة في صدر الإسلام الأول،  ليسترسل بعد ذلك في ذكر أسماء من كان يقاسمه محن السجن في أبيات عديدة،  مما يؤثر كما قلت على النصوص فتنخفض حرارتها الشعرية حتى لتبدوأحيانا أقرب إلى النظم منها إلى الشعر.

وعلى العكس من ذلك،  نجد بهاء الشعر ظاهرا قويا في غير هذه المواقف،  وبخاصة حين يسترسل الشاعر في الحديث عن حال الأمة الإسلامية بما فيها من ضعف وهوان،  أوحين يسخر من خصومه،  فيتهكم على الجلادين وتصرفاتهم داخل السجن،  أوأثناء الحديث عن المرأة وما يُكاد لها تحت شعارات مختلفة ؛ كل هذا يأتي في أسلوب شاعري متميز،  وأما حين يستغرق في تأملاته وابتهالاته،  فإن الشيخ يبدوشاعرا فذا بكل المقاييس الشعرية،  حيث الصور واللغة الشعرية تبلغان مبلغ الشعراء الفحول،  ولعلنا سنستشهد لكل حالة من هذه الحالات فيما سيأتي من هذه الدراسة المتواضعة بإذن الله تعالى.

وما يستوقفنا منذ البداية في أشعار الشيخ القرضاوي ـ وبخاصة في ديوان نفحات ولفحات ـ ذلك الاستثمار المتميز للتجارب السابقة للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام،  وتصويره لمحنهم وهم يؤدون أماناتهم،  ويبلغون دعواتهم،  مع ما لاقوه من التعذيب والتنكيل من طرف أقوامهم،  ولكنهم مع ذلك التنكيل والتعذيب والصدود،  واصلوا الدعوة دون أن يثنيهم عنها شيء،  أويحول بينهم وبين ما كلفوا به حائل.  وكأني بالشاعر يوجه خطابا لطيفا إلى كل المتلقين،  داعيا إياهم إلى الاعتبار بتجارب من مضى،  والسير على دربهم وهداهم،  والأخذ بما أخذوا به،  وهويستند إلى مقارنة باطنية ـ إن جاز هذا التعبير ـ بين ما يلاقيه كل مسلم له غيرة على دينه في العصر الحديث،  وبين ما لقيه الأنبياء والرسل في الزمن الغابر،  ليخرج الشاعر ب! نتيجة تدور حول محور واحد هو :  إذا كان القتل والسجن وكل أنواع البطش والتعذيب هوجزاء من اصطفاه الله عز وجل من أنبيائه ورسله،  فكيف بالدعاة إلى الله في هذا العصر ؟! أوليس العبد المؤمن أحق بالتضحية أكثر من غيره في الاستجابة لله ورسله وأنبيائه ؟! ولكن الأمر صعب وشاق،  ولا شك،  إلا أن الشاعر يطرح البديل ويلح عليه،  ويتمثل أساسا في الصبر على الأذى والثبات على الحق،  ومواصلة السير على الدرب مهما يكن طويلا وشائكا،  يقول  :

صبراً أخـي فـي محنتي وعَقيدتي

لا بـد بعـد الصبر مـن تمكِينِ

ولنـا بيوسفَ أُسْوَةٌ فـي صَبره

وقد ارتمى في السجن بِضْعَ سِنينِ

هـوِّنْ عليك الأمـرَ لا تعبأْ بـه

إن الصعـاب تَهُـونُ بالتَّهْـوِينِ

أَمْسٌ مَضَى واليومَ يَسْهُلُ بالرِّضَاوغَدٌ بِبَطْنِ الغيبِ شِبْهُ جَنِينِ (3)

وفي السياق نفسه يقول  :

يا رب إن الطغاة اسْتَكبَرُوا وبَغَـوْا

بَغْيَ الذئاب علـى قُطْـعَان حُمْـلانِ !

يا رب كـم يـوسُفٍ فِينا نَقِيِّ يَدٍ

دَانُوهُ بالسجن والقاضي هـوالجاني !

يا رب كمْ مِنْ صَبِيٍّ صَفَّدُوا فمَضَى

يَبْكي كضفـدعة في  نَـابِ  ثُعْبَـانِ !

يا رب مـن أسـرة بَاتَتْ  مُشَرَّدَةً       تشكـوتَجَـبُّرَ فرعـون  وهـامانِ !

يا رب رحماك  أَنْجِزْ ما وَعَدْتَ بـه       وانْصُرْ،  فَنَصْرُكَ من أَهْلِ الهدى دَانِ ! (4)

———

1 ـ صدر عن دار الصحوة،  القاهرة ـ الطبعة الثالثة،  1409 ـ 1989 م.

2 ـ صدر عن دار الوفاء للطباعة والنشر،  المنصورة ـ مصر،  الطبعة الثانية،  1425 ـ 1994 م.

3 ـ نفحات ولفحات،  ص 69.

4 ـ نفسه ،  ص 40.

د.بنعيسى بويوزان

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *