الحب الصادق


يقول تعالى : {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ}(المائدة :15).

قال الإمام الطبري رحمه الله : >{من الله نور} يعني بالنور محمدا صلى الله عليه وسلم الذي أنار الله به الحق وأظهر به الإسلام ومَحَقَ به الشرك فهو نور لمن استنار به…< تفسير الطبري ج4صـ501ـ

لا يجادل أحد في حب الأمة الإسلامية لنبيها محمد ، ومكانته عندها، وإعجابها به، واعتباره نورا من عند الله عز وجل. لكن في ظل هذا التخلف الذي تعاني منه في مختلف المستويات، وخاصة على المستوى العلمي الذي كان أول كلمة نزلت الدعوة إليه {اقرأ}، وعلى المستوى الأخلاقي >إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق< يحس المرء أن هناك خللا في طبيعة هذا الحب ومصداقيته، و أن هذاالنور الذي أضاء العالمين وما زال يسطع إلى ما شاء الله تعالى، لم يعد ملهما لها في تنظيم حياتها، ولم يعد القدوة التي تقاس عليها ممارسات أفرادها وسلوكياتهم، فتهذبها وتجنح بها نحو الصلاح، بل ربما يتساءل المرء عن جدوى هذا الحب الذي لا يكون المحُِب تابعا لهوى من يحب ولما يرضيه.  ذلك أن الحب الصادق لا ينفع أن يكون وهما يحضر في الخيال، أو يمس القلب أحيانا وإنما يجب أن يتغلغل في سويداء القلب والوجدان، ويسكن العقل ويوجه الفكر، ثم يُترجم كلّ هذا سلوكا وممارسات تعلن بقوة  أن لا شيء مهما غلا يزيح المحب عن طاعة محبوبه، وعن القيام بكل ما يجعله معتزا بحبه وانتمائه، وما يتذوق به حلاوة إيمانه، وما يجعله  فخورا بانتسابه إليه.   روى البخاري عن أنس  ]  أن رسول الله  قال في حديث شريف واضعا معايير نقيس بها درجة حب المسلم لله ولرسوله : >ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : أنيكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار<. إنها معايير شاملة لبناء الإنسان الحضاري الذي يجعل من الحب قضيته الكبرى التي يعيش من أجلها في كل مراحل حياته، ويقف في سبيلها مواقف تصقل مشاعره وتذيقه الطعم الحقيقي للإيمان. وإذا كان الحديث السابق يقدم مفهوما شاملا لحب الله ورسوله، والسبل المؤدية إليه، فإن الحديث التالي يقدم معيارا دقيقا يحدد صدق الإيمان: فقد روى البخاري عن أبي هريرة ]  أن النبي  قال : >لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده…<، فهل أفراد الأمة يحبونه  أكثر من آبائهم وأبنائهم ويقفون مواقف تؤهلهم لنيل شرف هذا الحب مهما كان الثمن؟؟

يقول عز وجل على لسان رسوله الكريم مثبتا الميزان الدقيق الذي يقيس درجات حب المسلمين له سبحانه ولنبيه: {قل إن كنتمتحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم}(آل عمران :31)، ويقول تعالى في آية أخرى محددا شرط الحب والإيمان في الاستجابة : {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله}. والدارس لتاريخ المسلمين منذ البعثة يجد أن الأمة تكون في أوج نشاطها ورقيها كلما وعى أفرادها طبيعة الحب الصادق لله ولرسوله وجعلوه هدفا ساميا في حياتهم، وأنها تسقط وتتخلف عن تقلد مهمة الاستخلاف كلما فتر هذا الحب، أو أصبح مجرد شعارات تُردد في المناسبات، وعبادات فارغة من دلالاتها. ونظرة عابرة للأمة تكشف مدى سقوطها وهوانها، رغم إعلان معظم أفرادها عن حبهم لنبيهم، ورغم ترديدهم الصلاة عليه عقب كل أذان وفي الإقامة وفي الشهادتين بعد الوضوء وفي الصلوات وفي الحج، وفي مختلف العبادات التي لا يفتأون يرددون التصلية عليه مصداقا لوعده تعالى له  : {ورفعنا لك ذكرك}(الشرح : 4)، لكن التساؤلات تتمدد بحجم آلام الأمة وأحزانها: هل نتذوق فعلا حلاوة الإيمان ولذته، وهل تخفق قلوبنا حبا وشوقا كلما رددنا الصلاة عليه؟؟ وهل تكفي عباداتنا الشعائرية بمعزل عن حضورها في نسيج حياتنا للتعبير عن حبنا؟؟ متى نكون أهلا لحبك يا رسول الله بأفعالنا وأخلاقنا لتتباهى بنا بين الأمم؟؟.. اللهم ارزقنا حبك وحب نبيك وحب من يحبك وحب عمل يقربنا إليك، اللهم وفقنا للسير في الطريق المؤدية للاجتماع بنبيك يوم لا تنفع الدنيا إلا بثمار الحب الذي يمكن أن نغرسه فيها.. آمين

د.أم سلمى

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *