الإبانة عن حق الكد والسعاية


3- مقدار السعاية وكيفية استخراجها وقسمتها

الناظر في فتاوى النوازليين الذين أفتوا بالسعاية يلفي اختلافا بينا في تحديد قدرها على أربعة أقوال:

* القول الأول: حدد قدر السعاية في الربع، وهو ما أفتى به عبد السلام ابن عبد السلام أشغاف الوثيلي وزعم أنه عرف بلادهم (الرجل من بني زجل الغمارية) فقد “سئل عن رجل وزوجته اكتسبا أموالا وماشية. فأجاب: “… والحاصل أن عرف البلاد هو أن المرأة إذا كانت تخدم في دار زوجها واشترى أصولا بذلك فإنها تأخذ معه الربع في تلك الأشرية”(65). وقد قال الدكتور عمر الجيدي بأن الربع هو الذي استقر عليه العرف الحالي في سائر أنحاء الجبال ولم أدر متى انتقل هذا العرف من النصف إلى الربع(66). وقد ناقش الدكتور المدغري فتوى الوثيلي السابقة فقال بأن الفتوى تنص على أن “هذه الزوجة لها الربع والزوج ثلاثة أرباع، ولا يخلو الأمر إماأن يكون الزوج قد شارك هو أيضا بماله في ثمن الأشرية فيكون له ثلاثة أرباع: ربعان في مقابل الربع الذي للزوجة على قاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين، والربع الأخير مقابل جريه في الحصول على تلك الأملاك وتوثيقها وتدبيرها وصيانتها والذود عنها. وإما أن يكون الزوج لم يشارك في ثمن الأملاك بشيء والكل تم بأموال الزوجة فيكون الربع للزوجة مجحفا بحقها وظلما واقعا عليها”(67)، ثم قال بعد كلام: “العرف القاضي للمرأة بالربع مجحف بحقها في جميع الأحوال والله أعلم”(68).

* القول الثاني: حَدَّد قدر السعاية في النصف. وأشهر من نقل عنه هذا التحديد هو أبو العباس أحمد ابن عرضون بالرغم من أن نص فتواه بذلك غير موجود. يقول عمر الجيدي: “أما ما أفتى به أبو العباس أحمد ابن عرضون، فعلى الرغم من أننا لم نعثر على نص الفتوى فإننا نستند في تحليلها إلى العرف الذي سار عليه أهل  الجبال من لدن صدور الفتوى إلى الآن، ومؤداها أن المرأة لها الحق في أخذ النصف فيما عملته لزوجها”(69). وهو ما أفتى به داود بن محمد بن عبد الحق التملي التازولتي قال: “فالذي جرى به العمل عند فقهاء المصامدة وجزولة أن الزوجة شريكة الرجل في ما أفاداه مالا بتعنتهما مدة انضمامهما ومعاونتهما ولا يستبد الزوج بما كتبه على نفسه من الأشرية بل هي شريكة له فيها بالاجتهاد، والشركةُ إذا أطلقت تُحْمَل على التساوي”(70).

واعتقد أن الحكم للزوجة بنصف الثروة المتراكمة خلال الحياة الزوجية مطلقا قد يؤدي إلى كثير من الظلم، فقد تكون الزوجة أكثر مساهمة في تنمية الثروة فيكون الحكم لها بالنصف مجحفا، وقد تكون مساهمة الزوج أكثر فيكون الحكم بالمناصفة ظلما له.

* القول الثالث: يفرِّق أصحابه، فحَظُّ السعاية في غلل الأشجار الربُع، وفي غلل الأرض النصفُ، وفي الأغراس الثلثُ، نسبه الأزاريفي لابن هلال، وفقهاء جزولة(71). ولم يذكرمستندهم في ذلك.

والحق أن تحديد حظ السعاية بقدر معين، سواء كان ربعا أم نصفا أم ثلثا أم غيرها أمر محذور العواقب، إذ قد يكون عادلا حينا ويكون ظالما أحايين كثيرة، وهذا ما قرره القاضي عيسى بن عبد الرحمن السكتاني في إحدى فتاويه بالسعاية، قال: “الظاهر في النازلة الرجوع بما يتراضيان عليه، وأما تقدير مالها من الحظ بالثلث ونحوه جزما فلا سبيل إليه لأن السعي في السعاية يختلف بالقلة والكثرة والقوة والضعف ولا ينضبط أمره”(72).

* القول الرابع: يحدد مقدار السعاية بقدر الخدمة والجراية، أي أن الزوجة تأخذ مما تراكم خلال الحياة الزوجية بقدر خدمتها. وهو ما أفتى به غير واحد من الفقهاء منهم: أبو القاسم خجو وأبو عبد الله محمد بن عرضون(73)، والحسن بن عثمان التملي، وعيسى السكتاني، وأبو محمد عبد الله بن يعقوب السملالي، وعبد العزيز الرسموكي، وعلي بن أبي بكر المنتاكي(74)، وغيرهم. وهذا هو القول الذي ذكره أبو زيد الفاسي في عملياته(75):

وخدمة النساء في البـوادي

للزرع بـالـدراس والحصـاد

قال ابن عرضون لهن قسمه

على التساوي بحساب الخدمـه

قال العلامة سيدي محمد بن قاسم الفلالي في شرحها ما نصه: قوله على التساوي يريد والله أعلم مساواة نسبة النصيب من الزرع لنسبة الخدمة من باقي العمل(76). وقال المهدي الوزاني فيها أيضا: “المعنى أن ابن عرضون قال: أي أفتى في خدمة نساء البادية للزرع بالحصاد والدراس والنقل والتذرية والتنقية، بأن لهن قسمة فيه على التساوي بينهن بحسب الخدمة فيه، فلكل واحدة منه بقدر خدمتها”(77). وهذا القول أرجح من سابقيه حتى أن أبا حفص الكرسيفي حكى الإجماع فيه قال “ولا خلاف بين النوازليين أن كل من ثبت كده وسعيه يأخذ من مال السعاية بمقدار عمله”(78)، فمن عمل شيئا استحق نصيبه فيما عمل فيه بنسبة عمله، ولاحق له فيما لم يعمل فيه، يقول الوزاني: “الذينيخدمون الزرع يأخذون جزءا منه على قدر خدمتهم وما بقي يكون مورثا عن الهالك لورثته”(79). وإمعانا في احقاق العدل زاد ابن عرضون شرطا آخر وهو: “مراعاة الأرض والبقر والآلة”(80)، وهو شرط عادل، فمن غير العدل أن يسهم الفرد في تنمية الثروة بعمله وأرضه أو آلته أو بقره أو بغله أو… ولا يحسب له من ذلك إلا العمل.

وهل ما ذكر (من القسمة بحسب الخدمة) يشمل الذكر والأنثى والصغير والكبير؟

الجواب: نعم، كل من الذكر والأنثى يستحق نصيبه بقدر عمله، لكن عمل الصغار غير عمل الكبار، لذلك فإنهم اعتبروا السن في عزل أسهم السعاة وذلك على النحو الآتي: “من بلغ سن الرابعة عشرة فما فوق يأخذ سهمه كاملا، ومن بلغ الثالثة عشرة يأخذ ثلاثة أرباع السهم، ومن بلغ الحادية عشرة يأخذ نصف السهم ومن بلغ التاسعة يأخذ ربع السهم، ولا سهم لابن الثامنة، لأنه لا يعتبر كسبه”(81). وخالف في هذا عيسى السكتاني، فقد سئل: “عن رجل يتصرف مع أولاده وزوجته في أملاكه كعادة أهل سوس إلى أن مات الرجل وترك زوجته وأولاده، فهل يقسمون ما زاد على الأصل كل واحد على قده وكده من الأصاغر والأكابر؟ فأجاب بأنهم يقسمونه على قدر كدهم وسعيهم”(82). وبه أفتى عبد الواحد بن محمد الأمزوري(83).

أما عن كيفية استخراج حظ السعاية وقسمتها، فيقول عبد العزيز الرسموكي “يقسم ما استفادوه حال الشركة نصفين: النصف لأرباب الأصل للذكر مثل حظ الأنثيين، والنصف الآخر للسعاة على قدر سعايتهم”(84). ويوضح عبد الواحد بن محمد الأمزوري الأمر اكثر في جواب له فيقول:” وإذا استفاد أهل البيت من دمنتهم وكدهم فإنهم يقسمونه أنصافا، فالنصف للدمنة والنصف الآخر للسعاة، فيقسم نصف الدمنة على أربابها فيأخذ كل واحد بقدر سهمه في الدمنة، ويقسم السعاة بينهم فيأخذ كل واحد بقدر عمله قل أو كثر، وإن كانت زوجة في السعاية يسهم لها في نصف السعاية بقدر عملها”(85)،وقد جمع ما ذكره نظما فقال:(86)

وما استفاده السـادة يقسم

نصفين للدمنة نصف يعلم

وبين أهل الكد نصف قسما

كلا بقـدر كده لتكرمــا

———-

(65)- فتاوى تتحدى الإهمال 1/162.

(66)- ابن عرضون الكبير. ص: 206.

(67)- المرأة بين أحكام الفقه والدعوة إلى التغيير 205- 206.

(68)- نفسه.

(69)- ابن عرضون الكبير. ص: 205.

(70)- عمل المرأة في سوس. ص: 27.

(71)- نفسه. ص: 35.

(72)- نفسه. ص: 39.

(73)- نوازل العلمي 2/101-102.

(74)- جردت هذه الأسماء من خلال فقه النوازل في سوس. ص: 418 وما بعدها، وعمل المرأة في سوس. ص: 26 وما بعدها.

-(75)المجموع الكامل المتون. ص: 567.

(76)- حاشية الرهوني 4/36.

(77)- تحفة أكياس الناس. ص: 276.

(78)- عمل المرأة في سوس. ص: 31.

(79)- المعيار الجديد الجامع المعرب عن فتاوي المتأخرين من علماء المغرب للمهدي للوزاني.صححه:عمر بن عباد.ط:1998.وزارة الأوقاف.الرباط. 7/562.

(80)- نوازل العلمي 2/101- 102.

(81)- عمل المرأة في سوس. ص: 31.

(82)- شرح العمل السوسي . ص: 281.

(83)- نفسه. ص: 285.

(84)- عمل المرأة في سوس. ص: 35. نظام الكد والسعاية. ص: 260.

(85)- شرح العمل السوسي. ص:284.

(86)_  نفسه.ص:284.

ذ.الميلود كعواس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *