قضايا المرأة بين الشرع والعقل


3- تغييب المرأة في ظروف نشأة الفقه

…وساعد على تعزيز هذا المنظور حول المرأة وتكريس هذا الاتجاه، تغييب المرأة الكامل وغيابها القسري في ظروف نشأة الفقه الإسلامي وتكوينه واستنباط أحكام فرعية حولها أو فهم ما يتعلق من النصوص بخصوصها، حتى ليمكن القول بأن الفقه الإسلامي هو فقه رجولي باعتبار الذين وضعوه وأنشأوه من جهة، وتركيز على دراسة أحوال الرجل واحتياجاته من جهة أخرى حيث إنه مركز الاهتمام ومحور الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولأن الإسلام أولاه العناية الفائقة في تحمل مسؤولية الأسرة من قوامة وسلطة وإنفاق، ومسؤولية المجتمع من تدبير شؤونه وقيادة مسيرته السياسية والاجتماعية، وحرم ذلك على المرأة فيما ينسب إلى رسول الله  عما حدث به أبو بكرة وأخرجه الإمام البخاري في كتاب الفتن : أن النبي  قال : >لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة< مما سنعرض له في حينه.

وفي هذا السياق يندرج ما كتبه أحد المفكرين الإسلاميين المعاصرين الدكتور عبد الحميد أحمد أبو سليمان رئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي بالولايات المتحدة الأمريكية، يقول الباحث :

“وإذا كانت آفاق العصور السالفة وإمكاناتها قد حدت من إمكانات المرأة ومن دورها فيما وراء محيط الأسرة وألقت على عاتق الرجل كثيرا من المسؤوليات، وأوكلت إليه، خاصة في الحضر، قدرا كبيرا من السلطات في إدارة شؤون الأسرة، لأن الطاقة العضلية، كانت العامل الأهم في توفير سبل الرزق والأمن والحماية لأفراد الأسرة، ولأن حاجات المنزل والأسرة كانت تستغرق جل طاقة المرأة في خدمة دارها وزوجها وأبنائها، فتضعف حيلتها وتحد من إدراكها وتقعد بها عما وراء عالم أسرتها، فلم يستوحش المجتمع كثيرا من سلطوية الرجل في علاقات الأسرة، فإن الأمر في عالم اليوم يختلف، وذلك بما توفر من الوسائل والقدراتواتساع آفاق المعارف التي أفسحت للمرأة مجالا إنتاجيا واسعا، وإمكانات استقلالية اقتصادية، وقدرة معرفية وتقنية كبيرة فيما وراء عالم أسرتها الصغيرة، مما لم تعد معه الصورة التاريخية قادرة على احتواء أدوار أفراد الأسرة والتعبير عن واقعهم وإمكاناتهم، ولذلك لا بد من إعادة النظر في فهم واقع العلاقات الأسرية في ظروف العصر حتى لا يستمر التوتر والتدهور، وحتى يمكن في نفوس أعضاء الأسرة المفاهيم التي تعين كل عضو من أعضاء الأسرة على أداء البناء المتكامل مع بقية أعضاء الأسرة(1).

وهكذا أقصيت المرأة عن الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية وفقدت معها حريتها وحضورها وفاعليتها في المجتمع والأمة، ومع الأسف كان ذلك باسم الإسلام وشريعته وتعاليمه، مما جعل خصوم الإسلام وأعداءه يستغلون هذا الوضع السيء للمرأة في المجتمعات الإسلامية، وما هي عليه من تخلف وأمية وجهل واستعباد للرجل، وينسبون كل ذلك التردي إلى الدين وأحكامه، ويشنون بسبب ذلك حربا دعائية ضده، بينما الإسلام بتعاليمه ومبادئه ومثله وموقع المرأة والأسرة فيه، بريء من كل ذلك.

ومن عجب أن الذين ظلت تحكم نظرتهم الدونية إلى المرأة، وما أصابها من قهر وظلم بسبب التفسيرات والتأويلات التي أعطيت للنصوص الدينية التي تخصها، وما ترتب عنها من اجتهادات فقهية، ما زالوا يدافعون عن الأوضاع القاتمة والظروف السيئة التي عاشت فيها المرأة، ووجدت من الآثار والمرويات ما يسندها ويعضدها، ضدا على حقيقة الإسلام ورؤيته المتميزة للمرأة، مما ألجأ التيار العلماني ” المتحرر ” من كل ما هو مقدس وديني من هيئات اجتماعية وسياسية وجمعيات نسائية متطرفة إلى مناهضة أحكام المرأة في الإسلام في مختلف مناحي الحياة، واستعداء المؤتمرات الدولية، والاحتجاج بمقرراتها وتوصياتها لفرضها على مجتمعاتنا الإسلامية كحلول مستوردة ومخلصة لما تعيشه المرأة والأسرة المسلمة، على الرغم مما تتضمنه من مبادئ وتوصيات لا تتفق مع جوهر الإسلام، مما تحفظ عليه علماء الإسلام والمفكرون والمثقفون باعتباره لا يحترم القيم الدينية والتشريعات السماوية والخصوصيات الثقافية للشعوب.

والواقع أن ما أصاب المرأة في المجتمع الإسلامي أصبح يستدعي توضيحات وبيانات غدا من الضروري تقديمها لتجلية رؤيا ونظرة الإسلام إلى المرأة، كما أصبح من اللازم التمييز بين ما هو شريعة من وحي الله تعالى وسنة نبيه، مصدرها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة من أحاديث الرسول  الصحيحي  المتن والسند، المتفق على دلالاتها، وتشريعاتها بين الفقهاء والمحدثين، وبين بعض الاجتهادات الفقهية التي حاول الفقهاء عبرها فهم بعض النصوص الدينية أو استنباط أحكام فرعية منها، تبقى معه قابلة للتغيير والتطوير باعتبار الاختلافات التي نشأت حولها من جهة، وأنها اجتهاد بشري وجهدإنساني لا قدسية له ولا عصمة، من جهة أخرى، يقول أحد الباحثين في فقه المرأة:

“يقرر الأصوليون في كتبهم أن الأدلة التي يمكن الإستناد إليها أربعة:الكتاب والسنة والإجماع والقياس وتقتضي المنهجية العلمية أن يكون الدليل في حد ذاته مقنعا، وأن لا يستند الدليل على شخصية المستدل لتكتمل دلالته.

ولكننا في بعض الأحيان نجد أن بعض الفقهاء يعتمدون على أدلة تعتمد عليهم مما يعقد إمكانية الحكم عليها، ومن أمثلة ذلك الإستناد إلى روح الشريعة ومذاقها، وهو الدليل الذي نلاحظه بكثرة في أبحاث فقه المرأة.

والمشكلة في هذا الدليل أن الشريعة يختلف مذاقها ويتنوع روحها بحسب المجتهد”(2).

فهل نمتلك اليوم وفي عصر الدعوة إلى التجديد والإحياء والصحوة الإسلامية، من الشجاعة الدينية والفكرية، ما يجعلنا نعيد النظر في مثل هذه الاجتهادات التي قلنا عنها أنها قد تكون ناسبت عصرها- دون مس بأحكام الله أو جرأة على الدين-؟

إننا في حاجة إلى شجاعة تلك المرأة التي قالت للخليفة عمر بن الخطاب(رض) عندما أراد تخفيض مهور النساء “ليس لك ذلك والله يقول : {وأتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا}(النساء : 20). فاعترف بشجاعة مماثلة:”أخطأ عمر وأصابت امرأة”.

—–

1- مجلة إسلامية المعرفة س 6 عدد 24.

2- مجلة الحياة الطيبة عدد 18 ص 141.

ذ.عبد الحي عمور

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *