رســالة إلى معلماتي في يوم عيد المرأة


آثرت في يوم عيد المرأة -وكل أيام الله عيد لها- وتحت صخب العالم وضجيجه وصراع المصالح وتطاحنها وأمام سيول الدم الجارفة في كل مكان وتأجج الأحقاد في كل الأصقاع، أن أفر بقلمي إلى حيث الهدوء، لينعم لحظة بالدعة والطمأنينة وأتبوأ ركنا قصيا من عالم المرأة حيث يتجلى السمو في أبهى معانيه والنبل في أجلى صوره ولأكرم المرأة المدرسة في كل مؤسسة من مؤسسات هذا الوطن العزيز.

تلك هيِّ المرأة المجاهدة بالروح والقلم في سبيل ارتقاء  شعبها …

هي تلك الشمعة التي تذوب ليستضيء غيرها … وهي الجسر الذي تعبر عليه الأجيال نحو آمالها وإن انقصم ظهرها ..

تأخذ بانامل الطفل ليكتب أول حرف فإذا هو كاتب مجيد …بإذن الله .

تعوده نطق الحرف فالكلمة فالجملة .فإذا هو بليغ مفوه، تعلمه صوغ التركيب الرائع وتشد على يده  تشجيعا وإشادة وتسخو بكتبها ووقتها لتوضح ماأشكل عليه، فاذا هو موشوم في سِفْر الأدباء اللامعين .

ترشده بما تمتلكه من صبر وحنو ونقاء إلى سبيل الخير فإذا هو بفضلها سائر على النهج القويم .

كم تعبت معلماتنا -أثابهن الله- وشقين من أجل تكويننا وتهذيبنا !كم بددن من زهر شبابهن لندخل ربيع شبابنا !كم أطفأن من نور عيونهن تهييئا وتقويما  لواجباتنا نحن الصغار! ولا يبدو أن ما تقاضينه من أجور زهيدة يمكن أن يوفيهن ذرة مما قدمنه . كم من مدرِّسة كانت لنا أما رؤوما تحنو علينا في المدرسة حين نترك أمهاتنا في البيت !كم من مدرسة كانت لنا الصدر الرحب الذي يسع آلامنا وآمالنا.

ما زلت أذكركن يا معلماتي -أطال الله عمركن  أو رحمكن- لقد كنتن كزهرات الروض فواحات بعطر الإخلاص، يانعات بماء الصبر، متألقات بوهج الاجتهاد، متسربلات بنور الإيمان والحياء . فكنتن خير قدوة . ما زلت أذكر تفانيكن وحزمكن ومثاليتكن وتسامحكن وخصالا أخرى رائعة رائعة يعز مثيلها …. لم تحتقرن يوما تلميذا، ولم توبخن -قاسيات- مقصرا، ولا حقدتن على مشاكس ولا أحبطتن متعلما ولا تآمرتن على بريء لأن أخلاق الإسلام كانت زادكن في مسيرتكن المضنية، ولأن قيمه كانت مرجعيتكن بعيدا عن الشعارات الفارغة . ولأن صدروكن كانت عامرة بنقاء المحب المؤمن، ولأن فكركن كان طلقا  لإصلاح المخطئ إلى أن يتوب.

معلماتي العزيزات، أيتها الأمهات .. ما زلت أذكر أننا كنا ندرس في مدارس أحيانا تكون عبارة عن دور تقليدية -لأَكَابِرَ بَادُوا على طول باعهم وبعد صيتهم- كانت هذه الدور شبه متداعية تفتقر إلى الكثير من الشروط التربوية …غير أن سماجة المكان كانت تتلاشى لأن الحب كان حاضرا يؤلف بين أفئدتنا الصغيرة بدفئه من ثم تعلمنا أن لا أهمية للمكان على وجاهته وبذخه إذا خلا من نور الحب ووهج الصدق وعشش فيه بوم الكراهية والحقد وفرخ فيه الجشع والأنانية والاتجار بمصائر المتعلمين .

معلماتي الحبيبات، أيتها الرائدات، ما زلت وأنا في هذه السن المتقدمة من العمر أنشد وجوهكن السمحة  بين البرايا فلا أقبض على نورانيتها إلا كقابض على السراب.  ما زلت أعانق أصواتكن في حلمي ويقظتي كأنني المتعطش إلى نبع الصفو الذي غاض من زمان، ما زلت أيتها العزيزات تلك الطفلة التي تتلمس أيديكن لتسير خطواتها الأولى، وتهتدي إلى نور اليقين.

إليكن معلماتي ثريا وربيعة وصباح، إلى كل من ذكرت ومن لم أذكر، إلى كل المعلمات المخلصات في هذا الوطن الحبيب، أبعث إليكن في يوم عيد المرأة بخالص حبي ووفائي مشفوعا بصادق الدعاء بأن يثيبكن الله بالجزاء الأوفى والعطاء الأسنى يوم لا يرى من المرء إلا ما سعى. .

ذة.أمينة المريني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *