{ذَرْهُمْ يَاكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِم الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُون}(الحجر : 3)


البلادة شيء متأصِّل في الكافرين من قديم الزمان، وإلى أبَدِ الآبدين، لأن الذي يجْهَلُ  ربَّهُ لا يُسْتَغْربُ منه أن يجْهَل قَدْره وقيمة نفسه، حيْثُ لا يضعُ نفسه فوق الناس جميعا فقط، بل يُعطي لنفسه حَقّ التربُّع على عَرْش الرّبوبيّة والألوهية بدون حجة ولا برهان، وإنما هي حماقة الإنسان، حينما يُصابُ بلوثة الطغيان، فيصبح كلامُه وتصرُّفه ومنطقُه هَذَيَاناً في هذيان.

فهذا :

فرعون يقول لموسى وهارون عليهما السلام : {فَمَنْ رَبُّكُما يَامُوسَى؟!}(طه : 48) أي إذا كان لموسى وهارون ربٌّ أرسلهما إلى فوعون، فَمن هو هذا الرب؟! ولمْ يقل >ربُّنا< أو >ربُّكما وربي< لأنه يعتقد أنه هو ربُّ الأرباب الذي لا ربَّ لهُ!! ومثل هذا قوله لهما : {ومَا ربُّ العَالَمِين}(الشعراء : 22).

هذه نقطة البدايةفي تسْريحِ العقل وتفلُّتِ المنطق!! إنها نقطة إنكار الربوبية أوّلاً!! ثم إنكار الألوهية ثانيا!! ثم إنكار النبوة والرسالة ثالثاً!!.

هؤلاء يصعُب التحاوُر معهم بمنطق ومنهج مضبوط، لأن عُقولَهم مطلَّقة، وفِكرهُمْ في إجازة مفتوحة، وإنما الحاضرُ أهواؤهم وشهواتُهم، وتجبُّرهُمْ وطُغْيَانَهُم!!.

من هذه النقطة بالضبط يرْشَح التّبَلُّدُ البليد فيشمل جوانِبَ عديدةً من التّألُّه الزائف منها :

1) احتكارُ معرفة الخير والحق : أيْ أنّ المتألِّهِين وحدَهم الذين يعرفون الحقّ والخَيْر، فلاو جُودَ -في نظرهم- لله تعالى الذي بيده الخير كله وهو على كل شيء قدير، ثم أيضاً لا حقّ لأحَدٍ في أن يعرف الحقّ، أو يعملَه، أو يقوله، أويَدْعو له، بدون أن يَدُلَّه عليه هؤلاء المتألهون، وبدون أن يأذن فيه هؤلاء المتألهون {وقَالَ الذِينَ كَفَرُوا للذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً ما سَبَقُونَا إِلَيْه}(الأحقاف : 10) قال فرعون : {آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لكُمْ؟!}(طه : 70)، {قالَ فرعونُ : ما أُرِيكمْ إلاَّ ماأَرَى وما أهْدِيكُم إلا سَبِيلَ الرّشَادِ}(غافر : 29).

2) الحق في مجادلة الله تعالى وقبُولِ ما يهْوَوْن من هداياته ورفْضِ ما يكرهون : إذا كان الله تعالى قال للمومنين : {ومَا كَانَ لمُومِنٍ ولامُومِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْراً أن تَكُونَ لَهُم الخيَرَةُ من أمْرِهِم}(الأحزاب : 36) فإن هؤلاء المتألهين كانوا يأتون عند محمد  ويقولون له : {إيتِ بقُرْآنٍ غَيْرِهَذَا أو بَدِّلْهُ}(يونس : 15)، قو لةٌ ورثُوهامن كفار أهْل الكتاب الأُول الذين أخبر الله تعالى عنهم بأنهم كانوا ينْتَقُون من الدين ما يُعْجبهم، فما أعجبهم فرَحُوا به وطبَّقوه، وما لم يعجبهم رفضوه واستنكروه وتكبروا وأعرضوا عنه، بل ومَدُّوا أيديهُمْ بالأذى والقتل لمن جاءهم به {أفَكُلَّما جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أنْفُسُكُم اسْتَكْبَرْتُم فَفَرِيقاً كَذّبْتُمْ وفَرِيقاً تقْتُلُون}(البقرة : 86).

3) الحقُّ في الترشيح لمنصب النبوّة منْ يروْنه هم صالحاً لا ما يعلمه الله تعالى : وهذا غاية التمرُّد، وغاية الحمق والسفاهة، وغايةالجهل بقدر الله تعالى وقدْر أنفسهم {وقَالُوا : لَوْلاً نُزِّلَ هَذَا القُرْآنُ عَلَى رجُلٍ منَ القَرْيَتَيْن عَظِيم}(الزخرف : 30).

4) التعالي عن قدْرة الله تعالى بدعْوَى التفلُّت مِنْ عِقابه : {وقَالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالاً وأوْلاداً ومانَحْنُ بمُعَذَّبِين}(سبإ : 35)، {وقاَلَتِ اليهُودُ والنّصارَى نحْنُ أبْنَاءُ اللَّهِ وأحِبَّاؤُه}(المائدة : 20) أي أن الله تعالى لا يعذبنا بسبب القرابة، كما نجّى المالُ والأولاد الآخرين من العذاب.

يضاف إلى مشاهد البلادة السابقة مشْهدانِ هما أكثر سخافةً وتفاهةً، إنهما :

أ- مشْهدُ المُنْعَم عليهم بإغْراق  عدوِّهم فرعون، وإنجائهم من ذُلِّه، والمُنعم عليهم بالرزق النازل من السماء منّاً وَسَلْوَى، والمُنعم عليهم بالغمام الذي يقيهم حرّ الشمس في الصحراء اللافحة.. ومعَ ذلك يقولون لنبيهم موسى عليه السلام {أرِنَا اللّهَ جَهْرَة}(النساء : 152) فهُمْ لم يرَوْا الله تعالى في خلقه لهم، ولا في كثرة إغداق النعم عليهم، ولا في تدْمير من تجبر عليهم وعليه سبحانه، ولا في رحمته بإرسال رسولٍ لهم لِيُنْقِذَهُم، ولا في حُدود قُدْرة نبيهم، وطلاقة قُدْرة الله تعالى!! فالذي يعْمَى عنْ كُلِّ هذه الآيات المبصرة والدلائل الباهرة هو الأعْمى حقا!! والمحْجُوبُ عن نور الهداية حقا!! بلْ هو الأجْدَر ألاّ يخاطَبَ بخطاب الإنسانية الواعية العاقلة السامعة البصيرة!! ولكِن يُخاطَب بخطاب من ضَرَبَ الله تعالى لهم مَثَلاً في هذه الآية {ومَثَلُ الذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الذِي ينْعِق”ُ بِمَا لا يَسْمعَُ إلاَّ دُعَاءً ونِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُون}(البقرة : 170).

ب- مشهَدُ الإسْفاف في السّفالة التي لا توجَدُ إلا في صَلادَةِ عُقُول الكفار والمجرمين، وهَلْ هناك سفالةٌ أسْفَلُ مِنْ أن يصْنَع السامريُّ لقومه عِجْلاً ذهبيّاً على أعينهم جميعا، فيقول لهم :{هَذَا إِلَهُكمْ وإِلَهُ مُوسَى فَنَسِي}(طه : 88) فيصَدِّقونه ويعكفون عليه عابدين حتى يرجع إليهم موسى عليه السلام من مناجاة ربه، ومعهُم نبيُّ الله هارون عليه السلام!! أَيْن يُصَنَّفُ هؤلاء!! أيْن يُوضَعُ هؤلاء الذين لا يعرفون لله تعالى قدراً؟! ولا يعرفون للنبوة فضلا؟! ولا يعرفون للرسالة رحمة؟! ولايعرفون للروح زَكَاةً وطُهْراً؟! كيف يتهمون موسى عليه السلام بنِسْيان ربه والتيهان عنه؟!.

إن هؤلاء الذين رأينا بعض مستوياتهم الفكرية والعقلية والإدراكية هُم الذين سادَتْ حضارتُهم، وهُم الذين هَجَمُوا على الأمة الإسلامية ذات الرسالة -على حين غفلة- فتمكَّنُوا، ومَدُّوا أيَاديَ العَبَثِ إلى :

أ- العقائد : فغَيَّرُوها من عقائد الإيمان بالله والرسُل والبعث والنشور إلى عقائد الحياة وشهواتها المتهارش عليها، ولا شيء بعد ذلك، ولا قبل ذلك.

ب- وإلى الأفكار والتصوّرات : فرَسَّخُوا فيهم أن الهَوَى هو مصْدَرُ التشريع، ولا شيء أوْلَى منه أن يُتبَع ويُطاع، ويُحَكّم في كُلِّ نزاعٍ داخلي أو خارجيّ، ويُنصَّبَ رقيباً أعْمَى، وسيفاً أحْمق مُسلطاً على كل الرِّقاب؟!.

حـ- وإلى الأخلاق : فقَلَبُوا المُنكَر معروفاً، والمعروفَ مُنكراً، فزيّنُوا السُّكْر والعربدةَ، والتعرّي والتوقح، والتجرُّد من كُلّ خصائص الإنسان السامي.

د- وإلى الموازين : فقلبوها قلبا تاما، فالعِفّة جمود وتحجُّرٌ وتزمُّت، والانحلال تقدُّم وتطوُّر واستمتاع بالحياة، وعبادة الله تعالى رجعية وتخلف، وعبادة الهوى ثورية وتقدم، ومقاومة المحتل الغاصب إرهاب وتطرُّف، والاستسلام له تحضُّرٌ وتعَوْلُم.

فكيف يمكن للمسلمين أن يحْمِلُوا غَيْرهم على احترامِهم، واحترامِ دينهم ومقدّساتهم، واحترام مشاعرهم؟! وهُم على مَا هُمْ عليه من الضُّعْفِ المادِّي والمعنوي؟! وهُم على ما هم عليه من العِوج الفِكْري المُسرَّب لهُم؟! وهُمْ على ما هُم عليه من التشرْذُمِ المذهَبِي، والتشرذُم الطائفي، والتشرذُم الحزبيّ، والتشرذم الولائِيّ والانتسابيّ؟!.

ألا حُقّ لأرباب الحضارة المادية أن يتعالوْا، وأن يتَصَلَّفُوا ويتكبُّروا!! لأنّ قامة المسلمين أقْصَرُ من أن تطُولَ قامَتَهم.

> فهل نَطُولُهم في التشبُّث بالوحْدة رغْم أن وحْدَتَهم وضعية ووحْدَتَنا ربّانية؟!

> فهل نطولهم في الثبات على المبادئ رغم هوائيّة مبادِئِهم وربّانيّة مبادئنا؟!

> وهل نطولُهم في ديمقراطيتهم التي صنَعُوها لأنفسهم مع أن الفرق بينهاوبيْن شُورَانا التي فرضها عليها ربُّنا كبيرٌ؟!

> وهل نطُولُهم في التسخير للكون رغم أن قرآننَا مَلِيءٌ بالآياتِ الموجبةِ للتدبُّر في الكون وتسخيره؟!

> وهل نطولهم في التّخْطِيط للحاضر والمستقبل القريب والبعيد رغم أن قرآننا وسُنَّةَ نبيِّنا مليئان باسْتِشْرافِ المُسْتقبَل والاستعداد له بما يناسِبُه من العُدّة والعتاد؟!

> وهلْ هُناك أدْهى وأمْكرُ من عقْد مُنْتَدى العالم الإسلامي في هذا الوقت بالضبط لبَرْدَعَة النُّخْبويِّين وجعْلِهم يزْدَرِدون الإهاناتِ في أقدس مقدساتهم بيْنَما كبارُ قومنا في سُبَاتٍ عَميق؟! لا يتحركون ولا يُحرِّكون؟! كأنَّ التاريخ الحيَّ للشعوب غافلٌ عنهم؟!.

فهل حُرِّيَّةُ التَّعْبِير التي خرج فيها الاتحاد الأوروبي بقرار صارم، فحواه (أن حرِّية التعبير ليست قابلة للنقاش) تساوي دينَنا الذي حَثّنا الله تعالى على بَذْل الأنفسوالأموال لحمايته؟! بَلْ وأباح لنا مُدافعة كُلِّ منْ طَعَن في ديننا بأي نوع من الطعن مهما كلفَنَا ذلك من جُهْد؟!.

لا يُسلّىنا عن هذه المهزلة وهذا الهوان إلا قولُ ربنا لهم أولا، ولنا ثانيا : {ذَرْهُم يَاكُلُوا ويتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُون}(الحجر : 3).

فسوف يعلمون يوم يسترجع المسلمون وعْيَهُم ورُشْدهم كم كان أسلافُهم مجرمين في حق هذا الدين وحق رسوله؟!

وسوف يعلمون يوم يسعد الناس بحضارة الإسلام من جديد فيلعنون سفهاء اليوم كما لُعن سفهاء الأمس.

وسوْف يعلمون يوم يقفون بين يديّ ربّ هذا الدين وربّ نبيه كم ظَلَمُوا أنفسهم عندما لم يومنوا بهذاالدين الذي هو رحمة للعالمين.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *