ثقافة التنمية


التنمية شأن الجميع، لا الدولة فحسب

لماذا “ثقافة التنمية” ؟

لما كان تحقيق التنمية أهم معضلة تواجه المجتمعات، خصوصا الواقعة في الشطر الجنوبي للكرة الأرضية، كان لا بد أن تتصدى لذلك كل الأطراف المكونة لهذه المجتمعات وهي بالأساس: القطاع العام؛ والقطاع الخاص؛ والمجتمع المدني. وهذا الأخير نما في العقود الأخيرة بشكل سريع وأصبح له دور كبير في التنمية خصوصا في التنمية الاجتماعية، وتطورت وسائله وأساليبه وأصبح له قاموس خاص يتداوله العاملون فيه والمهتمون بشأنه، لذا ارتأيت أن أساهم في التعريف بأهم مصطلحاته ومفاهيمه من خلال سلسلة أسميتها “ثقافة التنمية”، حيث أضحى اليوم من اللازم على الجميع، وبصفة خاصة من شرفهم الله تعالى بحمل هموم واهتمامات أوطانهم وشعوبهم الاطلاع على هذه المفاهيم والمصطلحات والتمكن منها وتداولها لأنها أصبحت من لغة العصر الذي نعيش فيه.

والسلسلة عبارة عن إطلالة مختصرة جدا على المواضيع والمفاهيم التي ستتطرق لها، فهي لا تغني عن البحث والتوسع أكثر، خصوصا بالنسبة للعاملين في مؤسسات المجتمع المدني.

خلال القرنين الماضيين تغولت “الدولة” إلى الحد الذي أصبحت فيه تتدخل في كل شيء وتقوم بكل الأعمال تقريبا، ولا تسمح بأن يقوم غيرها من القطاع الخاص ومن الأهالي بأي دور كبير في تدبير الشؤون الحياتية للمجتمع، خصوصا بعد نشوء الدول الاشتراكية ووصول الأحزاب الاشتراكية إلى الحكم في الدول الليبرالية.

وهكذا أصبحت الدولة هي المستثمر الأول وهي التي توفر أغلب فرص الشغل، وهي التي تقدم جل الخدمات الاجتماعية وتساعد المحرومين… ولكن الحصيلة في النهاية كانت دائما مخيبة للآمال ولا تلبي الحاجيات ولا تستجيب للتطلعات.

وفي العقود الأخيرة، وبعد سقوط المنظومة الاشتراكية، وبعد العجز الذي أصاب أغلب الدول، سواء العجز الاقتصادي أو العجز الاجتماعي، توصل الجميع بما في ذلك “الدولة” نفسها إلى ضرورة توزيع المهام بين الأطراف الرئيسية الثلاثة المكونة للمجتمعات، وهي: الدولة أو القطاع العام؛ والقطاع الخاص؛ والمجتمع المدني. فالاستثمار وتوفير فرص الشغل وتحقيق الأرباح والثروات من مهام القطاع الخاص، والتكافل الاجتماعي والتضامن والقضاء على التهميش والإقصاء الاجتماعي والتضامن والتوعية والتعبئة العامة..من وظائف المجتمع المدني. أما دور الدولة، فبالإضافة إلى الوظائف الكلاسيكية من توفير للأمن الداخلي والخارجي ومن دفاع على مصالح الوطن في الخارج (عبر الممثليات الدبلوماسية) ومن تشريع وتقنين وقضاء، انحصر دورها الاقتصادي في التوجيه والإرشاد والتنظيم والمراقبة، وفي المجال الثقافي والاجتماعي في الدعم المالي واللوجستيكي وأحيانا في مراقبة التدبير المالي لمنظمات المجتمع المدني من جمعيات ومنظمات غير حكومية ونقابات وأحزاب…

وهكذا أصبح العالم اليوم من خلال السياسات الحكومية للدول ومن خلال استراتيجيات وبرامج المنظمات الدولية وعلى رأسها المنظمات التابعة للأمم المتحدة، يعمل على تعزيز دور القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية والمجتمع المدني في التنمية الاجتماعية، ويتجلى ذلك مثلا -في المجال الاقتصادي- في سياسة الخوصصة وتكليف القطاع الخاص بتدبير المرافق العمومية في إطار ما يسمى بالتدبير المفوض كالنقل الحضري الجماعي وتوزيع الماء والكهرباء… أو ببناء هذه المرافق أصلا والانتفاع من مداخيلها لمدة معينة (في الغالب 20 سنة)، كما أصبح القطاع الخاص هو الذي يتولى إعداد الدراسات وإنجاز المخططات لصالح المؤسسات الحكومية والجماعات المحلية بدل المصالح التقنية التابعة للقطاع العام، وفي بعض البلدان يقوم القطاع الخاص حتى بتحصيل الجبايات والقيام بعملية التفتيش والمراقبة نيابة عن الدولة… وفي المجال الاجتماعي نستحضر مثال البرامج الأممية كبرنامج الأمم المتحدة للتنمية وبرنامج التغذية العالمي، والمنظمات والصناديق العالمية كاليونسكو ومنظمة الصحة العالمية وصندوق الأمم المتحدة للبيئة، وعلى المستوى الإقليمي كصندوق التنمية التابع للاتحاد الأوروبي والصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ثم هناك الهيئات والمنظمات التابعة للدول الغنية كوكالات التعاون (مثل الوكالة اليابانية للتعاون) أو التابعة لولاياتها وأقاليمها كوكالة التعاون التابعة لحكومة الأندلس بإسبانيا وفي بعض الأحيان التابعة لبعض بلدياتها كبرنامج التعاون التابع لبلدية مدريد، بالإضافة إلى الصناديق والمؤسسات الوطنية كوكالة التنمية الاجتماعية… وكل هذه المؤسسات تقدم الدعم المالي والتقني لمنظمات المجتمع المدني بشكل مباشر بعدما كانت المؤسسات الحكومية والجماعات المحلية هي التي تستفيد بمفردها من هذا الدعم. وهذه المؤسسات أصبحت ضرورية لكي يقوم المجتمع المدني بأدواره، وأصبح يطلق عليها في قاموس المجتمع المدني مصطلح “المؤسسات المانحة” (Les bailleurs de fonds).

موضوع الحلقة القادمة : “المجتمع المدني : ضرورة واقعية”

———

وكاتب السلسلة يضع رهن إشارة القراء عنوانه الإلكتروني لإرسال ملاحظاتهم ومقترحاتهم وأسئلتهم.

ذ.أحمد الطلحي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *