{وإنْ يَكَادُ الذِينَ كَفَرُوا لَيَزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لمَّا سِمِعُوا الذِّكْرَ ويَقُولُونَ  : إنَّهُ لمَجْنونٌ، وما هُوَ إلاّ ذِكْرٌ للْعَالَمِين}(القلم : 52)


هنيئاً للمسلمين في شرق البلاد وغَرْبها، شمالها وجنوبها بالسَّنَةِ الهجرية الجديدة 1427هـ. هنيئاً لهم تهنئة وُدّيةً وأخويّة خالصة،  نرجو بِرَّها وبركتها وذخرها عند عَلاَّم الغيوب، يَوْمَ يُجْلسُ سبحانه وتعالى المتحابّين فيه على مَنَابِرَ من نور، وتكونُ وجوهُهم تتَلأْلأ نوراً، ويكونُ كلاَمُهم الشاكرُ الحامِدُ نوراً على نور، أمَامَ ربِّ الأنْوار ورَبّ العزة والجلال، نورِ السماوات والأرض ونور الأكوان كُلّها ما ظهر منها وما خفي، سبحانه سبحانه!! جلَّ عن الوصْفِ، ودَقّ عن الثناء.

هنيئا للمسلمين ببشائر النصر لدين الله تعالى التي بدأتْ تلوح مع بُزوغ فجْر السّنة الجديدة، فكانت سنةُ 1427 سنةً متميزةً تميُّزاً لا عَهْدَ للمسلمين به من قبْلُ. تميُّزٌ افتَقَد المسلمون عَبِيرَهُ سنواتٍ وعقوداً وأجيالا.

تمَيٌّزٌ تَمَيَّزَ :

1) بالهَبَّة الغَيْريّة على الدين، هبّة غير مسبوقة في التاريخ في عفويَّتها وحكَمها وأسرارها ومغازيها، لقَّنتْ الحاقدين والكائدين والمذَبْذَبين دُروساً في الكَبْتِ والخِزي والذل والصّغار، ولَقَنَتْ المسلمين دروساً في الوعْي والفقهِ لعظمة هذا الدين القادر على صُنع المعجزات في عَصْر الكفر بالمعجزات، فهل تستطيعُ نزْعةٌ قومية، أو نعْرَةٌ عِرقيةٌ، أو صَيْحَةٌ مَذْهبية أن تصنع هَبَّةً فريدة مثل الهَبَّة التي تنادى لها المسلمون شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، علماء وبسطاء، مسؤولين ورعاةً، نساءً ورجالا، شباباً وشيوخاً ملتزمين ومنتمين، يمينيين ويساريين، بل مسيحيين ومسلمين؟!.

2) وتميَّزَ بالفَضْحِ العالمي للعِنادِ الكفريّ الواصِلِ إلى دَرَجَةِ التجرُّدِ الجامِدِ مِنْ كُلِّ شعاعاتِ العقل، وذَرَّاتِ التفكير، فما مَعْنَى التشبُّثِ بحريّة التّعْبير من غير قيْدٍ ولا شرطٍ، ولو وَصَل الأمْرُ إلى سَبِّ الله عز وجل وسبِّ ملائكته، وأنبيائه ورسله!! وأضافُوا إليها حُرِّية الجنسَ ولو وصَلَ الأمْرُ إلى درجة الدِّياثَةِ والحيوانية الهابطة؟!.

ورُبَّما كان هذا الحُمْق الإنساني لعُبّادِ الهوى هو الذي دَفَعَ الكثير من علماء المسلمين لاتِّهَام العَقْل بالقُصُور عن معرفة الحُسْنِ والقُبْح حَقّاً، فقالوا : إنّ الحَسَنَ هو ما حَسّنَهُ الله تعالى في شرعه، والقبيحَ هو ما قبَّحَه الله تعالى في شرعه، وكُلُّ ما حَسَّنه الله تعالى أو قَبَّحه هو منسجم تماماً مع العقول الرشيدة.

ولعلَّ نورَ النبوة الحريصَ على مستقبل الأمة، ومُسْتقْبل الانسانية جمعاء من الدَّمار هو الذي كان وراء تحذيره من الغَرق في مُسْتنقع السّفهِ والفواحِشَ قَبْلَ الغَرَق فيجَحيم النار، مستقَرِّ الأشرار، فقد ورد في بعض الأثر أن الرسول  قال : >أكْثرُ مَا يُدْخِل الجنّةَ البِرُّ وحُسْنُ الخُلُق، وأكْثرُ ما يُدْخِلُ النّارَ الفَمُ والفَرْجُ< أو كما قال .

وقد برْهنتْ التصريحاتُ والتحركاتُ الأخيرة للمستهزئين بالمقدّسات إثْر الاحتجاجات الهادرة أنهم مصمِّمون على حريّة التعبير، وحرّية الجنس بدون قَيْدٍ أو شرط، ويُريدون تسْريب ذلك إلينا حتّى لا يَبْقَى عندنا مُقَدَّسٌ، وبذلك نُصَنَّف عند الله تعالى في قائمة شَرِّ الدّوابِّ الصُّمِّ البُكْمِ الذين لا يعْقِلُون، كما ارتَضَوْا هُمْ لأنفسهم أن يكونوا وإنْ عَدُّوا أنفسهم من أعْقَلِ العُقلاءِ، وأرشَدِ الرُّشَداء!!.

3) كما تميّز بتجلِّياتِ الصِّدْق القرآنيّ في كُلّ ما أخْبرنا به عنِ المُضْمَراتِ والمكْنُونات المُسْتَتِرة في قلوب الكفار على الدّوام والاستمرار، حتى يعْرف أهْلُ القرآن كَيْف يتحرّكون بمقاصِد القرآن بدون أن تَزِلّ أقْدامُهم في العلاقاتِ القلبيّة والسياسِيّة. فهناك خطوطٌ حمراءٌ لا يصحُّ تخطِّيها مهما لاَنَتْ ملامِسُ الأفاعي، ففي أنْيَابها العَطَبُ.

وعلى رأس الإخبارات القرآنية التي تجَلّى صِدْقُها بوضوح :

> قول الله تعالى : {ولنْ تَرْضَى عَنْك اليَهُود ولا النّصَارَى حتّى تتّبِعَ مِلَّتَهُم}(البقرة : 119).

> وقول الله تعالى : {مَا يَوَدُّ الذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتَابِ ولاَ المُشْرِكِين أن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِن خَيْرٍ مِن ربِّكُم}(البقرة : 104) إخبار صادِق بأن الكافر لا يحمل في نفسه أيّ عاطفةٍ خيريّةٍ إحسانيّةٍ للمومن لوجْه الخير والإحسان إلا ما كان على وجْهِ المصلحة الخاصة.

> وقول الله تعالى : {ولا يَزَالُون يُقاتِلُونكُم حتّى يرُدُّوكُم عن دِينِكُم إنِ اسْتَطَاعُوا}(البقرة : 115) فالآية تخبِرُنا بأن الكفار لا يَبْقَوْن في دائرة إضْمار الشر للمومنين بل ينتَقِلُون إلى دائرة القتال على الخيْر الذي اختصَّ الله تعالى به الأمة الإسلامية لجرّها إلى الشرِّ الذي يغرق فيه الكفار على كُلِّ صعيد. ومثل هذه الآية قول الله تعالى {لتُبْلَوُنّ فِي أمْوَالِكُم وأنْفُسِكُم ولتَسْمَعُنَّ منَ الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ومِنَ الذِينَ أشْرَكُوا أذًى كِثِيراَ}(آل عمران : 186).

> وقول الله تعالى : {لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُومِنٍ إلاًّ ولا ذِمَّةً وأُولَئِك هُمُ المُعْتَدُون}(التوبة : 10).

فهذه الآياتُ وأمثالُها كثير هي موضُوعَةٌ على قائمَة الممْنوعات المُشَطَّب عليها بالقلم الأحْمر عند زُعَماء الكفر الضاغطين بشِدَّة لإصْلاَح التعليم بالبلاد الإسلامية قصْدَ استئصَال (الإرهاب) من منَابِتِه وجُذوره. لأنها آياتٌ تفضَحُ المكنوناتِ، وتُصَحِّح العَلاقات، وتُبرزٌ مكبوتَاتِ الأحْقاد والضَّغَائن المُتَلفِّعَة بأرْدِيَة المُصَانَعة والتَّكْشِيراتِ الصَّفْراء {يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِم وتأبَى قُلُـــوبُهمْ وأكْثَــــــرُهُم فَاسِقُون}(التوبة : 8).

إلا أن أعظم آية تصف المخْزُون الحقدِيَّ المسْمُوم، هي قول الله تعالى {وإنْ يَكادُ الذِينَ كَفُرُوا لَيَزْلِقُونَك بأَبْصَارِهِم لمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ويَقُولُون : إنَّهُ لمَجْنُون} فقد صوَّر الله تعالى هذا الحِقد المحموم في النِّظرات الكُفريّة الحانِقة للرسول  وهو يتْلو عليهم آياتِ الرحْمةِ والرُّشْد والتوجيه السّوِيّ للحياة الطيّبة، لكِنّ الكُفَّارَ الذين كانوا يستمِعون إليه بأهْوائهم وأغراضِهم ومصالحهم الخاصة كانُوا يتخَيَّلُونَهُ مجْنُوناً يُريد أن يُغَيِّر الواقِع المتردِّي، ويُريدُ أن يُحَوِّل وجْهَة التاريخ العَاقّ الجاحِد الفاسد إلى اخْتِطاط وِجْهة الاعتراف بالمُنعم، والشكر على إرسال الرسول المُعَلِّم للناس الطريق الصحيح السالِم الآمِن من كُلِّ هلاك.

فكأنَّ نظراتهم الحاقدة تقول : أنَّى ذلك؟! والعالم كُلُّه قد انْحرفَ انحرافاً كُلّياً عن الاقرارِ بوجودِ الرّحمان، والاعترافِ برسالة القرآن؟!

أنَّى لَهُ أن يعْرف ذكْر الله تعالى وذِكْر رسالته بعْدَ أن أعْمَتْ بصائرَهُ إمْلاءَاتُ الشّياطين المُسْتبِدّة بشهواته السُّفليّة الهابطة؟!.

إن ذلك بعيد، بعيدٌ جدّاً بعيدٌ!!

إن إصْلاح النفس المائلة، والأوضاع الفاسِدة، والنُّظُمِ المتكبِّرة المُتسلّطة بعيد!! من أين يَبْدأ الإصلاح؟! من النفس؟! من الأسرة؟! من المجتمع؟! من الأحرار؟! من العبيد؟! من العرب؟! من العجم؟! من الهند؟! من الصين؟! من النساء؟! من الرجال؟!.. إن ذلك بعيدٌ!! ولا يُحاوِلُ ذلك، إلا المجْنُونُون أمثال هذا الذي يتْلُو عليهم ذِكْر الله عز وجل وقرآنه المُنْقِذ للعالمين!!

هكذا كانتْ نظراتُ الحاقدين الأولين تنطِق، وهكذاً رُسُوماتُ هؤلاء الحاقدين تنْطِق اليوم بالإعلام الفصيح القبيح أن عَصْر الإسلام قدْ وَلّى، فلقّنَتهم الجَماهِير المومِنة أن فَجْر الإسلام قد بَزَغَ وأشْرَقَ مِنْ جَدِيد لتَعْبيد الناس للعزيز المجيد الحميد، بعد أن أدْبَرَ عَصْرُ الإخَضَاعُِ لقوة النار والحديد!!

فما هو العلاج لمثل هذه الحماقات والتّفَلُّتات الحقديّة؟!

إن الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة نادى بعلاج الأمر عن طريق الحوار، أما عقلاء وعلماء ومفكرو العالم الإسلامي فقد تنادَوْا كذلك لحل المشكل عن طريق الحوار، ولكن على أساس الدّسْتَرَةِ الدّولية لاحترام المُقَدّسات بصفة عامة حتى يُدْفَنَ التحاقُدُ على أساس الدين نهائيا، ويُوجَد المرجعُ البشري الأساسي  لمحاكمة من يفعل ذلك، كما يوجد المرجع البشري لمحاكمة المعادين للسامية.

وليس في مبادئ الإسلام وأخلاقه ما يمنع ذلك، بل المسلمون عندهم ما يمنع منالاتصاف بهذه اللّوْثات التحاقدية، عندهم : {وقُولُوا للنّاسِ حُسْناً}(البقرة : 82)، وعندهم : {ادْفَعْ بالتِي هِيَ أحْسَنُ فإذَا الذِي بَيْنك وبيْنهُ عَدَاوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيم}(فصلت : 33) وعندهم : {ادْفَعْ بالتِي هِيَ أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِمَا يَصِفُون}(المومنون : 97).

وإذا كان يمكن للدُّول والمنظمات الإسلامية أن تتواصى في باب الرَدْعِ بما يُحْدِثُ الرَّدع الحضاريَّ المؤثِّر، فَلَيْسَ في أخلاقنا ولا مبادئنا إطلاق العِنان للفوضى العمياء، والهيْجَةِ الحمقاء.

بل أكثر من ذلك قال لنا كتابنا:

1) الرباط في حِصْن التقوى والصّبْر هو المنهج الأرشد في مجابهة الحقد الأسود {وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإِنّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور}(آل عمران : 186).

2) الرباط في حِصْن التقوى والصّبْر أيضاً، هو الضمانة الكبرى لجَلْبِ معِيَّة الله تعالى القادرة علىجَعْل الكَيْد نصراً، والكَرْب فرجاً ويُسْراً،  أفيعجِزُ سُبْحَانَهُ وتعالى أن يَجْعَل كَيْدَ الكافِرين في نُحورِهِم؟! وتَدْمِيرهم في تَدْبِيرِهِم؟! {وإنْ تَصْبِرُوا وتَتّّقُوا لا يَضِرْكُمْ كَيْدُهُم شَىئاً إنّ الله بِما يَعْمَلُون مُحِيط}(آل عمران : 120)

لماذا كان هذا هو المنهج الأرشد للمسلمين في مواجهة المُؤْذين والحاقدين؟

1) لأن المسلمين أصحابُ رسالة، وأصحاب الرسالة لا يحْمقُون إذا حمق الناس، ولا يسْفَهون إذا سَفِه الناس، لأن الرسالة جِدٌّ لا هَزْلَ فيه، وخَيْرٌ لا شَرَّ فيه.

2) لأن الرّسالة التي يحمِلُها المسلمون هي رسالةُ الرُّشْد والخير للعالمين، ورسَالة الحق والخير لا يناسِبها أخلاق السفاهة والتّداني، ولكن يناسِبُها أخلاق التسامي والتعالي، حتى يستحق أصحابها النصر من الكبير المتعالي {إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدّنْيا ويَوْمَ يَقوم الأشْهَادُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِين مَعْذُرَتُهُم ولَهُمْ اللَّعْنَةُ ولَهُمْ سُوء الدّارِ}(غافر : 51- 52).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *