من ثمرات الهجرة النبوية


بين يدي الهجرة

تهب علينا في هذه الأيام المجيدة المباركة، نسمات شهر محرم الحرام العطرة، ذلك الشهر الذي يقترن بذكرى عزيزة غالية، تحتل مكانة عظيمة في قلب كل مسلم ومسلمة، ألا وهي ذكرى هجرة الرسول . من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، ذلك الحدث الجليل الذي سجله التاريخ بكل تقدير وفخار، حيث تم انتقال الرسول  وأصحابه من بلد الشرك والوثنية آنذاك -مكة- إلى بلد الحق والنور -المدينة- فراراً بالعقيدة، وبناء للدولة، لقد كانت الهجرة النبوية أهم حدث في تاريخ الإسلام، انتقل خلالها المسلمون من الضعف إلى القوة، لذلك اتخذها الخليفة الراشد عمر ابن الخطاب ] بداية للتاريخ الإسلامي.

لقد مكث رسول الله  في مكة ثلاثة عشر سنة يدعو الناس إلى عبادة الله وتوحيده، ولكن قريشاً صدت عن سبيل الله، ووقفت بكل قوتها ونفوذها في طريق دعوة الرسول ، فتيقن الرسول  من أن بلدته -مكة- لم تعد تصلح لحماية دعوته، بل أصبحت تهدد وجودها، فكان لابد لهذه الدعوة من أرض تحميها وتنطلق منها، وما قيمة البقاء في بلد يفتتن فيه المرء في دينه، ويهان في كرامته، ولا يتمكن من عبادة ربه، وإقامة شعائر دينه؟ وكانت هذه الأرض أرض المدينة التي تكونت فيها مجموعة مباركة من المؤمنين صفت سريرتهم وآمنوا بدعوة محمد . حينئذ أمر رسول الله  أصحابه بالهجرة إلى المدينة، وعندما رأت قريش تتابع الهجرة إلى المدينة أدركت أن الرسول  لاحق بهم لا محالة، فاجتمعت طواغيت مكة في أخطر اجتماع لهم، لينظروا في أمر محمد ، وليتخذوا القرار الحاسم للتخلص منه، فرأى بعضهم أن توضع القيود في يد محمد، ويقذف به في السجن، ورأى آخرون أن تكون العقوبة هي النفي فتستريح قريش منه ومن دعوته، ثم أبدى أبو جهل اقتراحاً استحسنه الجميع، وهو قتله ، فحددت ساعة تنفيذ الاقتراح، وطريقته وأدواته، ونزل الوحي يخبر الرسول  بمؤامرة قريش، وأن الله تعالى قد أذن له في الخروج، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه المؤامرة في قوله تعالى : {وإذ يَمْكر بك الذين كفروا ليثبِتوك أو يَقْتلوك أو يُخرجوك ويمكرون ويَمْكر الله والله خَيْر الماكرِين}(الأنفال : 30).

كان نجاح الهجرة إلى المدينة فتحاً مبيناً للإسلام والمسلمين، تحررت فيها الدعوة من بطش قريش وأذاها، وبرزت شخصية الرسول في شتى الميادين حاكماً ومشرعاً وداعياً إلى الله، وكان التغيير الذي أحدثه الرسول  في حياة المسلمين شاملاً وعاماً في المجال الديني والأخلاقي والاجتماعي والسياسي والعسكري.

> المجال  التربوي : ففي المجال التربوي برزت أهمية المسجد كمكان للعبادة، ومدرسة للتربية والتعليم، ومقر للقيادة والتشاور، هذا المسجد هو الذي ربى المسلمين وجعل منهم أئمة في الدين والدنيا.

وفي المجال الأخلاقي ظهرت في المجتمع الجديد بالمدينة مجموعة من الأخلاقيات الرفيعة، التزم بها المسلمون في سلوكهم ومعاملاتهم، وكلها تنبع عن العقيدة، وتترجم الإيمان، كالتواضع والأمانة والوفاء بالعهد والتراحم والإيثار والصدق والعدل…

> المجال الاجتماعي : وفي المجال الاجتماعي برزت قيم الحرية والعمل الشريف، كما برزت قيمة أخرى رفيعة هي المساواة، فلا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح، وضم المجتمع الجديد في رحابه كل الفئات والجنسيات والألوان، كان فيه القرشي كأبي بكر الصديق وعثمان وعلي وغيرهم، واليمني كأبي هريرة ومعاذ بن جبل وأبي موسى، ومن الحبشة بلال، ومن الروم صهيب ومن الفرس سلمان.

> المجال السياسي : وفي المجال السياسي عمل رسول الله  أن تكون الشورى أساس الحكم، وقاعدة المجتمع، ومع أن الوحي كان لا يزال ينزل عليه، إلا أنه كان يمارس الشورى في شؤون الحياة كلها في السلم والحرب، وهي الطريق إلىمعرفة الحق وتبادل الآراء واختيار أحسنها، وقد خاطبه الوحي بقوله سبحانه : {وشَاوِرهم في الأمر}(آل عمران : 159)، وبقوله تعالى : {وأمْرُهم شورَى بيْنهم}(الشورى : 35).

> المجال العسكري : وفي المجال العسكري اهتم الرسول  منذ قدومه المدينة بإعداد جيش مدرب، ذي كفاءة قتالية عالية، فكان الشباب من المسلمين يعملون على تكوين جيش إسلامي قوي بحصولهم على الخبرات الحربية امتثالاً لقوله تعالى : {وأَعِدّوا لهم ما اسْتطَعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم<(الأنفال : 61).

دروس وعبر

ومن الدروس المستفادة من الهجرة النبوية:

1- أن الحق لابد منتصر وأن الباطل لابد مندحر.

2- أن الحق لا ينتصر بنفسه، بل بأصحابه الذين يدافعون عنه ويحمونه، ويضحون في سبيله.

3- أن أعمالنا يجب أن تكون لله وفي سبيل الله، لا لتحقيق مصلحة شخصية.

4- أن النصر دائماً مع الصبر، فما تعجل رسول الله، ولاكف عن الدعوة إلى الله.

5- أن الاستعداد المادي والروحي عنصر أساسي في هذا النصر، فرسول الله  رتب رحلة الهجرة، وخطط لها  وهيأ وسائلها.

6- أن حب الوطن من الإيمان، فهذا رسول الله يخرج من مكة مكرهاً في سبيل الله وهو يقول : >والله إنكِ لأحب بلاد الله إلى الله، وأحب أرض الله إليّ، ولولا أن أهلكِ أخرجوني منكِ ما خرجت<.

7- أن المرأة المسلمة -في كل عصر- تستطيع أن تقدم الكثير، وتقوم بواجبها الاجتماعي والدعوي على أكمل وجه، خلاف ما يدعيه خصومها، فهذه أسماء بنت أبي بكر، ذات النطاقين، تحمل الطعام إلى الغار حيث كان يختبئ الرسول  وأبو بكر ] بكل شجاعة وإقدام.

إن الهجرة كانت انتصاراً عظيماً، لأنها الفرار إلى الله تعالى، ونحن مأمورون بالفرار إلى الله، أي بالهجرة إليه بترك ما نهى الله عنه، قال تعالى : {ففِرُّوا إلى الله إنِّي لكم منه نذِير مُبين}(الذاريات : 50).

ذ.أحمد حسني عاشور

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *