كتبه الجندي الأمريكي (جيمي ماسي) من واقع مشاهداته وتجربته.. اقتل .. اقتل كتاب (صدمة)


 

هذا الكتاب مازال يثير الكثير من الحيرة في فرنسا، فهولأول مرة لم يكن صادراً عن شخصية مدنية، بل هوبقلم جندي أمريكي استطاع أن يكشف فظاعة ما يجري في العراق. كتاب “اقتل.. اقتل” الذي ألفه الجندي الأمريكي “جيمي ماسي” صدر في طبعته الجديدة في شهر أكتوبر الماضي 2005م عن منشورات “بناما” الفرنسية.

قد صدم الرأي العام الفرنسي والأوروبي.لأنه لم يكن كما قلنا من تأليف شخص مدني، أوكاره للحرب، بل كان من تأليف جندي عمل طوال 18 سنة الماضية في خدمة الجيش الأمريكي، مطيعاً لأوامر رؤسائه في القتل والترويع، حيث إن مهمة الجندي كما يقول “جيمي ماسي” لم تكن تعني بأي حال من الأحوال الدفاع عن شرف الأمة الأمريكية (…)، بل النيل من شرف الأمم الأخرى.. والمجتمع تنشر ترجمة لأهم ما جاء في الكتاب عملاً بحريةالنشر ودون تدخل في عبارات وتغييرات المؤلف، ولإطلاع الرأي العام على وجهة نظر شاهد من أهلها أي من داخل الجيش الأمريكي الموجود في العراق.

المؤلف “جيمي ماسي” يعترف أنه كان ضمن الفرقة السابعة للقوات البحرية الأمريكية التي دخلت إلى العراق “منتصرة” بعد أن سرب البنتاجون إلى الجنود الأمريكيين خبر أن الحرب سوف تنتهي.. يقول: لقد استطاعت أجهزة الاستخبارات العسكرية أن تشتري ذمة جنرالات العراق الذين لم يترددوا في بيع البلد والهرب إلى الخارج بموجب اتفاقيات مبرمة مع الأمريكيين.. العراق هوالذي كان بالنسبة للأمريكيين الهدف الأساسي في الحرب التي ستبدأ في منطقة الشرق الأوسط، ليس لأسباب نفطية فحسب، وإن كان النفط قد لعب الدور الأساسي والأخطر، بل لأسباب إستراتيجية محضة، جعلت الأمريكيين يراهنون على العراق إلى أبعد حد، مثلما جعل ” العملاء” العراقيين يراهنون على نهاية نظام صدام حسينالقمعي، بينما كانت الضحية الكبيرة هوالشعب العراقي الذي دفع الثمن مرتين، مرة أيام كان صدام يمارس نظامه البوليسي الإجرامي عليهم، ومرة أخرى حين غزته الجيوش الأمريكية لإهانته باسم الديمقراطية التي تعرت في سجون أبوغريب..

يقول المؤلف: “لقد تلقينا في المدارس العسكرية الأمريكية دروساً عسكرية تدخل في إطار ما يمكن تسميته بمبدأ الدفاع عن بلدك والذود عنه بكل ما أوتيت من قوة وإمكانات، قالوا لنا: اسمعوا، أنتم تنتمون إلى الجيش الأمريكي، القوة العظمى التي لا تقهر ولا توجد قوة فوقها، ولهذا عليكم أن تضعوا في الحسبان أنكم تحملون في دمكم ميزة أنكم من أمريكا وأنكم الأقوى والأقوى.. كانت تلك الدروس نتلقاها يومياً إلى درجة صار من الصعب علينا أن نستوعب أن ثمة من هوأفضل منا، وجعلنا نرى بقية كائنات الأرض أقل منا بكثير، مجرد صراصير تمشي على هذه الأرض..”.

بهذه الكلمات، يتطرق الجندي الأمريكي “جيمي ماسي” إلى الفكرة العسكرية وفق المنظومة الحربية الأمريكية والتي بدأت على أساس إخضاع عقول الجنود إلى تلك الفكرة المركزية التي كانت تمارسها في الحقيقة ألمانيا النازية في إفهام جنودها أنهم ينتمون إلى جنس مختلف وأن بقية الأجناس تحت نعال أحذيتهم العسكرية الثقيلة. النازية التي ارتبطت بالحرب العالمية الثانية وتحولت مع الوقت إلى صورة أخرى من صور الإسقاطات السياسية من منظور ما أصبح يمارس ضد المستضعفين لأجل إجبارهم على الخضوع ولوباستعمال القوة المباشرة ضدهم.

يضيف الجندي الأمريكي “جيمي ماسي”: “كنت أتساءل بيني وبين نفسي أيام التهديدات الأمريكية على عدد من دول الشرق الأوسط: لماذا علينا أن ندخل في تلك الصراعات المعقدة؟ ما الذي سنجنيه من احتلال العراق؟ صحيح أن النظام العراقي كان نظاماً فاشياً، ولكن ماذا سنربح نحن من احتلالنا للعراق مثلاً ومن غزونا لأفغانستان منقبل ذلك؟”.

تلك المساءلة الصعبة التي استغرقت العديد من صفحات الكتاب يجد لها “جيمي ماسي” الرد أخيراً بقوله: “في الحقيقة لا شيء ستجنيه الولايات المتحدة من هذا الجنون المدمر الذي تريد فرضه على العالم.. لا شيء. الحرب لم تكن في يوم من الأيام خياراً مطلقا ًبالنسبة لجيش لم يكن متعوداً على الحرب طويلة المدى. يمكن للجندي الأمريكي أن يغزودولة ما مستعيناً بكل الوسائل التكنولوجية المتوافرة بين يديه، مستعيناً بالأقمار الصناعية وبالمعلومات المخابراتية العسكرية الدقيقة، ومستعيناً بالعملاء الذين يبيعون دولهم مقابل حفنة من الدولارات، ولكن لا يستطيع الجندي الأمريكي أبداً أن يخوض الحرب الطويلة، والزمنية التي تسمى في اللغة العسكرية بالحرب الاستنزافية، والأخطر منها حرب العصابات في مدن لا يعرفها الجيش الأمريكي إلا من خلال خرائط معظمها غير صحيح!” ولعل هذا السبب تحديداً في “استعانةالولايات المتحدة بالخبرة الإسرائيلية”.

كما يورد “جيمي ماسي” في فصل آخر من فصول قصته في العراق.. لقد تم الكشف في سنة 2004م عن تواجد إسرائيل مكثف داخل العراق، وهوما لم تكذبه لا (إسرائيل) ولا إدارة الحرب الأمريكية، مستفيدة من كل الفوضى الحاصلة لتمرير رسائل غامضة إلى كل الجهات بأن تواجد إسرائيل في العراق لن يكون خطراً على العراقيين فقط، بل على بقية الدول “المارقة” حسب المصطلح الذي يستعمله البنتاجون للتعبير عن الدول “الخارجة على القانون الأمريكي”.

يحكي “جيمي ماسي” عن هذه النقطة في كتابه قائلاً: “حين استوعبنا أن ثمة ضباطاً عسكريين إسرائيليين في العراق، فهمنا أن الحرب ستكون طويلة، فبعد أشهر من الغزوبدأت المقاومة العراقية تتبلور وفق إستراتيجية أخرى لم يكن البنتاجون يحسب لها أي حساب. في تلك المرة كانت للمقاومة مشهدية أخرى لا يمكن بأي حال من الأحوال القول إنها تدافععن صدام حسين، بل كانت تدافع عن العراق. من هنا، عندما سمعنا بوجود عدد من كبار الضباط الإسرائيليين في العراق، فهمنا اللعبة: “إسرائيل” التي تمارس عبثية مقاومة الانتفاضة الفلسطينية متعودة على هذا النوع من الحرب، وعلى مواجهة ما يسمى بالعصيان الشعبي، ومعنى هذا ببساطة أننا قد نتلقى الأوامر من الجنود الإسرائيليين الذين كانوا يلبسون لباسنا العسكري، وهذا بالتحديد ما كنا غير قادرين على تقبله! لأننا درسنا طوال سنوات أن القوة العظمى هي القوة الأمريكية المطلقة، فكيف يمكننا القبول بأخذ أوامرنا من جنود إسرائيليين ؟!”.

يواصل الجندي “جيمي ماسي” قائلاً في كتابه: ” إسرائيل كانت حاضرة في عملية الغزوالتي قمنا بها ربما لمصالحها.. نحن كنا مسيّرين إلى حرب لم يكن لنا فيها أي هدف؛ لأننا لم نفهم لماذا علينا أن نأتي من آخر العالم لغزودولة ما بحجة تحريرها؟ لم يكن التحرير إلا وجهة أخرى نحوحرب شاملة لاحتلال دول أخرى في المنطقة.. كانت الخطة الجهنمية تتمثل في إثارة الفوضى في منطقة الشرق الأوسط بحيث لن تضطر أمريكا إلى الدخول إلى الحرب عسكرياً بشكل مباشر، بل بالدخول على شكل “حَكم” (Arbitre) يفض الخلافات والنزاعات التي ستقوم حتى يكون هوالبديل المطلق! لقد فهمنا ذلك حين بدأت عملياتنا تأخذ مأخذ العنف المطلق، حين تحولنا من جنود محررين إلى “إرهابيين” بزي عسكري أمريكي!”.

بداية التحول:

لقد بدأ التحول والغضب حين أخذت الحرب مسار الإبادة المعلنة. كانت الأوامر الآتية من الإدارة العسكرية العليا واضحة وصارمة: إطلاق النار على كل ما يتحرك. والحال أن ذلك كان يعني إبادة الأطفال والنساء والشيوخ بغير ذنب.. يعترف الجندي الأمريكي “جيمي ماسي” أنه شارك في العديد من العمليات العسكرية وحالات المطاردة ضد رجال المقاومة العراقية.

يحكي عن هذا الجانب فيما تبقى من كتابه- القنبلة قائلاً: “كانت الأوامر الآتية من الإدارة العسكرية العليا واضحة وصارمة: إطلاق النار على كل ما يتحرك. والحال أن ذلك كان يعني إبادة الأطفال والنساء والشيوخ بغير ذنب.. كنا خائفين من نيران المقاومة في مناطق صعبة في ضواحي بغداد وفي مدن أخرى مثل الفلوجة وبعقوبة.. ولهذا كانت الأوامر التي تكررت لنا تتجسد في إطلاق النار على كل ما يتحرك، واكتشفنا أننا أطلقنا النار على أطفال أيضاً.. كنا نمارس القتل العمد، وكانت الأوامر المستمرة التي تصلنا هي مزيد من القتل.. اقتل.. اقتل.. إلى درجة فقدنا فيها إنسانيتنا تماماً!”.

يضيف قائلا:ً “تبقت لي سبعة أعوام لأحصل على تقاعدي من الجيش، وهوالذي سيسمح لي بالعيش وفق ما سيدفعونه لي كراتب تقاعد عسكري، ولكني رفضت أن أستمر.. لقد رفضت أن أواصل القتل والترويع.. فقررت الهرب..” لم يكن الهرب الذي يعنيه سوى ابتعاد أدى في الأخير إلى اعتقاله بتهمةعصيان الأوامر، وترحيله إلى الولايات المتحدة للمحاكمة. كان في نظر رؤسائه خطراً كبيراً لأنه بدأ يتكلم وبدأ يرفض ويناقش الأوامر التي كانت تأتيه من القيادة. كان يثير الجنود كي يرفضوا إطلاق النار عشوائياً على المدنيين مما جعل القيادة تختار بين أن تلقي القبض عليه وإدانته بتهمة عصيان الأوامر (وهي التهمة الجاهزة ) أوتصفيته تحت غطاء إعلامي، أي اختطافه وربط عملية الاختطاف بجماعة من رجال المقاومة وبالتالي إعدامه بشكل “مسرحي” كما حدث مع العديد غيره ممن كانت القيادة العسكرية الأمريكية تدين “تعاطفهم” مع المدنيين العراقيين وتتهمهم بأنهم “يعارضون الأوامر”، كما كان حال النقيب ” توني بريتان” الذي قيل: إن “جماعة من جماعات المقاومة العراقية اختطفته وأعدمته” في الوقت الذي أعلنت فيه عائلته أن القيادة العسكرية الأمريكية هي من قامت بعملية تصفيته لأن “توني بريتان” كان يعارض بشدة قتلالمدنيين ويعارض الحرب القذرة في العراق عموماً.

> عن مجلة المجتمع الكويتية ع 1679

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *