علماء  وحقوقيون بتونس ينتفضون ضد “عصر المناكر”


علماء ينتفضون

وكان وزير الشئون الدينية التونسي قد اعتبر الحجاب، في حوار نشرته جريدة الصباح التونسية يوم  2005/12/27 “ظاهرة دخيلة” على تونس، و”نشازا” و”زيا طائفيا” و”ظاهرة غير مقبولة في تونس”.

وحول ما إذا كان علماء تونس يذهبون إلى ما ذهب إليه الوزير، قال الشيخ مختار السلامي: “السيد أبو بكر الأخزوري رجل سياسة ويتقلد منصبا سياسيا، وشأن الساسة أنهم يدلون بتصريحات سياسية بحسب ما يملي عليهم الظرف”.

وأضاف “لم يكن الأخزوري في يوم من الأيام من علماء المسلمين”.

وشدد الشيخ السلامي على أن “المطلوب من المرأة الستر”، ودلل على ذلك بقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُغَفُوراً رَحِيماً” )الأحزاب:59).

وأشار إلى التفريق بين مصطلحي “الحجاب” و”الستر” فأوضح أن “المرأة المسلمة مطالبة بستر بدنها إلا وجهها وكفيها”، مشيرا لحديث أسماء المعروف عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: إن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعليها ثياب رقاقٌ، فأعرض عنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: “يا أسماء إنَّ المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلاَّ هذا وهذا” وأشار إلى وجهه وكفيه. (قال أبو داود: هذا مرسل، خالد بن دُرَيك لم يدرك عائشة -رضي الله عنها-).

وتابع قائلا: “أما مصطلح الحجاب فقد ورد ذكره في مخاطبة أمهات المؤمنين رضي الله عنهن فلم يكن يخاطبهن أحد إلا من وراء حجاب وذلك لمقام خاص ببيت النبوة. أما ما نطلق عليه الستر فهو ما نصت عليه الآية رقم 59 من سورة الأحزاب”.

وأضاف أنه “بناء عليه لا يستطيع كائن من كان أن يقول خلاف هذا والذي يقول خلاف هذا فقد قال ما يخالف الإسلام، فالمرأة المسلمة يجب ألا تخرج وهي كاشفة عن رأسها أو تاركة لخمارها تلعب به الريح بل لا بد من إدناء الجلباب وستر الجسد كله ما عدا الوجه والكفين، حتى المشية لا بد من أن تكون مشية امرأة محترمة لكي لا تتبعها الأعين”.

سموا المخازي حضارة!

ومن فراش مرضه، وصف الشيخ عبد الرحمن خليف كلام الوزير بأنه “باطل وليس بحق”.

وقال “إن الله سبحانه يقول: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيما}(الأحزاب:59) فهل بعد كلام الله يصح لأحد أن ينطق بحرف!!”.

وقال: إن “الذي يقول بغير ما أشارت إليه الآية السابقة والحديث فقَدْ فقَدَ إيمانه، ولا يمكن لأحد أن يقول حرفا واحدا بعد قول الله سبحانه وقول رسوله”.

وعلق الشيخ خليف على تصريحات منجية السوائحي، لقناة “إيه إن بي” (ANB) نهاية ديسمبر 2005 التي اعتبرت فيها “الحجاب من الموروثات الإغريقية والرومانية، وليس أمرا إسلاميا أصيلا”. كما نفت أن يكون الشرع قد حث على الحجاب واعتبرت أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه “أكبر عدو للمرأة في التاريخ”.

وتعقيبا على هذه التصريحات، دعا الشيخ خليف المسلمين إلى التمسك بدينهم، وقال: “هذا الذي يقال ما هو إلا فقاقيع ستذهب مع الرياح”.

وفضل الشيخ أن تكون إجابته شعرا من نظمه جاء فيه:

عصر المناكر ألقى على العقول ستارهْ

كم من أناس أصيبوا في دينهم بالخسارهْ

تنافسوا في اقتباس الرذائل المستعارهْ

وبالغباوة سموا كل المخازي حضارهْ

العدو الحقيقي

واتفق الشيخ السلامي مع الشيخ خليف في أن ما جاء على لسان منجية السوائحي “كلام تافه لا يستحق الرد”.

وأشار إلى أن “شخصية عمر بن الخطاب تحظى بالاحترام والتقدير من المسلمين وغير المسلمين، والعدو الحقيقي للمرأة هو الذي يخرج المرأة من الشريعة ويحرمها من تطبيق شرع الله”.

وحرص الشيخ عبد الرحمن خليف في ختام حديثه لـ”إسلام أون لاين.نت” على توجيه التحية “للمسلمات الملتزمات بالحجاب”، وقال: إن هنالك ضغطا كبيرا عليهن (في تونس) وهن مجاهدات ويتعرضن للتنكيل في كثير من الأحيان ويكون هذا التنكيل أدبيا أو ماديا، إلا إنهن صابرات”.

ونددت الأسبوع الماضي شخصيات دينية تونسية بارزة مقيمة في الخارج بتصريحات الأخزوري ومنجية السوائحي.

وصرح الشيخ ونيس المبروك الأستاذ بالكلية الأوربية للدراسات الإسلامية في ويلز بأن تصريحات الوزير “تمثل مخالفة صريحة لنص قرآني محكم”، بل “شذوذا علميا في تقويم هوية المجتمع التونسي الذي يقع الإسلام منه موقع الروح السارية، والمنارة الهادية”.

وأعرب الشيخ المبروك “عن مخاوفه من أن تكرس هذه التصريحات الفجوة بين الشارع التونسي المسلم والدولة، بدل أن تقارب بين الناس، وتقدم مصلحة الوفاق الوطني في هذه المرحلة التي تمر بها الأمة”.

ومن جانبه، وصف الشيخ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الإسلامية تصريحات الوزير التونسي وموقف الدكتورة منجية بأنها “أمر غير جديد عن الثقافة التي تحاول الدولة التونسية المستبدة فرضها على التونسيين باسم حداثة مزيفة”.

كما استنكر أحد الدعاة الذي فضل عدم ذكر اسمه تلك التصريحات معتبرا أنها تندرج ضمن “الاعتداءات المتتابعة على الإسلام، ابتداء من حث الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة الناس على الإفطار في رمضان، إلى سخريته من الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فضلا عن إجازة التبني في مجلة الأحوال الشخصية التونسية، رغم أن القرآن الكريم حرمه بشكل قاطع”.

يشار إلى أن ارتداء الحجاب محظور في تونس بحكم القانون رقم 108 الذي صدر في عام 1981 في عهد الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة. ويعتبر هذا القانون الحجاب “زيا طائفيا” وليس فريضة دينية، ويحظره في الجامعات ومعاهد التعليم الثانوية؛ الأمر الذي يعارضه بشدة قطاع كبير في الشارع التونسي

حقوقيون يرفضون حظر الحجاب

كما تصاعدت انتقادات الأوساط الحقوقية في البلاد للتصريحات نفسها التي رأوها تتناقض -بعيدا عن الخلفية الدينية- مع الدستور التونسي نفسه الذي كفل الحريات الأساسية للأشخاص بما فيها حرية ارتداء اللباس وضمنه الحجاب. كما هددت ناشطة حقوقية بتدويل قضية حظر الحجاب في تونس.

وفي تصريحات لـ”إسلام أون لاين.نت” الأربعاء 18-1-2006، رأى الكاتب والناشط الحقوقي التونسي صلاح الدين الجورشي أنه بعيدا حتى عن الاعتبارات الدينية فلا يوجد ما يدعم خطاب السلطة المعادي لحجاب المرأة المسلمة في تونس.

ويوضح رؤيته قائلا: من الناحية الشكلية فقط، يمكن القول إن ما يطلق عليه حاليا في تونس الزي الإسلامي هو مظهر جديد في تطور اللباس داخل المجتمع التونسي؛ حيث إن الأزياء التقليدية مثل “السفساري” و”الملية” و”الفوطة والبلوزة” قريبة من الزي الإسلامي.

وعن موقف السلطة من الحجاب قال: “إذا رجعنا للجوهر فإن موقف السلطة يتعارض بشكل واضح مع حق الاختيار؛ لأن قضايا اللباس والطعام وطقوس الموت والحياة ليست من صلاحيات السلطة أو أي جهة أخرى. إنها حق مقدس يختاره الفرد بكل حرية”.

وأضاف قائلا: “أعطى الأولوية في مقاربتي هذه للخلفية القانونية والحقوقية على الخلفية الدينية؛ فاللباس بكل بساطة موكول إلى المرأة أو الفتاة تختاره بكل حرية ووعي”.

تدويل القضية

المحامية سعيدة العكرمي  من جانبها، قالت سعيدة العكرمي الناشطة الحقوقية التونسية والكاتبة العامة للجمعية الدولية لمساندة السجناء السياسيين: “انطلاقا من الخلفية الحقوقية التي تؤكد على الحريات الأساسية للفرد، وهي الحريات التي كفلها الدستور التونسي نفسه وكفلتها المواثيق الدولية، فإنه من أبسط تلك الحقوق وأكثرها بداهة الحق في اختيار اللباس”.

وأضافت سعيدة قائلة: غير أن الحجاب في تونس ومن ورائه المرأة كان دوما ضحية الصراعات السياسية التي أفرزت سنة 1981 ما بات يعرف بمنشور 108 وهو المنشور الذي يمنع ارتداء الحجاب الذي يسمونه بـ”الطائفي”.

وتابعت القول: كما صدر أواخر سنة 1986 وبداية 1987 منشور 102 الذي يعتبر أكثر تشددا من سابقه. وفي بداية التسعينيات، صدرت عدة منشورات أخرى مماثلة مثل منشور 35 و70.

ونوهت سعيدة بأنها رفعت سنة 2002، باعتبارها محامية ومناضلة من أجل حقوق الإنسان – دعوى قضائية ضد الدولة لدى المحكمة الإدارية أطالب فيها المحكمة بإلغاء منشوري 108 و102، كما أنها و”بالاستعانة بمجموعة من الحقوقيين والمحامين، بصدد تجميع وإعداد ملف آخر لرفع قضية في نفس الغرض أمام الأمم المتحدة”.

نماذج لمعاناة التونسيات

وعن معاناة المحجبات في تونس، قالت سعيدة: “هناك عدد كبير من التلميذات والطالبات يتصلن بي بسبب طردهن من الدراسة؛ لأنهن يرتدين الحجاب. كما أن عددا كبيرا من المحجبات يتم طردهن سنويا من العمل لنفس السبب. وقد تمكن العديد منهن من استصدار أحكام ببطلان الإجراءات المتخذة بحقهن دون أن يتمكن من تنفيذها”.

صباح، ربة بيت (31 عاما) واحدة من هؤلاء التونسيات، وهي من القلائل -نتيجة للخوف- اللاتي وافقن على الحديث لـ”إسلام أون لاين.نت”. وتقول: “كنت في السادسة عشرة من العمر وكنت أدرس بالمعهد الإعدادي القريب من مسكننا وكان الناظر يغض الطرف عن حجابنا مع أنه كان يقوم بحملة بداية كل سنة من أجل الضغط علينا لنترك الحجاب”.

وأضافت قائلة: “ولما انتقلت إلى الصف الأول الثانوي تم توجيهي إلى معهد آخر ومنذ اليوم الأول الذي ذهبت فيه للتسجيل منعت من الدخول وأعلمت أنه لا مجال لأن يقع قبولي وأن أواصل الدراسة ما دمت ملتزمة بالحجاب، وتمت دعوة والدي وأعلم أن عليه الاختيار بين دراستي والحجاب”.

وتتابع بلهجة حزينة: “كنت أريد أن أواصل دراستي… كنت متفوقة لم أرسب مرة واحدة… كنت أريد أن ألتحق بإخوتي في الجامعة… ولكني قررت أن أترك أحلامي كلها وأن أحتفظ بخماري مرضاة لله…”.

ويقول مراسل “إسلام أون لاين.نت” إنه رغم مرور ما يقرب من 15 عاما على تركها الدراسة لتتزوج بعدها بعامين، فإن صباح ما زالت لا تستطيع أن تغفر لمن حرموها حقها في نيل الشهادة التي كانت تحلم بها، واليوم يراودها القلقة بشأن المستقبل الدراسي لابنتيها الصغيرتين اللتين نشأتا على التمسك بالحجاب.

ملاحقة مستمرة

من جانبها تقول نسرين، طالبة بكلية الحقوق: “لا يمكن بأي حال من الأحوال تخيل المعاناة التي تعيشها فتاة تونسية تشعر أنها ملاحقة باستمرار بسبب ارتدائها للحجاب”.

وتضيف: “لا يمكن أن يتحمل أي إنسان أن يعيش مع الخوف طيلة اليوم… الخوف من التعرض إلى ما تعرضت له بعض أخواتنا في عدد من الكليات؛ فهذه منعت من دخول الكلية يوم الامتحان، والأخرى تم إخراجها من قاعة الاختبار، إضافة إلى ما تعرضت له بعض الأخوات من تمزيق لخمرهن والسخرية من لباسهن وإيقافهن لساعات قبل أن يطلب منهن الإمضاء على التزام بعدم العودة إلى مثل هذا اللباس”.

واستغربت نسرين أن تتعرض الفتيات المحجبات لمثل ما يتعرضن له في حين يسمح للأخريات بأن يخرجن شبه عاريات ويلبسن ما يحلو لهن. واعتبرت أن “من حق الفتاة أي فتاة أن ترتدي ما تريد، فحقها في اختيار اللباس حق كفلته كل المواثيق والعهود بل إنه من أبسط الحقوق وأكثرها بداهة”.

أما عائشة (39 سنة)، موظفة، فقالت إنها اضطرت لأن تترك الحجاب من أجل الاحتفاظ بعملها وإنها استعاضت عنه بغطاء للرأس الذي يعرف في تونس بالمحرمة يغطي معظم أجزاء الرأس ولا تثير انتباه أحد. وأضافت عائشة قائلة: “في الشتاء تستطيع الفتيات تدبير أمورهن، فهن يلتجئن إلى القبعات وإلى أغطية الرأس المختلفة ولكن المشكل عادة ما يكون في الصيف حيث يمكن تمييز الفتيات المحجبات بسهولة كبيرة عن غيرهن”.

> إسلام أون لاين

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *