تأملات في الهجرة النبوية


نهج الرسول عليه الصلاة والسلام منهج إخوانه من الأنبياء والرسل الذين سبقوه ، فما من نبي منهم إلا هاجر من بلده الأصل الذي أنكر دعوته وعاند رسالته،من إبراهيم خليل الله إلى عيسى كلمة الله وروحه ، كلهم على عظيم درجاتهم أهينوا من عشائرهم فصبروا على المكاره مادام ذلك في طاعة الله عز وجل .

ولا عجب من هجرته عليه الصلاة والسلام من بلاد منعه أهلها من تبليغ الرسالة ، قال جل من قائل : {سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا}(الأحزاب 62) . ولن أشير هنا إلى الوقائع والأحداث لأن كتب السيرة امتلأت بتفاصيلها،  ولكن ما ينبغي  التنبيه إليه أن الهجرة وإن انتهت كحدث تاريخي فان معانيها الروحية لا تزال قائمة . فإذا كانت الهجرة تدل في بعض معانيها على الانتقال من مكان إلى آخر ، فإن هذا الانتقال يحتاج إلى عزم شديد وإرادة قوية وصبر على الأذى ، يقول تبارك وتعالى: {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة}(النحل  41).ويقول عز وجل : {فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب}(آل عمران  الآية 195).

وبالرغم من أن الله تعالى قد أيد الرسول عليه الصلاة والسلام بالنصر : {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون}( الصافات 171 – 173) ، فإنه عمل على توفير أسباب النصر ولم يهاجر إلى المدينة إلا بعد تدبير وإحكام وتنظيم .

وكانت الهجرة في حد ذاتها انتصارا لأنها انتقلت بالدعوة من مكانها الضيق إلى آفاق واسعة من أجل إعلاء كلمة الله وتثبيتها ، يقول تعالى : {إن الذين آمنوا والذين هاجروا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم}(البقرة 216).

وهجرة الرسول عليه الصلاة والسلام أبرز حدث رسخ دعائم الوحدة مصداقا لقول الله تعالى : {وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين}(الأنفال 47).

وقد صورها الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله : >مثل المؤمنين في وتراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوا تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى<(1) ،فبروح الإيمان والأخوة والوحدة أخضع الرعيل الأول المشركين في المشارق والمغارب وتم المراد .

وتبقى الغاية السامية من الهجرة هي هجر الآثام والمحرمات ، وهجر السيئات إلى الحسنات: يقول تبارك وتعالى : {والرجز فاهجر}(المدثر 5)، ويقول عليه الصلاة والسلام : >المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده  ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه<(2)، فبامتثالنا لأمر الله وحرصنا على سنة رسوله عليه الصلاة والسلام نكون قد حققنا  الهدف الأسمى من الهجرةونلنا ما ناله الجيل الأول من فضل ومغفرة وحسن ثواب ، وتعلمنا أن نيل المطالب وتحقيق الرغبات تدرك بالسعي الجاد وقهر الصعوبات وتذليل العقبات .

——-

1  أخرجه البخاري ، كتاب الأدب ، باب : رحمة الناس والبهائم ، رقم 5552 .

2  – أخرج البخاري ، كتاب الإيمان ، باب : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، رقم 9 .

ذة. فاطمة ملول

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *