القــرآن والعلم – الكون : ضرورة وتدبير


يقول الله تعالى : {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون}.

لقد استعرضنا في حلقة سابقة المراحل التي مر منها الكون ابتداء من البويضة الكونية مروراً بالمراحل التي عرفها ووصولا إلى الحالة البديعة التي يظهر عليها الآن، بعد ذلك يأتي دور المناقشة والتأمل. هل هذا الكون صدفة أم تدبير؟

إن الفيزيائيين وإلى غاية يومنا هذا ، عندما تكون هناك تنظيمات معقدة ومعجزة تفوق طاقتهم العلمية فإنهم يطلقون عليها عبارة الصدفة أو التنظيم العشوائي. لأن ما هو عشوائي في درجة معينة يكون جد منظم في درجة أعلى، وبالتالي فإن الصدفة ما هي إلا تعبير عن عدم قدرتنا على تحليل لغز هذا النظام المحكم في درجة عالية.

إن تكوين الحياة على الأرض وظهور كائنات ذكية، لا يمكن أن تكون وليدة الصدفة، وإنما هي ناتجة عن تدبير محكم وتنسيق مدروس، كل صغيرة وكبيرة في السماوات وفي الأرض مضبوطة بميزان، قـال الله تعالى : {والسماء رفعها ووضع الميزان}.

وتساءل بعض الفيزيائيين ومنهم “ويلر” عن أي معنى لهذا الكون بدون أن يَعِيَ أحدا بوجوده”.

إن هذا الوعي يتطلب الحياة والحياة تتطلب عناصر كيميائية لتبقى مثل الأوكسجين، الآزوت والحديد….إلخ وعملية إنتاج عناصر كيميائية ثقيلة من مادة الهيدروجين تتطلب احتراقاً نووياً حرارياً (أي عملية طبخ داخل نجم وهذا يستلزم وقتاً طويلاً لإعداده (ملايين من السنين) في مكان حجمه شاسع يمتد لمسافة مليار سنة ضوئية (السنة الضوئية تساوي عشرة آلالف مليار كلم)، فلا يمكن أن تكون كل هذه الترتيبات وجدت عبثا ولا يمكن أن يكون خلق كل هذا صدفة.

يقول الفيزيائي فريمان داسن “Freeman Dyson” لو أن القوى النووية كانت أكبر مما هو عليه لنفذ الهيدروجين وأصبح عنصراً نادراً ولتعذر وجود نجوم كالشمس مثلا. ولو كانت القوى النووية أضعف مما هو عليه الآن لما أمكن احتراق الهيدروجين، ثم تحويله إلى عناصر ثقيلة مثل الحديد والكاربون ولما وجدت حياة

وهناك العديد من (الصدف الذكية) في الفيزياء الذرية والتي من دونها ما كان للماء أن يوجد على هيئة سائل وما كان لمجموعات ذرات الكربون أن تشكل جزيئات عضوية معقدة ولا لذرات الهيدروجين أن تشكل أواصر الجزئيات…إلخ.

فالتعمق في دراسة الكون وفحص تفاصيل هندسية توحي على أن الكون كان مهيئا لاستقبال الإنسان وهذا يستلزم وجود عقل مدبر وموجه، لأن المادة الخام إذا وجدت لا تستطيع لوحدها جعل أي شيء وهذه النظرة تقودنا إلى وجود خالق يوجه الكون ويدبر أمره.

فمفهوم الخلق هو واحد مما يدل على أن الخالق واحد، فمثلا مواصفات الإنسان ومميزاته اجتمعت كلها في تلك النطفة التي خرج منها، وكذلك الكون بنجومه ومجراته انبثق عن بويضة كونية أصابها الانفجار الأعظم وأوحى الله إليها أمرها فأصبحت كما هي عليه الآن، كون مترامي الأطراف ينبض بالحياة إلى أجل معلوم.

قال الله تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون} إن البحوث القائمة اليوم في مختلف العلوم ومنها علوم الكون ومكونات الذرة لدليل على حرص الإنسان على معرفة الحقيقة. إلا أنه  كلما اجتهد في الوصول إليها كلما ازداد انبهاره بهذا  الخلق وبالتالي ازداد تواضعه وخضوعه للخالق يـقول الفــيزيائي (ادبنكتون Eddington ) :يمكن القول إن ما يمكن استخلاصه من هذه المعلومات التي توصل إليها العلم الحالي على أن الدين أصبح قريبا من العلم وذلك منذ أن اكتشف لومتر نظرية الانفجار العظيم واكتشف “إينشتاين” نظرية الحقل المنفرد واكتشف هيزنبرك نظرية (مبدأ الخطأ)، يقول تعالى في كتابه العزيز: {إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ}.

د.محمد حمدون

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *