فمن كان أسعى كان بالمجد أجدرا “الشاعر ابن هانئ ”


فمن كان أسعى        كان بالمجد أجدرا “الشاعر ابن هانئ ”

أ-  وماينطق عن ا لهوى

ها أنا ذي أفي بوعد ضربته لك قارئي على مدى أسابيع، كنت أؤجل فيها الحديث معك عن كتاب استثنائي، أثارت الشخصية التي كانت مادة دراسته انبهاري واستحثت بداخلي كل (بهارات) الهمة وجعلتني أتوق إلى إشراكك قارئي في التلذذ والرغبة في التزود الروحي عبر محطات بطولية اختط وقائعها العجيبة حاكم مسلم فذ، أعاد للإسلام هيبته التي ظل يفتقدها مع حكام وشعوب عاضين على الدنيا ومخلدين إلى الأرض و”معضوضين” (إن صحت الكلمة لغة ولومجازا)!! بفعل هجمات أعداء الإسلام المستميتين في تحين فرص الانقضاض على القصعة وأصحابها الوهنين قمة وقاعدة، ويتعلق فحوى هذا الكتاب  بالسلطان العثماني “محمد الثاني” الملقب بأبي الخيرات الذي فتح القسطنطينية. ويحتفظ التاريخ الإسلامي لهذا البطل بمكانة الصدارة في سجل الفاتحين، وكيف لا، وقدصدقت فيه تحديدا نبوءة رسول الله عليه أزكى الصلوات، وفتحت القسطنطينية على يديه الشريفتين.

قال رسول الله  : >لتفتحن القسطنطينية على يد رجل فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش<.

وحق لمحمد الثاني أن ينال هذا الشرف، وينعم بهذه الحضوة الربانية والتقديرالنبوي الذي لا ينطق صاحبه عن الهوى، فما سرده  علي محمد الصلابي – وهو بالمناسبة كاتب سيرة بطلنا –  عن مساره الإيماني الذي طبع كل سلوكه وتدبيره سواء للشأن العام أوالخاص يثبت بلا جدال ماجاء في قوله سبحانه : {ولينصرن الله من  ينصره إن الله لقوي عزيز}( الحج : 40) .

وبالإطلاع على شذرات من هذه السيرة المباركة سواء في طبعتها الدنيوية أوالدينية وهما سيان في تعبيدهما للخالق عند السلطان الفاتح، ستستشعر حتما قارئي طيب نفحات الانتصارات الماجدة وكأنك ضيف على الزمن النبوي الراشد، وستتنسم في بطولات الفاتح العسكرية  والإيمانية عبق التاريخ البدري في شخوصه الأفذاذ الخارقي الإيمان والفروسية خلف القائد والمعلم العظيم سيدي رسول الله. فمن خلال أخذ السلطان الفاتح  بالأسباب الدنيوية بإعداده مااستطاع من قوة  ومن رباط الخيل على مستوى العتاد والموارد البشرية المغوارة وتدبيره العبقري في المجال العسكري ثم موازاة مع ذلك التزامه العميق بالتعاليم الربانية والمطبوع بالورع والزهد في البهرجة الفانية، استطاع السلطان محمد الثاني أن يحضى بشرف فتح مدينة ظلت متمنعة على الفتح سواء في زمن الخلافة الراشدة أوفي العهد العباسي، حتى جاء الإذن وحل القضاء الرباني فذلت دولة الروم الجبابرة، وسلمت مفاتيح عزها للمسلمين. وكما قال سبحانه : {لكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}(يونس : 94).

ب-  وأعدوا لهم مااستطعتم

.. وجاء الفتح الرباني من فوق سبع سماوات، بالرغم من استماتة الإمبراطور قسطنطين الخارقة في صد المسلمين عن القسطنطينية، وبذله لكل الوسائل الحربية وإرساله في طلب المساعدات من أشقائه النصارى، ورفضه في عزة خاسرة – وقد تكبد جيشه الخسائر الفادحة- تسليم المدينة إلى الفاتح وجيشه.

وسنتوقف عند بعض من الأسباب الدنيوية التي اعتمدها السلطان محمد الثاني والتي أبانت عن مهارة حربية مذهلة. فالمعارك التكتيكية المتطورة بهجماتها المتواصلة التي اعتمدها السلطان  من خلال خطط حربية نوعية، كانت من المهارة والعبقرية بحيث أنها هدت عزيمة جنود ورعايا الإمبراطور البيزنطي وأبانت بكل تأكيد عن الذكاء الخارق والعبقرية العسكرية التي كان يتصف بها هذا الحاكم العربي المغوار. وسنكتفي بالإشارة فقط إلى خطتين اثنتين كان من شأنهما إدخال الرعب في قلب العدو وزلزلة الثقة في نفوس جنوده ورؤسائه :

وتتعلق الخطة الأولى بابتكاره بمعية ثلة من خبرائه وفنييه العسكريين لطريقة فريدة في الاستيلاء على ممرمائي كان تحت سيطرة البيزنطيين، حيث جعل الفاتح السفن تقطع اليابسة إلى حيث المعبرالمائي، وكأنها تمخر عباب الموج، حيث مهد لها الأرض وذلك في ليلة واحدة! ووضع عليها رفقة جنوده الباسلين المرابطين، خشبا أملسا مدهونا بالزيت والشحم لتيسير انزلاق السفن عليها ! وعند الصباح كانت هناك أكثر من سبعين سفينة ترسو عند سواحل الممر المائي البيزنطي وتسيطر عليه في مباغتة عجيبة للأسطول البحري البيزنطي! واستيقض العدو على أصوات التكبير والتهليل المنبعثة من قلوب العثمانيين لا حناجرهم فقط، وذهل رواة التاريخ في تصنيف الواقعة فما بالك بالقادة البيزنطيين!!..

ثم هناك الخطة الثانية لإرباك الجيش البيزنطي، وتتلخص في حفر أنفاق تحت الأرض والتسرب عبرها إلى مدينة القسطنطينية للانقضاض عليها على حين غرة، وهي الخطة التي جعلت البيزنطيين يفقدون صوابهم وتطيش عقولهم، ومالنصر إلا من عند الله،يقول كاتب سيرة محمد الفاتح في هذا الحال الذي عز في أيامنا العجفاء هذه : (فكانوا -أي البيزنطيين- يتلفتون يمنة ويسرة ويشيرون هنا وهناك في فزع ويقولون: تركي، تركي!! ويجرون هربا من أشباح يحسبونها تطاردهم، وكثيرا ما كان يحدث أن تتناقل العامة الإشاعة فتصبح كأنها حقيقة واقعة رآها أحدهم بعيني رأسه، وهكذا دخل سكان القسطنطينة فى فزع شديد أذهب وعيهم لكأنهم سكارى وماهم بسكارى، فريق يجري وفريق يتأمل في السماء ومجموعة تتفحص الأرض والبعض ينظر في وجوه البعض الآخر في عصبية زائدة وفشل ذريع)!! ص 125 سلسلة من المؤمنين رجال / فاتح القسطنطينية السلطان محمد الفاتح / بقلم الدكتور / علي محمد الصلابي / دار الإيمان للطبع والنشر والتوزيع.

(ومارميت إذرميت ولكن الله رمى)،  إنه الفتح المبين الذي لا يهب إكليله الباهض إلا لمن اختاروا الله ورسوله والدار الآخرة، وقد كان السلطان محمد الفاتحأحد هؤلاء المصطفين.

وسنسرد في مسك الختام هذه الجزئية العجيبة ذات الدلالة والمغزى الرباني العميق لتستبين لي ولك قارئي ولكل السالكين في مدارج الصلاح والإصلاح سبيل المفلحين، فعلى مشارف فتح المدينة عقد السلطان محمد الفاتح اجتماعا ضم مستشاريه ورجال دولته وعسكره،  للتباحث معهم بشأن الاستيلاء على المدينة،. وموطن العجب في اجتماع عسكري روتيني يعقد على هامش كل المعارك والحروب، نقول إن موطن العجب في الاجتماع إياه، هو استدعاء السلطان لثلة من الشيوخ وعلماء الدين لحضور هذا الاجتماع والأجمل أن نزل بعد كل مشاوراته معهم ومع قادته العسكريين عند رأي علماء الدين !..

يقول ” الصلابي ” إن الفاتح حين سأل الشيخ آق شمس الدين والمولى الكوراني عن رأيهما في استئناف الحرب أو التقهقر، قالا  بالحرف : “يجب الاستمرار في الحرب و بالغاية الصمدانية سيكون لنا النصر المظفر”، وابتهج السلطان الفاتحواستبشر بدعاء الشيخين بالنصر والظفر، ولم يملك نفسه من القول : “من كان من أجدادي في مثل قوتي”(ص 130 نفس المرجع).

فهل حال البارحة كحال اليوم،  وهل يجرؤ رجال ونساء الدين حتى على الهمهمة في شؤون الأمة العليا، وأقزام الأعداء في تربصهم بهم  بالوكالة،  أشد مضاضة من بعض الحكام أنفسهم، وهل يجرؤون على الترويج لخطاب (النصر من عند الله)  دون أن يوصموا بالتخريف واستبلاد العباد بالغيبيات البائدة؟!..

ومع ذلك، فما ضر النجوم كــرالغيوم !!،  والنصر حتما من عند الله سبحانه أحب من أحب وكره من كره  باعتماد الأسباب الدنيوية، طبعا، وتعبيدها لربها،  وتلك كانت سيرة وسريرة السلطان محمد الفاتح التي سنتوقف عند بعض من أنوارها،  بإذن الله في حلقة مقبلة يكون فيها عيد المسلمين، عيد الأضحى المبارك،عيدا لإحياء القلوب لاسترجاع أزمنة العزة، وما ذلك إن استيقضت القلوب ثم الهمم على الله بعزيز.

وصدق من قال : (النجاح سلالم لا تستطيع أن ترتقيها ويداك في جيبك).

وعيد عزيز مبارك أحبتي القراء.

ذة. فوزية حجبي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *