جنازة من نوع آخر!!


راكم كتبه، دفاتره وريشته، شواهده… وراكم معها سنوات حبلى بالانتفاضات، بالجد والمثابرة، سنوات من السهر والتعب، وأطفأ معها شموع الأمل، تخلص من أحلامه الوردية، من فروسيته، قتل الحلم وتبعثرت الأوراق… وصار يلملم الجراح… وعويل الليالي الطويلة، وسكاكين الزمن الحادة، وأسدل الستارة.

أين إذن وعود عاش لأجلها، أين إذن سنوات من العمر قضاها بين أحضان كتبه، أذبل الحصاد؟ أم أن السنوات العجاف أتت على كل حصاده، فضاع الحلم  وذبل، ليستفيق على الواقع المر، كانت في البدء أضواء المدينة ضئيلة ويوما بعد يوم تلاشت، ليتلاشى معها حلمه الوردي السندسي.

فإذا به لما صار شابا، تنتحر الأشواق، تتكسر مرآته، تصفعه الحياة بصفعاتها، وتترك على جسده الواهن ندباتها الغائرة.

فأين هي الأبواب التي سمع عنها، أين رحلت؟ أم تراها، ركبت إحدى القوارب هي الأخرى وفضلت ضفة تجود على ضفة شحيحة.

هل هي كذلك تاهت في زخم التناقضات وانصهرت في مجتمع آخر؟؟

هو دائما عاش لأجل تحقيق حلمه، في أن يصبح دكتورا يعالج أبناء مدينته الصغيرة، وما بين الحلم والواقع ضاع الحلم، اليوم وبعد مرور سنوات على تخرجه يجلس سجين غرفته وفنجان القهوة المر يحرق شرايين قلبه يقتله في صمت، يأهى على ما تبقى من بهاء الوجه، وهو بين اغتيال المطرقة والسندان، قدماه لم تعد تقويان على حمل جثته التي أنهكها الانتظار، انتظار قطار مر محاذيا لكنه لم يجرؤ على طرق بابه، بل مر دونما توقف.. تتكرر الليالي الحزينة، وتتوالى النكبات، تعلو وجهه التجاعيد وتتغير ملامحه، إنه الزمن يسرق أيامه دونما استئذان، ينخر جسده دونما رحمة، يغتال حلمه دونما رأفة.

وفي غمرة الصراع اليومي، وتعاقب اللكمات، ينهزم، يشعر بالإحباط، يترهل جسمه، تتغير نبرة صوته التي تعبت من كثرة السؤال وطرق الأبواب.

“مسروق” في الخامسة والعشرينمن عمره، شاب يعيش مأساة جل الشباب المعطل، هو لا يطلب الكثير، من حقه إذن الشعور بأنه موجود ما دام يفكر، أكثير في حقه أن يشعر بكينونته؟، أم الكينونة تضيع في زمن الأقوياء، أم أن مقولة “أنا موجود، إذن أنا أفكر” استبدلت بكلمة : “أنت تفكر إذن أنت ملغى”، هو يستغرب هذا الإقصاء، أم أن الإقصاء أصبح  هو الغالب.

أي نعم، ستة عشر  سنة قبرت، وقبر معها “مسروق”، لينضم إلى  قافلة طوابير الانتظار والركل، الأبواب إذن أوصدت، السماء لم تعد زرقاء تلبدت بغيوم الشجن، الشوارع اكتست بأجساد بشرية، آه والمقاهي.. في المقاهي حشد من شباب يانع ينتظر، يجلس في كراسيها وكأنه سمر فيها إلى أبد الآبدين، النظرات الواجمة، لا تسألني صديقي عن الأعداد، فالأعداد كثيرة، لا أستطيع إحصاءها، ولا تسألني أيضا لما كثرة المقاهي؟ فهي كما تعلم طوابير انتظار من نوع آخر وذو صبغة خاصة ومتفردة، انتظار غد قد يأتي بجديد وقد لا ياتي مطلقا، شباب أرهقه الانتظار، نخر أضلعه وخرب اليأس أدمغته.

وأخيرا انضم “مسروق” إلى “الطوابير” مسروق الذي ما ظن يوما أنه سيرتاد “مقهى”، أو يطرق باب إدارة أو مشغل، ويحتشد مع حشد من الجماهير التي تطالب بتوفير “لقمة”، ثمن كوب ماء، دريهمات، يجد نفسه مرغما على ولوج المعترك الجديد.

يوما بعد يوم تشتد وطأة الأزمة، ويسافر “مسروق” عبر نفقها المظلم، رغم انفه، ويدخل دوامة التساؤلات والتشاؤم، فلم يعد يفكر إلا في انتشال نفسه من دائرة دخلها دون رضاه، “مسروق” لم يعد يقوى  على المزيد من الصبر، من حقه إذن أن يشق طريقا آخر وأي طريق، طريق يعتبره الكثير من أمثاله الخلاص،هو طوق نجاة لكل غريق، فهل حقا هو كذلك؟ من حقه التعبير عن حنقه كثر الحديث عن” الكنوز”، عن الأموال الطائلة وعن الحياة المترفة، كثر الحديث عن المرآة الساحرة، عن البلاد التي تمنح طارق أبوابها كل الدفء والحب.

وكثر الحديث عن مناجمها التي لا ينضب ما بها من أموال، المال أصل المشاكل، ونهاية المشاكل… كما يعتبره البعض، كيف إذن السبيل لجني المال؟ ما هي أيسر الطرق لتحصيله وهل هنالك من منفذ إليه؟

في (قهوة) مدينته التي أصبح “مسروق” دائم التردد عليها، مقهى تعج بخلق الله، ولا سيما بالفئة الشابة المضطهدة، على منضدة هذه المقهى  التي تعرف باسم “مقهى الشعب”، سيتعرف مسروق على زمرة من الأصدقاء الذين تجمعهم نفس الهموم وتربطهم نفس المشاغل،قذفتهم زوابع الحياة إلى نفس المصير، أضحى “مسروق” على موعد يومي مع الرفاق الجدد، أو رفاق “المحاين”، كما يحبذ تسمياتهم، تتوطد العلاقة بينهم.. وينصهرون كأنهم ذات واحدة، ليصبح “مسروق” من رواد هذا المقهى، يقصدها لقضاء أوقات طويلة رفقة الزملاء، يتبادلون فيها الأحاديث ويرتشفون القهوة السوداء، ويدخنون السجائر للتنفيس عن حنقهم وكظمهم، السجائر التي يتناوبون على استنشاقها وكأنها “مورفين نسيان”، وياليتها كذلك، سجائر تطمي الهم أكثر فأكثر.. البطالة، والدريهمات التي لا تكفي حتى لسد الرمق، هذا إن توفرت، فالقليل من يحصلها بلجوئه إلى بعض الأعمال البسيطة، متناسيا لوضعه وضاغطا على نفسه التي أصبحت لكثرة طرق الأبواب والانتظار في الطوابير لا تأبه لكثير من الأشياء.

فالأمر صار سيان، الموت أو اللاموت سيان.. فعلى كل حال هنالك من الأحياء من هم في عداد الأموات، وكثيرة هي الجنازات، لا داعي لسردها “مسروق” صار يعتبر نفسه ومن معه “جنازة أحياء”، ومع تكرار اللقاءات في مقهى الشعب، واستمرار الوضع على ما هو عليه، سيفكر “مسروق” ومن معه في وضع نهاية للمأساة وأية نهاية.

في يوم  من أيام الصيف وكعادته في الأيام الخوالي هو على موعد مع “رفاق المحاين”، بادر وعلى غير عادته الحديث قائلا : “أصدقائي الأبواب جميعها أقفلت في وجوهنا، لم يعد لنا من خيار سوى  الهجرة، ركوب الموج، وقوارب الموت، ليردوا عليه : “محق أنت لا داعي لهروبنا من الواقع، فحتى الصخر يئن من كثرة الاوجاع، والأفواه الجائعة لا تنتظر.. انتظرنا  ما فيه الكفاية، فلنحسم الموضوع، ونستريح، لاطالما حلمنا بشتى  الأشياء، ويستمر في تعدادها.

فيا تراكم؟ صديقنا “مسروق” اختار الحسم الصحيح، أم أنه “كإيزيس والصخرة”، الذي كلما وصل بالحجارة إلى نصف المسافة التي حكموا عليه بها إلا وتدحرج من جديد إلى نقطة البدء، فهل سيصل “مسروق”، وهل سترحل الجنازة عن شبابنا يوما؟؟؟

سعيدة الرغوي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *