المذهب المالكي وتطوره بسنة التجديد


قام مذهب الإمام مالك على كتابين :

الكتاب الأول : الموطأ وهوكتاب به من الأحاديث: 822، ومن آثار الصحابة: 613، ومن آثار التابعين: 235 (1)؛ فهوكتاب حديث وفقه، على غرار مجموع الإمام زيد الذي هوأساس مذهب الزيدية.

ألفه الإمام مالك للإجابة على تحد كان مطروحا على الساحة الإسلامية، هواختلاف الأحكام والفتاوى بين عواصم العالم الإسلامي، وخاصة بين البصرة والكوفة، وما إليهما، نظرا لقلة المرويِّ من السنة الذي أدىإلى  اختلال منهجية التشريع، ونظرا لكثرة الفرق العقدية والسياسية بالعراق، مما دعا بعض المثقفين، كعبد الله ابن المقفع، أن يرفعوا ملتمسا إلى الملك أبي جعفر المنصور العباسي، لتصحيح الخلل، وللعمل على توحيد التشريع، بجمع الآراء الفقهية مع أدلتها لدى كل فريق، ليختار من بينها الأقوى دليلا، فتتم رقابة الفقه بالشرع، ويصدر ذلك في مدونة رسمية، تلزم الجميع في القضاء والفتوى؛ لأن التأصيل في الكتاب والسنة يرفع الخلاف، أويخفض حجمه على الأقل: {أفلا يتدبرون القرآن ولوكان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا}(النساء : 81).

قال عبد الله بن المقفع في ملتمسه:  ومما ينظر أمير المؤمنين فيه بهذه الأقضية والسير المختلفة، فترفع إليه في كتاب، ويرفع معها ما يحتج به كل قوم من سنة، أوقياس، ثم نظر في ذلك أمير المؤمنين، وأمضى في كل قضية رأيه الذي يلهمه الله، ويعزم عليه عزما، وينهي عن القضاء بخلافه وكتب بذلك كتابا جامعا، لرجونا أن يجعل الله هذه الأحكام المختلطة الصواب بالخطأ، حكما واحدا صوابا.

وطلب أبوجعفر المنصور من الإمام مالك أن يؤلف كتابا جامعا يكون مدونة رسمية لعالم الإسلام، قال أبوجعفر المنصور للإمام مالك : “اجعل العلم – يا أبا عبد الله – علما واحدا”(2).

وألف الإمام مالك( الموطأ)، لكنه اعتذر أن يصبح مدونة رسمية عامة للعالم الإسلامي، بحجة أن أغلب سنة رسول الله ، لم يجمع بعد، وهي موزعة في الأقاليم الإسلامية، حسب المناطق التي اختار عدد من الصحابة، رضي الله عنهم، الإقامة بها؛ قال الإمام مالك لأبي جعفر المنصور: “يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وعملوا به، من اختلاف أصحاب رسول الله، (3).

ولقد اتفق الجميع أبوجعفر المنصور والإمام مالك أن يتم التمهيد لتوحيد التشريع بربط الصلات بين فقهاء الأمصار، للإطلاع على مصادر التشريع من السنة النبوية وما يتصل بها، وخاصة بين فقهاء العراق وفقهاء الحجاز؛ فاتصل محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، وروى الموطأ عن الإمام مالك، مقارنا بين فقه الأحناف وفقه مالك؛ ثم زار أبويوسف المدينة المنورة، فأراه مالك أحباس الصحابة، رضي الله عنهم، مما لم يصل الأحناف، فأنكروا لذلك شرعية الوقف، فقال أبويوسف : “قد رجعت، يا أبا عبد الله، ولورأى صاحبي(4) ما رأيت لرجع كما رجعت”(5).

في نفس الوقت عمل الكل على تنشيط حركة جمع السنة النبوية في أقطار العالم الإسلامي حيث سيظهر الإمامان: البخاري ومسلم، وأصحاب السنن أبوداود، وابن ماجة، والترمذي، والنسائي، وأصحاب المسانيد وعلى رأسهم الإمام أحمد الذي سجل مسنده لوحده، 27.647 حديث؛ وذلك لتوفير وسائل رقابة الفقه بالشرع؛ حتى يتم الانسجام مع الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

الكتاب الثاني : المدونة(6)، وهي مجموعة مسائل وأجوبتها، كان جمعها دون دليل من الكتب والسنة، أسد بن الفرات(7)، على مذهب الأحناف ثم تحول بها إلى المذهب المالكي، فسمع أجوبتها من جديد، من عبد الرحمن بن القاسم(8). بعد وفاة الإمام مالك؛ فجاء بها أسد إلى بلده تونس، فنسخها منه عبد السلام سحنون، وعاد هذا الأخير إلىعبد الرحمن بن القاسم، فسمع أجوبتها منه مرة ثانية، فتراجع عبد الرحمن بن القاسم عن كثير مما كان أجاب به أسد بن الفرات؛ ولما عاد سحنون بالمدونة إلى تونس، صحب معه كتابا من عبد الرحمن بن القاسم، إلى أسد يقول فيه : ” أن أصلح كتبك على ما في كتب سحنون”(9).

يقول الإمام بن رشد (الجد) عن المدونة، التي تضم ”  36 ” ألف  مسألة : “حصلت أصل علم المالكيين، وهي مقدمة على غيرها من الدواوين بعد موطأ الإمام مالك، ويروى: أنه ما بعد كتاب الله كتاب أصح من موطأ مالك، رحمه الله؛ ولا بعد الموطأ ديوان في الفقه أفيد من المدونة؛ والمدونة عند أهل الفقه ككتاب سيبويه عند أهل النحو،…وموضعها من الفقه هوموضع أم القرآن من الصلاة، تجزئ عن غيرها ولا يجزئ غيرها عنها(10).

كان للعلماء في تونس مؤاخذات على المدونة، منها:أنها مسائل مجردة عن التأصيل، قائمة على منهج (التقليد) الذي يقوم على أخذ الحكم عنالإمام مالك وأصحابه دون دليله: فقالوا لمن جاء بها ” جئتنا بأخال وأظن، وأحسب وتركت الآثار وما عليه السلف(11)؛ فكان من ذلك أن أعاد سحنون النظر فيها من جديد، فهذبها وبوبها، وألحق فيها من خلاف كبار أصحاب مالك، ما اختار ذكره، وذيل أبوابها بالحديث، والآثار إلا كتبا منها مفرقة، بقيت على أصل اختلاطها”(12).

ورغم أن المدونة صارت أصل المذهب المرجح  روايتها على غيرها عند المغاربة، وإياها اختصر مختصروهم، وشرح شارحوهم وبها مناظرتهم، ومذاكرتهم”، كما يقول القاضي عياض(13)، فإن أحد الفقهاء المحدثين أحرقها في تونس، وهوعباس الفارسي(14)، لأنها  كتاب به مسائل تخالف سنة رسول الله، .

لقد نشأ عن ( الموطأ) رغم الحجم الصغير للحديث فيه، فقه الكتاب والسنة، الذي يتشبث بمنهج السلف الصالح في التشريع، بالتأصيل، والتدليل على القواعد والاحكام، ونشأ عن (المدونة) فقه المسائل الذي يتخذ منهج (التقليد) دون اهتمام  بالتأصيل، أوبمنهج السلف، وكانت العلاقة بين النوعين من الفقه تكاملا في المرحلة الأولى؛ لكن سرعان ما غلب اتجاه فقه المسائل، فأفلت الفقه، بنسب متفاوتة، من رقابة الشرع، وخاصة على عهد المرابطين، في المغرب والأندلس معا؛  حيث وجد من يجاهر بمعاداة السنة النبوية، ويحارب أهلها، وقد قال أصبغ(15) بن خليل: لأن يكون في تابوتي رأس خنزير، أحب إليَّ من أن يكون فيه مسند ابن أبي شيبة(16)؛ وذلك رغم أن اتجاه التأصيل لم ينقطع من المغرب العربي ومن الأندلس لهذه الفقرات؛ فقد وجد ابن أبي زيد القيرواني(17)، وابن عبد البر القرطبي(18)، وأبوالوليد الباجي(19)، واللخمي(20)، والمازري(21) والقاضي عياض(22) ؛ يقول القاضي ابن العربي عن غياب منهج الإمام مالك، وسيطرة منهج التقليد الذي لا يلتفت إلى الدليل من الكتاب والسنة: ” عطفنا عنان القول على مصائب نزلت بالعلماء، في طريق الفتوى ، لما كثرت البدع وتعاطت المبتدعة منصب الفقهاء، وتعلقت أطماع الجهال به، فنالوه بفساد الزمان، ونفوذ وعد الصادق ، في قوله: اتخذ الناس رؤساء جهالا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا؛ وبقيت الحال هكذا، فماتت العلوم إلا عند آحاد الناس، واستمرت القرون على موت العلم، وظهور الجهل، وذلك بقدر الله تعالى، وجعل الخلف، منهم يتبع السلف، حتى آلت الحال إلى ألاّ ينظر في قول مالك، وكبار أصحابه، ويقال: قد قال في هذه المسالة أهل قرطبة، وأهل طلمنكة، وأهل طليطلة، وصار الصبي إذا عقل، وسلكوا به أمثل طريق لهم علموه كتاب الله، ثم نقلوه إلى الأدب، ثم إلى موطأ مالك، ثم إلى المدونة، ثم إلى وثائق ابن العطار، ثم يختمون له بأحكام ابن سهل؛ ثم يقال له: قال فلان الطليطلي، وفلان المجريطي، وابن مغيث(23)، لا أغاث الله ثراه ! فيرجع القهقري؛ ولايزال يمشي إلى وراء ولولا أن الله مَنَّ بطائفة تفرقت فيديار العلم وجاءت بلباب منه، كالقاضي أبي الوليد الباجي، وأبي محمد الأصيلي(24)، فرشوا من ماء العلم على هذه القلوب الميتة، لكان الدين قد ذهب(25).

د. محمد الحبيب التجكاني

————————

1- مالك – أبوزهرة، ص: 192، نقلا عن أبي بكر الأبهري الذي يقارن في بغداد بعبد السلام سحنون التونسي، في خدمة المذهب المالكي ونشره، توفي ببغداد سنة 395.

2- المجموعة الكاملة لمؤلفات عبد الله بن المقفع، ص: 206- 208.

3- ترتيب المدارك، ج2، ص:72.

4- يعني أبا حنيفة رحمه الله.

5- مجموع فتاوى ابن تيمية، ج 20، ص: 307.

6- طبعت المدونة بمصر في 6 مجلدات ضخام، يزيد كل واحد منها عن خمس مائة صفحة.

7- هوأسد بن الفرات النيسابوري الأصل، التونسي الدار، كان قديما بتونس على عهد الأغالبة وراس جيش فتح صقلية، فمات بها شهيدا، سنة 213هـ، وهويحاصر مدينة سرقوسة.

8- هوعبد الرحمن بن القاسم العتقي المصري صحب مالكا 20 سنة أخرجله النسائي والبخاري توفي بمصر 191هـ.

9- مالك -أبوزهرة – ص: 209، 210، ومقدمات بن رشد، ص: 28، وسحنون هوعبد السلام بن سحنون التنوخي، قدم أبوه في جيش إلى القيروان فعمل سحنون قاضيا لبني الأغلب المستقلين عن الخلافة العباسية، وكان لا يولي القضاء إلا مالكيا، ولا يقبل فتوى إلا على المذهب المالكي، توفي سنة 240هـ.

10- مقدمة بن رشد، ص: 27، توفي ابن رشد الجد سنة 520 بقرطبة.

11- ترتيب المدارك، ج3، ص: 298.

12- نفسه 299.

13- نفسه.

14- هوعباس ابن أبي الوليد الفارسي الحافظ، المحدث، رحل مع أسد ابن الفرات إلى الإمام مالك، وسمع في رحلته الكثير من المحدثين، لكن أسد بن الفرات القاضي جلده لما احرق المدونة، ولما لامه الأصدقاء قال: إنه بجلده أنقده من الإعدام الذي كان ينويه الأمير بتونس (شجرة النور الزكية ص: 62).

15- أبوالقاسم القرطبي فقيه، حافظ للمذهب متعصب له، توفي سنة 273هـ.

16- ترتيب المدارك ج،4 ص: 252،251.

17- هوأبومحمد عبد الله بن أبي زيد، عده الحجوي من مجددي القرن الرابع الهجري، كان يلقب بمالك الصغير توفي سنة 386هـ، الفكر السامي ج3، ص: 116.

18- فقيه قرطبة جمع بين الفقه والحديث، له شرح (التمهيد) على موطأ مالك توفي سنة 463هـ.

19- هوالقاضي أبوالوليد سليمان الباجي فقيه ومحدث، شرح الموطأ، وأكثر نسخ الإمام البخاري بالمغرب إما رواية الباجي عن أبي ذر الهروي، وإما رواية أبي علي الصدفي، ناظر ابن حزم فقال ابن حزم عنه: لولم يكن للمالكية إلا عبد الوهاب والباجي لكفاهم. توفي سنة 474هـ.

20- هوأبوالحسن علي ابن محمد الربعي، أصله من القيروان، ولد بسفاقس، حيث توفي سنة 478هـ. ويعتبر من المجددين في المذهب المالكي؛ فهوفقيه ومحدث.

21- هومحمد بن علي بن عمر التميمي المازري نسبة إلى مايزر بجزيرة صقلية، على ساحل البحر، ولد بالمهدية، وسكن بها، وتوفي بها سنة 536هـ، اشتهر بكتاب (المعلم) في شرح مسلم، الذي أتمه القاضي عياض بكتابه (إكمال المعلم).

22- هوأبوالفضل عياض بن موسى اليحصبي نسبة إلى يحصب قبيلة من حمير سكن ابوه سبتة، قادما من الأندلس، اتم شرح المازري لمسلم، وله عدة كتب أخرى، توفي في مراكش سنة 544هـ.

23- هومحمد ابن محمد بن مغيث الصدفي، من أهل طليطلة فقيه مالكي متعصب، توفي سنة 444هـ.

24- هوعبد الله ابن إبراهيم ابن محمد الأموي، الأصيلي نسبة إلى مدينة أصيلة غرب مدينة طنجة فقيه محدث رحل إلى المشرق وظل به (13سنة) سمع فيها محدثين وسمعوا منه، حتى قال عنه الدارقطني: حدثني أبومحمد الأصيلي ولم أر مثله عاش مدة في قرطبة، وكان على علاقة بالمنصور ابن أبي عامر، فقر به واجر عليه من الرزق ما يكفيه وظل بقرطبة حتى توفي سنة 392هـ.

25- الفكر السامي- الحجوي، ج4، ص: 177،176، نقلا عن كتاب ابن العربي (القواصم من العواصم)، وابن العربي هوأبوبكر بن عبد الله الشهير بابن العربي المعافري، من أهل إشبيلية ذهب إلى بغداد في سفارة ليوسف ابن تاشفين إلى الخليفة العباسي يعلن له بيعة المرابطين بالمغرب للخليفة، وهوفقيه محدث شرح سنن الترمذي بكتابه ( عارضة الأحوذي) توفي بفاس سنة 543هـ.

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *