الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة


هذه هي الجائزة التي أعدها الله عز وجل لعباده المخلصين، والتي أعلن عنها الرسول الكريم في الحديث الشريف بقوله: >العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة<(1). وإن هذه الجائزة في مستوى عبادة كالحج بما يتضمنه من قيم روحية حكيمة وحكم بالغة وأخلاقيات جمة، وعبادة سنوية لمن استطاع إليها سبيلا ؛ كباقي العبادات لها أهداف وشروط وأركان وواجبات، كما لها مبطلات ومفسدات… فالحج ركن عظيم في الدين هدفه تزكية النفوس وترشيد العقول وتثبيت القلوب تقربا إلى الله عز وجل وتنبيها على الدار الآخرة.

وإن التزام الحاج بهذه العبادة وأدائها على الوجه الأكمل والصحيح، وعلى النحو الذي أداه سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، و بالكيفية التي سار عليها الصحابة والتابعون رضوان الله عليهم  هو الأمر اللازم والمتوخى من هذه الزيارة المقدسة، وهو الحج المبرور الذي يكون جزاؤه الجنة : {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}(البقرة : 112)، وإن الجنة لا تفتح لمجرد الرحلة الروتينية لأداء المناسك، أو تحين الفرصة لقضاء بعض المصالح الخاصة… وإنما الحج هجرة وجهاد ونية، وعبادة خاصة ومعاملة حسنة، وأخلاقيات كله ؛ فهو هجرة المسلم إلى الله ورسوله، وجهاد في كل حركاته وسكناته ؛ ففي الطواف جهاد، وفي رمي الجمرات جهاد، وفي الوقوف جهاد، وفي كبح جماح الشهوات والملذات جهاد، بل هو أفضل الجهاد ؛ فقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت :> يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال : لا، لكن أفضل الجهاد حج مبرور<(2).

والحج نية ؛ ولا عمل لمن لا نية له، وهو نية في التجرد لله سبحانه وتعالى وإخلاص العمل له وحده لا شريك له، ونية في تمييز الحج عن الرحلة السياحية، ونية في التوبة الخالصة من كل الذنوب والمعاصي بالمفهوم الواسع للحج المبرور- العبادة – ، وعلى الرأي الذي رآه الإمام الغزالي رحمه الله على أنه الحج الذي لم يتعقبه معصية(3)، والذي خالف به جمهور الفقهاء بأنه الحج الذي لا رفث فيه ولا فسوق ولا جدال إرفاقا بالعباد وعملا بظاهر الآية الكريمة : {فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج}(البقرة : 197).

والحج عبادة خالصة في حدود الاستطاعة المالية والبدنية، وقد وردت مقرونة بالإيمان بالله ورسوله، فعن أبي هريرة ] قال : >سئل رسول الله  أي الأعمال أفضل، فقال : إيمان بالله ورسوله، قيل :ثم ماذا؟ قال: جهاد في سبيل الله، قيل : ثم ماذا؟ قال : حج مبرور<(4).

والحج معاملة حسنة، والمعاملة تتجلى في الصدق والإخلاص وكرم الأخلاق، وحسن المعاشرة، وأمن الرفقة، فلا جدال ولا شقاق ولا نفاق في التعامل بين الحجيج. والمعاملة الحسنة تتجلى في الاحترام ؛ احترام المكان المقدس، واحترام أهل البقاع المقدسة، ومن قصد غير ذلك فله نذير من الله عز وجل: {ومن يرد فيه بإلحاد وبظلم نذقه من عذاب أليم}(الحج : 25) ومن يعظم حرمات الله ويحترمها سيجد الخير عند الله : {ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه}(الحج : 30)، فالمكان حرم  >والمدينة حرم ما بين عائر إلى كذا، من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صَرْفٌ ولا عَدْلٌ…<(5).

والحج أخلاقيات كله، وتربية أخلاقية ؛ ففيه يتخلى الحاج عن العادات السيئة والصفات المذمومة والتصرفات المنكرة  والمعاملات غير المشروعة، وهي فرصة أخرى يمنحها الله عز وجل لعباده لبدء حياة جديدة ينبذ فيها كل الأفعال المشينة والذنوب والمعاصي والآثام..: >من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه<(6). فهل تكون البداية بداية للطهر والنقاء والابتعاد عن الكبائر واتقاء الصغائر والتوبة الخالصة، أم مجرد تكفير عن الذنوب الفائتة فقط؟.

فليكن حجكم مبرورا وسعيكم مشكورا، ونسأل الله ألا يكون هناك أي مفسد داع إلى القضاء على الفور في قابل ولا في ثالثه، فالقابل قد يصبح عسيرا خصوصا إذا ما تم تطبيق نظام منح الفرصة على أساس أن من حج هذه السنة فلا حق له في تكرار الزيارة إلا بعد مرور خمس سنوات !

وإنما الأعمال بانيات وإنما لكل امرئ ما نوى.

ذة.نجية أقجوج

———————–

1  – أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب : وجوب العمرة وفضلها، رقم 1650.

– وأخرجه مسلم، كتاب الحج، باب : فضل الحج والعمرة ويوم عرفة، رقم 2403.

2 –  أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب : فضل الحج المبرور، رقم : 1423.

3  – إحياء علوم الدين، 1/ 261.

4 – أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب : فضل الحج المبرور، رقم : 1422.

5  – متفق عليه وبهذا اللفظ أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب : حرم المدينة، رقم 1737.

6 – أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب : فضل الحج المبرور، رقم 1424.

– وأخرجه مسلم، كتاب الحج، باب : فضل الحج والعمرة ويوم عرفة، رقم 2404.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *