الإسلام وداء السيدا


(أسبابا… ووقاية وعلاجا.. ومسؤولية)

تقديم  :  كانت بداية هذا الشهر -ككل سنة- مناسبة لإثارة موضع السيدا عبر استنفار كبير لوسائل الإعلام بمختلف أنواعها ومذاهبها.

ولم يكن المغرب بمنأى عن الانتشار الخطير الذي يعرفه هذا الداء خاصة مع انتشار أسبابه بشكل مذهل جعل المراقبين يدقون ناقوس الخطر الذي أصبح يشكله هذا الداء على الشبكة الاجتماعية والصحية في المغرب.

ولقد تعددت المقاربات لأسباب هذا الداء الفتاك والتي في مجملها تستبعد البعد التربوي والديني ولعل حملة سيداكسيون التي قامت بها قناة 2M بتنسيق مع مجموعة من الجمعيات خير دليل على ذلك، رغم أن الإحصائيات تؤكد على أن 70% من الحالات بسبب الممارسة الجنسية الحرام، بالإضافة إلى الممارسات الجنسية الشاذة والمخدرات.

وفي هذه المقالة يقدم الكاتب (الرؤية الغائبة) أو المغيبة من جل ا لمقاربات التي أطلعنا عليها من خلال وسائل إعلامنا التي  تتحدث عن الداء و كأنها تخاطب الإنسان الغربي لغة ومرجعاً                              > التحرير

إن مرض (الإيدز) أو (السيدا) أو (فقدان المناعة) من الأمراض التي لم تعرفها الإنسانية إلا مؤخراً، في ظل الحضارة المعاصرة، ومع ذلك فإننا نجد في نصوص الشريعة الإسلامية -من قرآن وسنة- ما يشير إلى الأسباب المؤدية إليه، وإلى الوسائل الواقية من الإصابة به، وإلى الطريقة المثلى لمحاصرته والقضاء عليه.. وهذه النقط هي ما أوضحه في هذه المقالة.. لنلمس عن كثب مسؤولية كلّ من الأفراد والدولة في مكافحةِ هذا الداء الوبيل.

أولا : أسباب مرض السيدا

تكاد تجمع أقوال العلماء على أن الأسباب الأساسية لمرض السيدا هي : الزنى واللواط، وتعاطي المخدرات..

وهذه هي نفس الأمور التي نجد النصوص الشرعية تشير إليها كأسباب لهذا المرض :

فالله تعالى يحرم الزنى فيقول عنه : {إنه كانفاحشة ومقتا وساء سبيلا}(النساء : 22) لأنه سبيل إلى الإصابة بالأوجاع والأمراض المعدية المؤدية إلى الموت كما يؤخذ من عدة أحاديث نبوية منها :

– قول النبي  : >لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم<.

– وقوله  : >وما ظهرت الفاحشة في قوم إلا سلط الله عليهم الموتَ<.

ولقد قص علينا القرآن الكريم ما أصاب قوم لوط عليه السلام عندما أبوا أن يُقلعوا عما انتشر فيهم من شذوذ جنسي قال : {ولُوطا إذ قال لقومه أتَاتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين، إنكم لتاتُون الرجالَ شهوةً من دُونِ النّساء، بل أنْتُم قومٌ مُسرفون، وما كان جوابَ قومِه إلا أن قالُوا أخرجُوهم من قريتكم إنهم أناسٌ يتطهّرون، فأنجيناه وأهلَه إلا امرأته كانت من الغابرين، وأمطرْنا عليهِمْ مطراً، فانظرْ كيفَ كان عاقبةُ المجرمِين}(الأعراف : 80- 84)،وقد كان المطرُ الذي أُصيبوا به عبارةً عن حجارةٍ من سجّيل منضودٍ كما ورد في سورة هود، إذ قال تعالى : {فلمّا جاءَ أمْرُنا جعلْنا عاليَها سافِلها وأمْطرنا عليهِا حجارةً من سجّيل منضودٍ مسوّمةً عند ربّك وما هِي من الظالمين ببعيد}(هود : 81-82).

أما أنّ إذمان المُخدرات والمفتراتِ سبب في الأمراض الفتاكةِ فيشيرُ إليه الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم عن طارق بن سويدٍ الجعفيّ أنه سأل رسول الله  عن الخمر فنهاهُ عنها، فقال : إنما أصنعُها للدواءِ، فقال  : >إنّه ليسَ بدواءٍ ولكنه داءً< إذ إن كل مخدّر ومفتّر في معنى الخمر من حيث ما يترتّب عليه من أضرار وأمراضٍ فتاكةِ..

ثانيا : الوسائل الواقية

من مرض (السيدا)

وما دام كل من الزنا واللواط وتعاطي المخدرات هي الأسباب الرئيسية لمرض (السيدا) وغيره من الأمراض المعدية، فلا غرو أن نجد الشريعة الإسلامية تعمل على الوقاية من الإصابة بها، بتحريم الزنا والشذوذ الجنسي وتشريع الزواج وتنظيم العلاقة الجنسية، وتحريم المخدرات ضمن تحريمها لكل ما يضر بالصحة.

أ- تحريم الزنى والشذوذ الجنسي :

فكل علاقة جنسية خارج إطار الزوجية تعتبر علاقة غير مشروعة في الشريعة الإسلامية-، وهي بالإضافة إلى ذلك علاقة غير نظيفة ومضرة من الزاوية الصحية الصرفة، حيث كشف الطب الحديث عما تتسبب فيه من أمراض كثيرة ومنها (السيدا).

ومن ثمّ فقد كان كل من الزنى والشذوذ الجنسي محرماً في الشريعة الإسلامية تحريماً قاطعاً، بمقتضَى قوله تعالى : {ولا تَقْربُوا الزِّنَى إنّه كان فاحِشَةً ومقتاً وساءَ سَبِيلا}(الإسراء : 32) بل إن الشريعة الإسلامية قد عملت على استئصاله من المجتمع الإسلامي وذلك بما قررت له من عقوبة قاسية في قوله تعالى : {الزّانية والزانِي فاجلِدُوا كل واحدٍ منهمَا مائةَ جلدةٍ، ولا تأخذكُم بهمَا رأفةٌ في دين الله إنْ كُنتُمتومِنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المومنين}(النور : 2)، وقول النبي  فيما رواه مسلم عن عبادة بن الصامت >خذُوا عنّى خذوا عنّى البكرُ بالبكر جلدُ مائةٍ ونفيُ سنةٍ، والثّيّب بالثيب جلدُ مائة والرجم< وقول النبي  فيما رواه أبو داود والترمذي وغيرُهما عن ابن عباس ] >منْ وجدتُمُوه يعملُ عملَ قوم لوطٍ فاقتلوا الفاعلَ والمفعولَ به<.

ولئن كانتْ هذه العقوبة قاسيةً على الفرد فإنّ فيها وقايةً للمجتمع، -ومصلحته دائماً مقدمةٌ على مصلحة الفردِ في الشريعة الإسلامية- ولذلك نجدُ الإمام الشوكاني يقول : وما أحقّ مرتكب هذه الجريمة ومقترف هذه الرذيلة الذميمة بأنْ يعاقبَ عقوبةً يصير بها عبرةً للمعتبرين، ويعذب تعذيباً يكسِرُ شهوةَ الفسقة المتحرّرين… فحقيقٌ بمنْ أتى بفاحشة قومٍ ما سبقهم بها من أحدٍ من العالمين أن يصْلَى من العقوبة ما يكون في الشّدّة والشناعة مشابهاً لعقوبتهم، وقد خسفَ اللهُ تعالى بهِم واستأصل بذلك العذاب بكرهم وثيّبهم.

ب- تشريع الزواج وتنظيم العلاقة الجنسية:

وفي الوقت الذي حرمت فيه الشريعة الإسلامية الزنى والشذوذ الجنسي وحاولت استئصالهما بما حدت لهما من عقوبة -فإنها شرعت الزواج ونظمت العلاقةالجنسية بين الزوجين بعدة أحكام من شأنها أن تقيهما من أي مرض ينشأ عن هذه العلاقة :

فالزواج مشروع ومرغب فيه بمقتضى آيات قرآنية وأحاديث نبوية كثيرة، منها :

قوله تعالى : {ومنْ آياته أن خلَق لكم من أنْفُسكم أزواجاً لتسكنُوا إليها وجعلَ بيْنكم مودّةً ورحمة، إن في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكرون}(الروم : 21)، {وأنكحُوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم، إن يكونُوا فقراءَ يغنهم الله من فضله والله واسعٌ عليم}(النور : 32)  وقول النبي  فيما رواه مسلم : >الدنيا متاعٌ وخيرُ متاعِها المرأة الصالحة<، وقول النبي  فيما رواه ابنماجة : >ما استفادَ المؤمن بعد تقوَى الله عز وجل خيراً لَهُ من زوجةٍ صالحةٍ : إن أمرَها أطاعتْه وإن نظر إليها سرّتْه وإن أقسم عليهَا أبَرّته وإن غاب عنها نصحتْه في نفسِها ومالِه<.

بل إن فقهاء الشريعةِ الاسلامية قد نصُّوا على أن الزواج يكون واجباً على من قدَر عليه وخَشِي على نفسه الزنى إن تركه، استناداً منهم إلى قول النبي  فيما رواه الجماعة : >يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوّج ُإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له  وجاء<.

قال الإمام القرطبي : (والمستطيع الذي يخاف الضّرر على نفسه ودينه من العزوبة لا يرتفعُ عنه ذلك إلا بالتزوّج لا يختلف في وجوبِ التزوج عليه<.

ولما كان من جملة الأهداف المتوخاة من الزواج إشباع الغريزة الجنسية بطريقةٍ مشروعةٍ فقد نظمت الشريعة الاسلامية هذه العلاقة بين الزوجين ببعضِ الأحكام التي من شأنها أن تقي الزوجين من أي ضررٍ قد يترتّب على هذه العلاقة، ومن ذلك :

1- تحريم مباشرة الزوجة جنسيا زمن الحيض والنفاس :

فلا يحل للزوج أن يمارس العملية الجنسية مع  زوجته في قُبلها إلا في زمنٍ تكون فيه طاهرة متطهرةً بأن ينقطع عنها دمُ النفاس والعادة الشهرية وأن تغتسل اغتسالاً شرعياً يزيلُ عنها آثاره بالمرة… وذلك لما يترتب على مخالفة هذا التوجيه من أضرار صحية جسيمةٍ كشفتْ عن بعضِها العلوم الطبيةُ وأجملها القرآن في كلمة {أذَى} الجامعة وذلك في قوله تعالى : {ويسألُونك عن المحيض قُلْ هو أذَى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربُوهُن حتى يطهرن فإذا تطهْرن فاتُوهُن من حيث أمركم الله، إن الله يحبُّ التوابِين ويحبُّ المتطهرين}(البقرة : 222).

2- تحريم مباشرة الزوجة في دبرها :

فلا يحلُّ للزوج أن يباشر زوجته جنسياً في دبرها، وإنما يباشرُها في قبلها الذي هو محلُّ الحرث وإنجاب الذرية -وإنكان يباحُ لهُ أن يتخذَ الوضعيةَ التي أراد- وذلك استناداً إلى قوله تعالى : {فإذَا تطهّرْن فاتُوهُنّ من حيثُ أمركُم الله إن الله يحبُّ التوابِين ويحبُّ المتطهّرِين نساؤكُم حرثٌ لكم فاتُوا حرثَكُم أنّى شئتُمْ وقدُّموا لأنفسكُم واتّقوا الله واعلموا أنكُم مُلاقُوه وبشّر المومنين}(البقرة : 223).

3- وجوبُ الغسلِ إثر العملية الجنسيّة :

وذلك أنّه بممارسة العملية الجنسية يصبحُ الانسانُ جنباً فيُمنع من أمورٍ منها : ألا تصِحّ له الصلاةُ التي أوجبها الله عليه خمس مراتٍ في اليوم إلا بعد أن يغتسل بالماءِ فيتطهّر طهارةً تامّةً من الجنابة متى ما وجد الماءَ ولم يكُنْ لديْه مانع من استعماله… وإلاّ أُبيحً له التيمُّم بصفةٍ مؤقّتة ليبقى على ذكر للطهارة المائية  وفي كلّ ذلك يقول الحق سبحانه : {فإنْ كُنْتُم جنباً فاطّهّرُوا، وإن كُنْتم مرضى أو علَى سفرٍ أو جاءَ أحَدٌ منكُم من الغائِطِ أو لاَمَسْتُم النّساء فلمْ تَجِدُوا ماءً فتيمّموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منهُ، ما يريد الله ليجعل عليكم من حرجٍ ولكن يريد ليطهركم وليتمّ نعمتَه عليكُم لعلّكم تشكُرُون}(المائدة : 6).

على أننا نجد النبي  يرغبنا في غسلِ يوم الجمعة أيما ترغيبٍ حتى ولو لمْ يكن هناك ما يوجِبه فيقول فيما رواه البخاري ومسلم : >غسلُ يوم الجُمعة واجبٌ على كُل محتلمٍ -أي بالغ-<.

4- المطالبة بالاستبراء وخصال الفطرة :

حيثُ يجب على الانسان أن يغسلَ بالماءِ ما علق بسبيليْه من النجاسةِ إثر البول أو التغوط وأن يحرص على القيام بخصالِ الفطرة.. وهي أُمور كلُّها تؤدِّي إلى تخفيف الجسمِ ممّا من شأنه أن يكون مرتعاً للجراثيم المضرةِ بالصحة… ولا يخفى ما في هذا وذاك من حضّ على نظافة الأعضاء التناسلية ووقايةٍ من الأمراض الجنسيّة…

أخرج البخاري  ومسلم وأصحاب السنن أن النبي  مرّبقبرين فقال : >إنهما يعذّبان وما يعذّبان في كبيرٍ، أما أحدُهُما فكان لا يستنزِه من البول، وأما الآخر فكان يمْشي بالنميمة<. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ] قال : قال النبي  : >الفطرةُ خمسٌ، الختانُ والاستحدادُ -حلقُ شعر الأعضاء التناسلية- وقصُّ الشاربِ وتقليمُ الأظافر ونتف الابِط<.

5- المطالبة بتنظيف الفم والسواك :

وإذا علمنا أن أكثر ما يصيب الجسم من أمراضٍ يأْتي عن طريق الفم وما يصلُ منه إلى المعدةِ من الأطعمةِ.. وأثناء المداعبة الجنسيّة منْ جراثيم فتاكةٍ.. أدركْنا السّر في التوجيهات النبوية الكريمة حيث يستحبُّ للمومن أن يغسل فمه ويديْه قبل الطعام وبعده وأن يداوم على السواك باستمرار، وخاصةً قبل كلّ صلاة.. فقال  >بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده -أي أن يغسل الانسان يديْه وفمَه-< وروى ابن ماجة أنه  قال : >تسوّكُوا فإن السواك مطهرةً للفمِ مرضاةً للربّ ما جاءني جبريل إلا أوصانِي بالسواك حتّى لقدْ خشيتُ أن يفرض على أمْتي<. وروى البخاري عن أبي هريرة قال  : >لولاً أن أشُقّ على أمّتي لأمرتُهم بالسواكِ مع كل صلاةٍ<.

وبعد ذلك فإن المسلم مطالب بتنظيف جسمه، وفي ذلك يقولُ النبي  فيما رواه الطبراني : >طهرُوا هذه الأجساد طهركُم الله< والطهارة مجلبةٌ لمحبة الله بدليل قوله سبحانه : {إنّ الله يحبُّ التوابِين ويحبُّ المتطهرين}(البقرة : 222).

ج- تحريم المخدرات :

أما تحريمُ الشريعة الاسلامية لتعاطي المخدرات فيدخُل في تحريمها كلّ ما مِنْ شأنه أن يُضِرّ بالصحة من الأطعمة والأشربة، وفي القاعدةِ العامةِ التي يقررُها القرآن لكلّ ما هُو محرَّم في الشريعة عندما يقول : {ويُحلُّ لهُم الطيباتِ ويحرّم عليهم الخبائِث}(الأعراف : 157) كما أنها تُلحق بالخمر في التحريم مادامتْ تتوافرُ على نفس المضارّ المنصوص عليها كعلةٍ لتحريمه في قوله سبحانه : {يا أيّها الذين آمنوا إنما الخمرُ والميسر والأزلام رجسٌ من عملِ الشّيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنّما يريدُ الشيطانُ أن يوقِع بينكُم العداوة والبغضاء في الخَمر والميسرِ ويصدّكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهلْ أنتم منتهون}(المائدة : 90).

وإذا كانت الشريعة الاسلامية لم تنصّ على عقوبة محدّدة على تعاطي المخدرات -لا في الكتاب ولا في السنة- كما فرضتها على شاربي الخمر فلأن المخدرات لم تكن موجودةً في عصرِ النبي  ولذلك فإن أيّة عقوبة قد يقترحُها أولياء الأمر لمرتكب هذه الجريمة ويرونَ أنها كفيلةٌ بإقلاعه عن إجرامه.. فإنها تكونُ عقوبةً مقبولةً وداخلةً ضمْن التعازير الشرعية…

ثالثا : الطريقة المثلى لمحاصرة

داء السيدا

وكما اتخذت الشريعة الاسلامية وسائل من شأنها أن تقيَ أفرادَ المجتمع من الإصابة بداءِ (السيدا) فإنها قد رسمَتْ طريقةً مثلى لمحاصرة هذا الدّاء عندَ الإصابةبهِ ومحاولةِ القضاءِ عليه، حيثُ وجهتْ المصابين إلى فرضِ حجر صحيّ على أنفسهِم حتّى لا يكونُوا سَبباً في انتقال المرض منهم إلى غيرهم عن طريق العدوى -مراعاةً لحق مجتمعهم عليهم- كما ألزمت المجتمع بالعمل على مداواتهم بكل ما يستطيع من أدوية مع إحاطتهم بكامل الحدب والعطف والرحمة والشفقة… -مراعاة لحقهم على مجتمعهم-..

1- فرض الحجر الصحي على المصابين :

أما مطالبة الشريعة الإسلامية المصابين بالأمراض المعدية بفرض الحجر الصحي على أنفسهم فتشهد له نصوص شرعية كثيرة، منها : ما أخرجه البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن النبي  قال : >ما من عبد يكون في مكان فيه الطاعون، فيمكث فيه لا يخرج، صابراً محتسباً يعلمُ أنه لا يصيبُه إلاّ ما كتَبه الله له إلا كان له مثل أجر شهيدٍ<.

وروى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد ] أن النبي  قال : >إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها<.

2- إلزام المجتمع بالعمل على مداواة المصابين :

وأما إلزام الشريعة الإسلامية المجتمع -ممثلا في مسؤوليه- بالعمل على مداواة المصابين بالمرض المعدي، فيشهد له أمور عدة منها :

– أن ذلك هو مقتضى القيام بشؤون الرعاية والذي يقول فيه النبي  في الحديث المشهور : >كلّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِه، فالإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيّته…<الحديث.

– وأن ذلك هو مقتضَى الشفقة والرحمةِ المطالبِ بها مجموع الأمة بمقتضى قول النبي  : >ارْحمُوا من في الأرضِ يرحمكم من في السماء<.

– إن اتخاذَ الأسباب العلاجية مطالبٌ به شرعاً بدليل قول النبي  فيما رواه أبو داود من أن النبي  قال : >إن الله أنزَل الدّاء وأنزلَ له الدّواء وجعلَ لكلّ داءٍ دواءً، فتداووْا ولا تتداوَوْا بمحرم<.

ولذلك فإنه علينا ألا نيأس من حال المصابين بالأمراض المعدية حتّى ولو عجَز الطبّ حالياً عن إيجاد علاج لمرضهم، إذْ أنّ العلم في تقدّمٍ مستمر ولا يَأْس من رحمة الله، ولذلك يقول النبي  فيما رواه البخاري ومسلم : >ما أنزل الله عز وجل من داءٍ إلا وأنزل له دواءً، علمه من علمَه وجهلَه من جهله<.

رابعا : مسؤولية كل من الأفراد والدولة في مكافحة داء (السيدا)

ومن خلال كل ما سبق يتبيّن لنا أن مسؤولية مكافحةِ داء (السيدا) كغيره من الأمراض الفتاكة المعدية تقعُ على كاهلِ كلّ من الأفراد والدولة بصفةٍ متضامنةٍ ومتكاملة :

1- فالأفراد عليهم أن يكونوا ذوي ضمائر حية فيمتنعون أو يقلعون عن أسباب الداء، فلا يمارسون الزنى واللواط، ولا يتعاطون المخدرات لا بالتناول ولا بالتداول والاتجار.. وأن يقبلوا على الزواج وتنفيذ سائِر الأحكام والتوجيهات الشرعية المنظمة للعلاقةِ الجنسية الواقية مما قد ينشأ عنها من أمراضٍ مختلفةٍ، كما أنّ على المصابين أن يفرضوا على أنفسهم حجراً صحيّاً بالحرص على عدم انتقالِ العدوى منهم إلى غيرهم بأية وسيلةٍ..

وأما الدولة فهي بالإضافة إلى واجبها في العمل على تربية ضمائر أفراد المجتمع عن طريق التوعية الإسلامية، وتهيئة البيئة التربوية الصالحة.. مسؤولةٌ أيضا عن متابعة أوكارِ الفساد والدعارة وتطبيق العقوبات والتعازير على منْ يثبتُ عليهِم ممارسة الزنى أو الشذوذ الجنسي أو تعاطي الخمور والمخدرات والمساهمة في رواجها، إذْ إنّ الله يزع بالسلطان مالا يزعه بالقرآن..

كما أن على الدولة مراعاةً لحق الأفراد والمجتمع في آنٍ واحد أن تُعنى بالمصابين بالأمراض المعدية ومنها داء السيدا فتغدق عليهم كلّ ما تستطيع من علاجٍ وأدويةٍ ورعايةٍ، وغايةً ما تقدر عليه من حدبِ وعطف ورحمة….

وإذا فالإسلام يجعل المسؤولية في محاربة هذا الداء الوبيل مسؤولية الجميع كل من موقعه وما يقدر عليه… فليقم كل منا بواجبه على قدر استطاعته جاعلا نصب عينيه قول الحق سبحانه : {عليكم أنْفسكم لا يضركُم من ضلّ إذا اهْتَدَىْتُم}(المائدة : 105).

والخلاصة هي أن نصوص الشريعة الإسلامية من كتاب وسنة قد تناولتْ بالإشارة مرض السيدا -أسبابا ووقاية وعلاجا- منذ 15 قرنا مع أن هذا المرض لم تعرفه الإنسانية إلا في ظل حضارتها المعاصرة وأنها قد حمّلت مسؤولية مكافحته لكلّ من الأفرادِ والدولة، مراعية في ذلك جميع حقوق الإنسان سواء باعتباره فردا أو باعتباره مجتمعا ودولة… فإن دل هذا على شيء فإنه يدل على مصداقية نبوة سيدنا محمد ، وتصديقا لقول الله تعالى في محكم كتابه : {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أولم يكفِ بربّك أنه على كل شيء شهيد}(فصلت : 53).

كما يدلّ -من جهة أخرى- على أنّه لا دواءَ للإنسانية مما تعانيه من أدواءٍ في ظلّ حضارتِها المعاصرة إلا بالأوبة إلى رحابِ شريعة الله الخالدةِ، وتطبيق تعاليمها السمحة، وصدق الله العظيم القائلُ في محكم التنزيل : {قدْ جاءَكُم من اللّه نُورٌ وكتابٌ مبينٌ يهدِي به ا لله من اتّبَعَ رضوانَهُ سُبل السلام ويخرجُهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مُستقيم}(المائدة : 15)

أما الإعراض عن كتاب الله وهديه وشريعته فإنه لن يزيد ا لإنسانية إلا شقاءً وأدواءً في هذه الحياة الدنيا قبل الآخرة مصداقاً لقوله تعالى : {فإمّا ياتِينّكم منِّي هدًى فمن اتّبع هداي فلا يضِلّ ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً ونحشُرُه يوم القيامة أعمَى، قال ربّ لِمَ حشرتَنِي أعْمَي وقد كُنتُ بصيراً قال كذلِك أتَتْك آياتُنا فنسيتَها وكذلِك اليومَ تُنْسَى، وكذلك نجزي من أسرف ولم يومِن بآياتِ ربّه، ولعذَابُ الآخرةِ أشَد وأبقى}(طه : 124).

أ.د.محمد يعقوبي خبيزة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *