القرآن والإنسان أية علاقة؟


القرآن والإنسان أية علاقة؟

د. الشاهد البوشيخي

هذا المقال عبارة عن محاضرة أعدها للنشر

ذ. المفضل فلواتي

بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، اللهم افتح لنا أبواب الرحمة وأنطقنا بالحكمة واجعلنا من الراشدين فضلا منك ونعمة، {الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله}، {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا} {الحمد لله الذي له الحمد في الأولى والآخرة}، سبحانك لا إله إلا أنت.

موضوع هذه الكلمة (القرآن والإنسان) وهذا العنوان في ذاته يشعر بوضوح أنه هناك علاقة بين هذا القرآن وهذا الإنسان والذي في البؤرة في هذه الكلمة، هو هذه العلاقة لكن لا يمكن الحديث عن العلاقة بين القرآن والإنسان إلا بعد الحديث عن القرآن وعن الإنسان، فما هو هذا الإنسان؟ و ما هو هذا القرآن؟

الإنسان طين وروح معا

يمكن أن نعرف طبيعة هذا الإنسان ووظيفته من خلال آيات متعددة، وإنما يخبرنا بالحق من خلق هذا الإنسان، فهو العليم الخبير به {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} طبيعة هذا الإنسان أنه مخلوق من طين {وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا ساجدين} {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} فأصلُنا جميعا من الطين، إلا أن هذا الطين نفخ الله فيه من روحه، فتكوَّن هذا الإنسان وصار بهذه النفخة خلقا آخر {ثم أنشأناه خلقا آخر} هذه المرحلة تكون بعد النطفة وبعد العلقة والمضغة المخلَّقة حيث يرسل إليه الملَك فينفخ فيه الروح، بهذه الروح يصير خلقا آخر مخالفا كل المخالفة لأصله الطيني، بهذه النفخة الربانية نصير خلقا آخر، تجتمع جزئياتنا فتكوِّن هذا الجهاز، وخصائص هذا الجهاز، كل ما تعطيه الروح لهذا الجهاز من مظاهر الحياة وخصائص الحياة، وإذن ليس هو طيناً فقط وليس هو من روح فقط، طبيعته مزدوجة وتخلقت من انسجام هذين العنصرين وتركُّبِهما بطريقة خاصة أعطت هذا الإنسان الخصائص التي له.

وظيفة الإنسان : الخلافة

وبسبب هذه الطبيعة الله عز وجل استخلفه في الأرض، قال جل من قائل {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} قبل أن يُخلق آدم حُددت الوظيفة التي له في الأرض، حُدد المكان وحُددت الوظيفة {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم  والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء} فهو الذي جعل لنا هذه الأرض ممهدة تمهيدا لتكون صالحة للاستخلاف، وهو الذي جعل آدم خليفة وجعل ذريته من بعده تتوارث هذه الوظيفة يخلف بعضها بعضا {إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين}.

وطبيعة الخلافة تقتضي أن هناك عهدا وميثاقا في هذه الخلافة تقتضي أن هناك ما تتجلى فيه هذه الخلافة المختصرة في العبادة {وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون} لم أخلقهم لشيء آخر، كل الكائنات خلقت لهذا الإنسان، وهو إنما خلقه الله لعبادة الله سبحانه وتعالى.

كثير من  الأشياء خلقت للنبات،  والنبات خلق للحيوان، والنبات والحيوان والجماد وكل ما في هذا الكون سخر للإنسان وخُلق للإنسان {ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض} {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} الكل في هذا الكون أعد لهذا الإنسان.

هذا يدل على أن موقع هذا الإنسان عند الله كبير وعظيم في هذا الكون، وحسبنا لفظ الخلافة، وأنه خليفة، وأن وظيفته في هذه الخلافة أن يعبد الله {وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون ما أريد فنهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} خلافا لما يشتغلون به ولما يهتمون به ولما يتجهون إليه، كلا ثم كلا، إنما أريدهم لي ولا لغيري، وطلبت منهم أن يعبدوني أنا، لا أن يعبدوا غيري وسخرت لهم غيري ليكون الإنسان متفرغا لعبادتي.

إن الملائكة مكلفة بأمور في نظام هذا الكون العام، بها يتم حفظ نظامه العام، وذلك الكون إنما أعد لتقوم هذه الأرض التي أعدت هي نفسها لتتقبل الإنسان، فالمركزية في هذا الكون المنظور حتى الساعة هي للأرض، والمركزية في هذه الأرض هي للإنسان، فهذا الإنسان ذو طبيعة خاصة، وذو وظيفة خاصة وذو رسالة خاصة، هذا شأنه، فما شأن القرآن.

القرآن روح ونور

يقول الله جل وعلا {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا}ويقول تعالى {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه} سبحانه وتعالى، هذا القرآن أول شيء يجلي طبيعته أنه روح من أمر الله، نفس التعبير الذي عبر به عن الروح التي نعرفها، هو نفس التعبير الذي استعمل في القرآن الكريم {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} {رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق} روح من أمر الله.

خاصية الروح أنها توحِّد الكيان وتحيي الكيان، إنها تمنح كل خصائص الحياة للكيان، فهو روح حين تحل بالإنسان الفرد تجمعُه، وقد قال رسول الله  لشاب جاءه وطلب منه أن يدعو له فدعا له  بأن يموت جميعا، ما معنى الحديث؟ الدنيا أودية متعددة، تذهب بالإنسان الأهواءُ في اتجاهات متعددة، ومن أكرمه الله جمعه في واد واحد، فجعل همه الآخرة، جعل همه رضوانه سبحانه وتعالى، جمعه في واد واحد بعد أن كان مشتتا، الروحُ تجمع كل الإنسان الفرد، تجمع همه في واحد هو رضوان الله >من أصبح وهمه الآخرة كفاه الله ما أهمه من أمر الدين وأمر الآخرة، ومن أصبح وهمه الدنيا وكَلَه الله إلى نفسه ثم لم يدرك من الدنيا إلا ما قدر له< أوكما قال .

وإذا حلت هذه الروح، روح القرآن في جمع من الناس أو في أمة من الناس، صيَّرتهم جسدا واحدا، صيرتهم أمة واحدة، وما صارت هذه الأمة أمة الإسلام خير أمة أخرجت للناس إلا بحلول روح القرآن في أفرادها جميعا وفي كيانها العام الذي ينتظمها في كيان واحد، يجمعها في جسد واحد >مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى< روح القرآن إذا حلت في الفرد أوحلت بالجماعة صيرته وصيرتها كيانا، خلقا جديدا، خلقا آخر، وإن الذي فعلته هذه الأمة في التاريخ، لم تفعله إلا حين حلت في أفرادها روح القرآن، وحلت في مجموعها روح القرآن، فطبيعة هذا القرآن أنه روح من أمر الله تحل في الكيان فتمنحه كل الخصائص التي بها يستطيع ما يستطيع أن يفعله الكيان الحي.

والطبيعة الثانية أنه نور، {جعلناه نورا نهدي به من نشاء} {قد جاءكم من الله نور} {فالذين آمنوا به وعزوره ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه} هو نور، هذه طبيعته، وهو نور الله و{الله نور السماوات والأرض}، {ومن لم يجعل الله له نور فماله من نور}.

وشأن النور أن يعطي الأمان وأن يوضح الصورة وأن يبرز الأشياء على حقيقتها، بواسطة النور نرى الأشياء على حقيقتها بأحجامها الطبيعية وبألوانها الطبيعية، بشكلها الطبيعي، بكل ما يتعلق بها، مع النور يكون الأمن والأمان ومع الظلمة تكون الرهبة ويكون الخوف، مع النور يكون الوضوح، ومع الظلمة يكون الغموض، مع النور تعرف الحقائق، ومع الظلمة تنبهم الحقائق، لا تتضح الصورة.

هذا القرآن نور كاشف، نور للقلوب ونور للعيون ونور  للألسنة ونور للجوارح، ونور للفرد ونور للأسرة ونور للجماعة، نور للأمة، ونور للبشرية إذا اهتدت به، طبيعته : أنه نور له كل الخصائص التي للنور.

هذه الألفاظ التي استعملها القرآن للحديث عن الإنسان أو للحديث عن القرآن من قبيل الألفاظ الجامعة التي يحتاج كل لفظ مفرد منها إلى كلام طويل عريض مفصل ليفقه حق الفقه، ويستوعب ما فيه حق الاستيعاب، ولكن في هذه الكلمة ذات الطبيعة الجامعة التي تتحدث عن الإنسان من حيث هو إنسان، وعن القرآن من حيث هو قرآن، وعن العلاقة بينهما في صورتها العامة الجامعة لا بد من التعويد على استعمال مثل هذه الألفاظ القرآنية الجامعة، فهذان أمران يجليان طبيعة هذا القرآن : إنه روح من أمر الله وأنه نور من الله جل جلاله.

وظيفة القرآن : الهداية

فما وظيفة هذا القرآن؟ إنها باختصار: الهداية، هذه الكلمة الربانية المباركة التي سمعناها قبل قليل {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} هذه الكلمة تحدد وظيفة القرآن الجامعة.

وظيفة هذا القرآن الهداية، ولذلك كان هذا الدعاء الوحيد الذي ندعو الله جل وعلا به كل يوم سبع عشرة مرة من خلال الفاتحة، ندعو إجباريا وإلى الأبد، وإلا لا تصح صلاتنا.

ماذا نطلب من الله في هذا الدعاء الوحيد في سورة الفاتحة؟ نطلب الهداية، ما قبلها مقدمة لها، وما بعدما تفصيل لها، أما الدعاء الوحيد والطلب الوحيد المستمر المتكرر إنما هو شيء واحد وحيد وهُو الهداية، فأين الجواب عن هذا الطلب؟

الجواب في أول سورة البقرة {ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} تطلب الهداية؟! مرحبا، ها هو الكتابُ  أمامك، فهو محض هدى، لكن لمن؟ لمن اتقى، لمن اتبع {يهدي به الله من اتبع} أما الذي لم يتبع، فإنه لم يهتد.

إذا سالت عن الطريق إلى مكان بعينه ووصف لك الطريق بدقة من عليم خبير، رسم لك الطريق بكل التفصيلات، ثم لم تسلك أنت ذلك الرسم وذلك التصميم وذلك البيان، ذلك الهدى، ذلك الإرشاد الذي أرشدت به، وأعرضت عنه وما اتبعته، هل ستصل؟ هل ستهتدي؟ وهل ستصل إلى المقصود؟.

أبدا لن تصل، لم يحصل لك المقصود إلا بالاتباع، إلا بالتقوى {هدى للمتقين}، {شهر رمضان  الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} هذه طبيعته، فيه الدلالة والإرشاد إلى كل الأمور التي فيها نفع العباد آمرا بها داعيا إلى اتباعها، وما هناك من شر إلا ونهانا عنه القرآن وبينه لنا رسول الله .

فهو محض هدى، فهل يمكن التماس الهدى في غيره؟ أبدا {قل إن هدى الله هو الهدى}، فلا هدى في غير القرآن، من طلب الهدى في غيره أضله الله، فلْنفقَهْ هذه الحقيقة الضخمة الواضحة الصريحة الصحيحة الجلية.

وظيفة هذا القرآن الهداية، هل يلتمس الهدى في غيره؟ في أفكار بني آدم؟ في فهوم بني آدام؟ في إديولوجيات  بني آدم؟ أبداً.

هذا القرآن هو الهدى وهو الميزان لكل هدى حتى لو تصورنا أن هناك قدرا -هو موجود طبعا- من هدى العقل  الذي أودعه الله في بني آدم، فإن ذلك لا يمكن الاستفادة منه إلا إذا وُزن بميزان القرآن {قل هل ننبؤكم بالأخسرين أعمالا الذين ظل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا}.

إن هذه الحقيقة على جلائها ووضوحها وتطبيقاتها التاريخية حين عُمل بها أول مرة، كان ذلك الخير العظيم في الكرة الأرضية الذي سرى سريان النور في الأرض شرقاً وغربا، شمالا وجنوبا، ومع ذلك نحن اليوم نجد ضربا من التلجلج، وضربا من الاضطراب وضربا من الضلال، مع أن الحق أبلج والباطل لجلج كما قالت العرب.

هذا عن القرآن.

علاقة الإنسان بالقرآن

فماذا عن علاقة الإنسان بالقرآن؟

أ- العلاقة الأولى : علاقة الروح بالجسد، وعلاقة الطاقة بالآلة :

تلك العلاقة ما أسهل أن نتصورها بعد أن عرفنا طبيعة الإنسان وطبيعة القرآن، وعرفنا الوظيفتين : وظيفة الإنسان ووظيفة القرآن، ومع ذلك أعود إلى  الآيات والأحاديث لتجلية هذه العلاقة أيضا.

حين قال الله  عز وجل {وكذلك أو حينا إليك روحا من أمرنا} جلّى القرآن هذه الحقيقة قائلا {أو من كان ميتا فأحينناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها}.

الانسان بدون القرآن ميت حتى تحل فيه روح القرآن، وبالقرآن يتم إحياء الإنسان.

فأول علاقة هي علاقة الروح بالجسد، وسرُّ ذلك أن هذا الانسان  -كما تقدم- مكون من عنصرين : طين وروح من الله جل وعلا : العنصر الطيني مسيَّر من العنصر الروحي، أي هو الذي يقوده إلى الخير أو يقوده إلى الشر {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} هذه الروح هي التي تقود الإنسان إلى المسجد أو إلى الخمارة، هذه الروح هي التي تزين له الخير أو تزين له الشر، هاته النفس التي بين جنبيه هي التي تدفعه إلى جهة الصلاح أو تدفعه إلى جهة الطلاح.

تلك الروح ما غذاؤها؟

غذاء الطين من الطين، نحن نغذي أجسامنا ثلاث مرات، الفطور، الغذاء، العشاء، نأكل ثلاث مرات في عاداتنا هنا بالمغرب هذا الأكل ماذا نغذي به؟ نغذي به القسم الطيني.

أما العنصر الروحي فإنما يغذى بغذاء جنسه الذي هو القرآن، هو الوحي، الوحي فقط هو الذي يغذي الأرواح، وإنما يكون الكلام ضرباً من الغذاء على قدر ما فيه من روح القرآن ومن هدى القرآن، نتأثر بالكلام الرباني، أحيانا نتأثر به لما فيه من ذلك الأصل الذي هو الوحي الذي هو نور من الله، بسبب ذلك كان ذلك، ولكن الحقيقة هي أن تغذية الروح إنما تتم بروح القرآن فقط.

أما السنة فهي البيان لتلك الروح نفسها، لذلك القرآن، فهي من جنسه >ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه<، فالبيان هو وحي أيضا يأتي من الملإ الأعلى، يأتي من ذلك العالم.

ولنعرف خطورةغيبة وضعف هذا الغذاء يكفي أن ننظر في تشريع الصلوات الخمس، نحن ليس واجبا علينا أن نفطر في الصباح، وليس واجبا علينا أن نتغذى وليس واجبا علينا أن نتعشى. ولكن واجب علينا أن نصلي صلاة الظهر وواجب علينا أن نصلي صلاة العصر وصلاة المغرب وصلاة العشاء في أوقات معينة {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} لا يمكن  التقديم ولا يمكن التأخير.

لم؟ لأن هذا الإنسان القسم الروحي فيه يحتاج إلى التزويد بالطاقة خمس مرات ضرورة، وإلا لم تبق فيه طاقة ويتجه جهة الظلمة ويتجه جهة الضلال، الجوع الروحي في الانسان كبير أكبر من الجوع الطيني، الجوع الديني أكبر من الجوع الطيني بدليل هذا الأمر، بدليل هذا التشريع الذي أوجب علينا الصلاة؟ والصلاة إنما هي للتزود، الصلاة صلة بين العبد وربه، فنحن نقف وقفة بين يدي المولى جل وعلا لنتصل به مباشرة، نستمد من أسمائه الحسنى المعاني ، نستمد من اسمه العليم العلم، ومن الحكيم الحكمة، ومن النور النور، ومن الرحمان الرحمة، إذا لم يقع اتصال لا يقع استمداد ولا إمداد، تماما كما يتصل القابس بالدائرة الكهربائية، فإنه يمد الجهاز بالطاقة، ولكن عندما لا يكون اتصال  ويكون الانقطاع، الطاقة القديمة تستهلك، وإذا لم تجدد الطاقة فإن الجهاز يقف، كذلك الأمر في هذا الانسان.

ما أشبهنا نحن بالهاتف المحمول الذي إذا لم تزوده بالطاقة تعطل، فكذلك نحن إذا لم نتزود نحن بالطاقة بصورة منظمة منتظمة شرعها الله جل وعلا فنحن نصب بالعطب والتوقف، إنه شرع العليم الخبير بنا، يعلم ما يصلح لنا، وما يصلحنا

إذا نظرنا إلى مستوى الضرر ومستوى الخطر الذي يتهدد البشرية حين لا تصلي، والضرر الذي يلحق بالفرد حين لا يصلي نجده عظيما.

الصلاة التي شرعها الله وأمر الله بها هي كذكر الله {وأقم الصلاة لذكري} ذلك الذكر هو الذي يحدث الاتصال، أما إذا كان هناك سهو {فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون} أي  السهو عنها جملة أو السهو القائم فيها حيث يوجد الشبح ولا توجد الروح، يوجد  شبه الصلاة ولا توجد روح الصلاة، فهذه الصلاة كأنها غير موجودة.

فلننظر كما قلت في خطورة هذا  الأمر وهو أن هذا القرآن علاقته بالانسان كعلاقة الروح بالجسد، وإذا لم  تُغَذَّ الروح التي هي في الجسد بروح القرآن بانتظام فإنها تموت، وأغلب البشرية أموات >مثل الذي يذكر ربه  والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت<.

{يا أيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}، {إنما تنذر من كأن حيا} نفع الإنذار ونفع التذكير لا يمكن أن يستفيد من كل ذلك إلا الحي، فانظر كم يوجد الآن على الكرة الأرضية من أموات يمشون بين الأحياء، هذه هي العلاقة الأولى.

ب- العلاقة الثانية : هي علاقة النور بالرؤية :

وهي التي تشير إليها الأحاديث والآيات، الوظيفية، آيات الهداية، القرآن نور، بالنور نرى، وإذا ذهب النور الآن نصبح في ظلام دامس، فلا نبصر لا طريقا، ولا خطراً يتهددنا ولا أي شي، بعضنا يصطدم ببعض، يحدث الاضطراب الكامل، التخبط التام ولن يهتدي الناس إلى سبيل.

بالنور  تتم الرؤية ويتم وضوح الرؤية، هذه الرؤية حاجة الإنسان كحاجته للهواء والماء، لم؟.

لأننا جئنا من غيب ونتجه إلى غيب، {وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت} علاقتنا بالدقيقة القادمة لا نعرف عنها شيئا.

نتواجه في كل لحظة مع الغيب، الغيب الذي أمامنا والغيب الذي مضى، وما فات دخل في عالم الغيب، فالذي يُعلم عما فات إنما هو تخرُّصات وظنون، إلا ما تكفل الله عز وجل بحفظه من ذكره، وبيان ذكره، وما نُهج فيه نهجه من حفظه بميزان ذكره، ومن إسناد خُصت به هذه الأمة بالتوفيق.

فنحن لا نعرف كيف جئنا إلا ما أخبرنا الله عز وجل به، والمستقبل وهو الأهم في المسألة هو أنه غيب تام فكيف نتصرف؟.

الله عز وجل أرشدنا بهذا النور إلى أن نتصرف تصرفاً يكفل لنا أن نحفظ الله ونحن نخترق الغيب ، >احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده اتجاهك< فلكي لا نخسر دنيانا ولا أخرانا علينا أن نبصر المستقبل الذي بصّرنا الله به، حتى لا نخسر الخسران المبين.

ج- العلاقة التالثة : هي علاقة الماء بالارض  :

وأحسن بيان لها بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الهدى الشهور >مثل ما بعثني الله به  من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكان منها طائفة طيبة قبلت  الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجاذب أمسكت الماء فشرب الناس منها وسقوا وزرعوا وكان منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعَلِمَ وعلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله  الذي أرسلت به< أو كما قال .

هذا الحديث في غاية الوضوح في بيان العلاقة بين القرآن والإنسان، فإذا كانت العلاقة الأولى تقوم بوظيفة الإحياء، علاقة الروح بالجسد، والعلاقة الثانية تقوم بوظيفة الرؤيا فتحدث للإنسان الرؤية فيبصر حقا الطريق في هذا الظلام الدامس، فإن هذه العلاقة تخصب الإنسان، وبها يحدث الفعل الحضاري.

إن الله قال تعالى {وجعلنا من الماء كل شيء حي} الآن ههنا في هذا الحديث، يقول لنا هذا القرآن مثله كمثل غيث والغيث وظيفته الرحمة {وهو الذي ينزل الغيث من بعدما قنطوا وينشر رحمته}.

>كمثل غيث أصاب أرضاً< الناس في علاقتهم بهذا الغيث أصناف ثلاثة :

صنف هو المختار، وهو المفضل وهو النموذج، هو الصنف الذي يشير إليه  في الأخير في قوله <فذلك مثل من فقه في ذين الله ونفعه ما بعثني الله به من الهدى والعلم فعلم وعلم<.

علم >أصاب أرضا فكان منها طائفة طيبة فقبلت الماء< ما رفضت، سمحت له بأن يتخلل كيانها، {وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت}. إذا لم تقبل الماء لن تهتز ولن تربو، استقبلته، ووعته، وعملت به، ثم أرسلته وبلغته وعلمته بجميع معاني التعلم، وعلمته بكل معاني التعليم، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير.

والنوع الثاني : أرض ما قبلت الماء، لكن أمسكته، هي الأرض الطينية، النوع الطيني  الذي لا يسمح للماء بأن يتخلله. هي ما يوجد في البحيرات، البحيرات هي أماكن تمسك الماء، وليس كالأراضي الزراعية التي تقبله فتنب الكلأ، لا تستفيد منه لذلك فهي لا تنبت، لكن الناس يستفيدون منها، ورغم أنها هي لا تستفيد فالناس يشربون، >فشرب الناس منها وسقوا وزرعوا< فلها فائدة وإن لم تستفد،  وهذا النوع يحمل القرآن وإن كان هو كالحمار يحمل أسفارا، لكن ما في الأسفار ينتفع به الناس، وإن كان الحمار لا ينتفع.

والنوع الثالث : أرض إنما هي قيعان، نوع قيعان، إذا نزل عليها الماء لا تمسكه أصلا كالأرض في الطائفة الثانية ولا تنبت كالطائفة الأولى، لا هي من النوع الأول ولا هي من النوع الثاني.

جلى الرسول  هذا المثل بالتلخيص، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونحن نعلم أن هذا الفقه في الدين هو سر التفعيل، وسر العطاء، الناس معادن، كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، >فمن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين<.

هذا الذي فقه >مثل ما بعثني الله به فعلم وعلم< إذ الرسالة مستمرة، والأمة شاهدة، ووظيفتها الشهادة على الناس،  وهذه الشهادة لا تتيسر بغير الأمرين معًا، التعلم والتعليم، و>إنما العلم بالتعلم< كما في الحديث الصحيح ولا بد من تعليم ما علم لتتواصل الأمانة، وتتواصل الشهادة حتى قيام الساعة. “ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به” هذا النوع الثاني والثالث معا يندمجان هاهنا.

إننا نحتاج إلى توبة نصوح لاسيما في جبهة التعليم، قال الرسول  :  >وإنما العلم بالتعلم< التعليم هو الذي ينزل الغيث أو ينزل الشر ويسجله في أشرطة الأجيال الشابة في قلوب الأطفال الشباب.

من يسجل الشر أو الخير؟؟

من يعلم الشر أو الخير؟؟

في الحقيقة ثلاثة :

1- الأبوان : >كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه< أو يتركانه على الفطرة التي هي الإسلام {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم}، لأن الاحتكاك الأول بهما، ولأن الطفل -كما هو ثابت في علم النفس التربوي، وثابت في علم التربية-، أنه يكتسب كثيرا من شخصيته في خمس سنواته الأولى  نحوَ أربعة أخماس من خصائص شخصيته، يكستبها ويختزنها في هاته الفترة المبكرة، فإذا قام الأبوان بوظيفتهما ورسالتهما في غرس روح القرآن، فإن شوطاً كبيرا سيُقطع في اتجاه العودة إلى التاريخ وإلى الرشد وإلى العطاء الحضاري.

2- التعليم : والتعليم، الذي يتلقاه الطفل في سن مبكرة،  يحدث التأثير فيه بطرق متعددة، بطريق القدوة وبطريق الوسائل السمعية والبصرية اليوم، وبطرائق المعلومات التي يقدمها له الإعلام، وبطرائق وطرائق كل ذلك يدفع في اتجاه واحد هو يجعل هذا المتعلم يخزن الخير أو يخزن الشر، وهذه حقيقة ضخمة تثير سؤالا عن رسالة التعليم. ما طبيعة الخريج في الأمة الإسلامية الذي ينبغي أن يصنعه التعليم، المدرسة معمل تصنع صناعة معينة. فأية صناعة يصنَّع، أي خريج  يخرج؟ لابد أن نتساءل عن هذه النقطة ولا بد أن نتعاون على الخير والبر والتقوى في التعليم.

3- الإعلام : الإعلام اليوم أصبحت له وسائل لا تستأذن أحدا ولا تقبل مراقبة، أصبحت تدخل إلى عمق البيت، وتدخل إلى عمق المدرسة وتكتسح الشوارع.. هذا الإعلام ما رسالته الحقيقية؟ رسالته أيضا أن يعلم ما ينفع الناس ويمكث في الأرض، رسالته تعليمية ليست رسالته التدمير ولكن رسالته التعمير.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *