فرعون (مصلحاً)!!


إن تحليل النوازع النفسية للنفس البشرية في علاقتها المؤثرة والمتأثرة بمحيطها الثقافي والاجتماعي والسياسي،يبين أنه عندما تكون النزعة الذاتية-مثلا-ٌأقوى من نزعة الإيمان لدى الإنسان ، وعندما تتحرك نوازع الشيطان وعوامل الفجور الأخلاقي والثقافي والسياسي في النفس، تتحرك -موازاة مع ذلك أو نتيجة له- نزعة الاستبداد الفعلي أو الفكري لتطلق ممارسات استبدادية جبروتية تسعى لتحريف الحقائق والهيمنة عليها إلى حد قد ينصب الإنسان نفسه إلها معلنا كما قال تعالى عن فرعون : {فحشر فنادى فقال :أنا ربكم الأعلى}(النازعات : 24)،و {قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد}(غافر : 29)، و{قال فرعون : يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري ) القصص38، وقال فرعون لموسى  \ : {لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين}(الشعراء : 29)  أو ينصب نفسه إلها غير معلن بادعائه امتلاك الحقيقة وناصية المعرفة،ذلك هو السلطان الجائر والحاكم الظالم والمفتي الكاذب الذي لايقبل نقاشا أو انتقادا وهذا  هو الحاكم  ذو الثقافة الأحادية، وهذه هي الدول المستبدة.

فقد يبلغ الاستبداد بالحاكم إلى درجة الاستهانة و الاستخفاف بالمجتمع كما فعل فرعون {فاستخف قومه }(الزخرف : 54) حتى أن المجتمع فقد ثقته بثقافته وفكره وعقله ثم بنفسه، فأطاع الحاكم طاعة عمياء نفت شعوره الذاتي  {فأطاعوه، إنهم كانوا قوما فاسقين}(الزخرف : 54).

إن فرعون عندما استكبر بحكمه وميز بين نفسه وبين شعبه فكريا واقتصاديا واجتماعيا وسياسيا فقد ساقهم بذلك إلى الاستضعاف والاستعباد. يقول تعالى : {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المسرفين}(القصص :4).

لكن إذا كان (الناس) هم سند الأنبياء والمرسلين -بعد الله عز وجل- في الدعوة والإصلاح، فلا غرو أن نجد القرآن الكريم يوجه موسى \ ليطرح قضية الإصلاح والتغيير على فرعون  تحقيقاً لمصالح (آلناس) قفي العاجل والآجل ائلا : {اذهب إلى فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى}(النازعات : 17- 19).

لكن فرعون الذي أسست الخرافة ونرجسية الذات مكانا لهما في عقله وتصرفاته وسلوكه، أصبح عدو نفسه وشعبه، بل أصبح سجين أوهامه التي جعلت موسى عليه السلام يقود حركة دعوية تغييرية  غاضبة عليه، ويأتي مبشرا قومه بحكومة الصاحين الصالحين المتقين :  {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا، إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين}(الأعراف :128)، ويؤكد داود عليه السلام هذا التبشير  بحكومة العدل والإخلاص والصلاح {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون}(الأنبياء : 105).

لقد قوبلت حركة موسى \ بمواجهة ضارية من طرف فرعون، وعلى جميع الأصعدة لطبيعته الاستبدادية. فالحاكم المستبد دائم الخوف حيث لا يتحمل حملات التوعية والدعوة إلى الإصلاح الذي يستهدف نظامه وربما وجوده أيضاً، ولذلك يلجأ إلى اتهام أقطاب المعارضة بكل التهم الممكنة وغير الممكنة كإجراء وقائي ضد كل الأخطار التي تهدده. {قالوا : أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما (موسى وهارون) الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمومنين}(يونس :78)، بل يجعل الناس ينفرون من المعارضة الصالحة المصلحة باتهامها : {قال : أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى}(طه :57) {قالوا: إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى}(طه :61). إن فرعون يصور للناس وضعهم البائس تصويراً جميلاً نعته بالطريقة المثلى،حتى إذا فشل، بدأ يتوسل بادعاء التدين والتستر خلفه وتنصيب نفسه حامي حمى  الدين في محاولة لعرقلة مسيرة التدين الحقيقي {وقال فرعون : ذروني أقتل موسى وليدع ربه، إني أخاف أن يبدل دينكم أو يظهر في الأرض الفساد}(غافر: 26).

وقد يتمادى المستبد في مخادعة الجماهير وتضليلهم وينصب نفسه مرشداً روحياً هادياً إلى الحق والصواب {قال فرعون : ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد}.

وقد يعمل ” الفرعون” على تقسيم مجتمعه بين مستكبرين يعينونه على المستضعفين لتثبيت سلطانه {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا}(القصص : 4) مدعياً امتلاك “المكان” الذي يعيش فيه المجتمع {ونادى فرعون في قومه قال : يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون}(الزخرف :51).

إن التاريخ مليء بمآسي الاستبداد والديكتاتورية التي حولت حياة الناس إلى جحيم لا يطاق مثل قصة أصحاب الأخدود الجبابرة الذين ما نقموا من قومهم إلا لأنهم لم يريدوا اتباع مسلكهم وآمنوا بالعزيز الحميد كما ورد في سورة البروج.

إنها طبيعة المستبد، جشع بالغ وطمع يتجاوز كل الحدود، وتفرعن واستعلاء وفساد وإفساد.. إنه تاريخ مشحون بالمآسي والدموع.

فالقرآن الكريم يصف فرعون بأنه كان مستكبراً متعالياً مسرفاً متجاوزاً الحد، فهو يرى نفسه فوق الآخرين وإرادته فوق إرادتهم إذ يقول تعالى : {فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئه أن يفتنهم، وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين}(يونس :83)، {ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوماً عالين فقالوا : أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون}(المؤمنون : 45-47)، إنه تصوير  رائع لحالة سياسية مستبدة، إذ الاستبداد حالة طغيان تجعل الحاكم المستبد لا يقبل نصيحة أو انتقاداً،فيصير سيء فعله حسناً في نظره،كما يخبر بذلك القرآن عن فرعون إذ يقول {وقال فرعون:يا هامان، ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب، أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا،وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل،وما كيد فرعون إلا في تباب}(غافر:36- 37). وما كيد المستبدين -دوماً- إلا في خسران.

ذ.محمد البنعيادي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *