صفحات منسية من تاريخ المغرب الحديث


الظهير البربري والتضامن الفلسطيني مع المغرب

أصدرت الإقامة العامة الفرنسية بالمغرب الظهير البربري في 17 ذي الحجة عام 1348 موافق 16 ماي 1930، وكانت تهدف من ورائه إلى :

– إبعاد الأمازيغ عن الإسلام عقيدة وشريعة.

–  التفرقة بين الأمازيغ والعرب، والقضاء على وحدة المغاربة، قصد إضعاف مقاومتهم للاحتلال الفرنسي.

– تشجيعهم حركة التبشير بين الأمازيغ.

– الترويج لثقافة فرنسا العلمانية، والتمكين للغة الفرنسية على حساب اللغة العربية.

ونظرا لما لهذا الظهير البربري من أخطار على هوية المغاربة وشخصيتهم الحضارية، تصدت له الحركة الوطنية المغربية بقوة، سواء داخل المغرب أو خارجه، وعملت على فضح أهداف فرنسا من مشروعها هذا، وكانت النتيجة أن تفشى أمر الظهير البربري وشاع في العالم العربي والإسلامي، وظهرت حملة واسعة من الاستنكار والاحتجاج عليه، قامت بهاالأحزاب والجمعيات العربية والإسلامية، والعلماء والتجار، وغيرهم من شرائح المجتمع.

ومن الشعوب العربية الإسلامية التي نددت بهذا المشروع الفرنسي الخطير، الشعب الفلسطيني الذي كان هو بدوره يتعرض لمضايقات واعتداءات المحتلين البريطانيين، بل وللأعمال الإرهابية من قبل عصابات الإجرام الصهيونية، ورغم ذلك كله، فإنه عبر بكل وضوح عن موقفه التضامني مع الشعب المغربي، وتجلى هذا الموقف في خطب الأئمة على المنابر في أيام الجمعة، وفيما أصدرته الأحزاب والجمعيات العربية الإسلامية من بيانات ومواقف مناهضة للسياسة الفرنسية بالمغرب، إضافة إلى أشكال المساندة التي أظهرتها مختلف فئات المجتمع الفلسطيني كفئتي العلماء والتجار.

ولكي يتضح ذلك جليا نقدم مجموعة من النماذج المعبرة، فمثلا قام سكان مدينة جنين بالاحتجاج على سياسة فرنسا الدينية بالمغرب تجاه المسلمين الأمازيغ، وتم توقيع لائحة من قبلوجهاء وأعيان المدينة بالنيابة عن الأهالي، وقدمت إلى المندوبية السامية البريطانية بفلسطين ( الحكومة الفلسطينية آنذاك)، لتقدمها بدورها إلى الحكومة الفرنسية(1).

وكانت القضية البربرية حاضرة بقوة في مشاعر ووجدان المسلمين في مدينة القدس أيضا، فقد اهتز منبر المسجد الأقصى لهول  الفاجعة التي حلت بأمازيغيي المغرب خاصة، والمغاربة عامة، وفي هذا الإطار خصص إمام هذا المسجد الشريف الشيخ سعد الدين الخطيب خطبة كاملة للمسألة البربرية، ومما جاء فيها : ” … وأي شر أعظم وأدهى من أن تستخف دول أجنبية طامعة بالإسلام والمسلمين، فتقدم غير هَيَّابة ولا وجلة على محاولة فصل البربر، عن إخوانكم المسلمين الكرام، عن الإسلام، وهو دينهم العزيز الذي به سَمَوا ورَقَوا واعتلوا في تاريخ الإسلام منازل عَلِيَّة، ودرجات جليلة…”(2).

ومن المواقف المساندة للمغاربة في محنتهم آنذاك، مبادرة المجلس الإسلامي الأعلى في فلسطين بإرسال رسالة احتجاج إلى رئيس وزارة الحكومة الفرنسية بواسطة القنصل الفرنسي بالقدس، ومما تضمنته : “… المجلس الإسلامي الأعلى باسم مسلمي فلسطين يرفع احتجاجه إلى فخامتكم ، ويضم صوته إلى أصوات مئات الملايين من إخوانه المسلمين في الرجاء بأن تعدل حكومة فرنسا عن هذه الخطة التي تحمل أمة بأسرها من (على) الخروج من دينها الذي ارتضته واطمأنت له نفوسها، وتعاملت بشريعته وأحكامه منذ الأجيال البعيدة..”(3).

كما انعقد المؤتمر الإسلامي العام بمدينة القدس في أيام 27 رجب -7 شعبان 1350 / 7 -17 دجنبر 1931، شارك فيه ممثلو اثنين وعشرين قطرا إسلاميا، حول موضوع ” الظهير البربري”، وخرج المؤتمر بقرارين : أحدهما ضد السياسة البربرية خصوصا، وثانيهما ضد السياسة الاستعمارية عموما، وكلف رئيس اللجنة التنفيذية للمؤتمر الإسلامي العام محمد أمين الحسيني بإبلاغ هذين القرارين إلى جمعية الأمم(4).

ومن الجمعيات الفلسطينية التي احتجت على الظهير البربري “الجمعية الإسلامية المسيحية في يافا”(5)، ” وجمعية الشبان المسلمين بنابلس”، التي عبرت عن موقفها بإصدار بيان وجهته إلى علماء المسلمين ووجهائهم وعامتهم وهيئاتهم في المشرق والمغرب يبينون فيه ما يحاك ضد الإسلام والمسلمين بصفة عامة، وضد المغرب بصفة خاصة، من مؤامرات صليبية خطيرة تستهدف القضاء على الدين الإسلامي، وقد دعت من خلال البيان المسلمين كافة إلى التصدي بحزم لهذا الخطر قبل أن يستفحل أمره(6)، وختم البيان بما يلي : ” وبالختام، فإن جمعية الشبان في نابلس تحتج على تصرفات فرنسا أشد الاحتجاج وتستنكرها كل الاستنكار، وتعتقد أن الإقدام عليها هو حلقة من سلسلة الحملات الصليبية التي اعتاد الإسلام على صدها وردها، وسيظل لها بالمرصاد، والسلام على من سمع ووعى، ووعظ فاعتبر”(7).

وقد قدم تجار نابلس إلى قنصلفرنسا في القدس نص بيان احتجاجهم على الحكومة الفرنسية لما تقوم به من هجمة شرسة على الإسلام والمسلمين ببلاد المغرب الأقصى، وهددوها بمقاطعة بضائعها التجارية إن هي تمادت في سياستها تلك(8).

وهكذا نلاحظ أن التجار الفلسطينيين لم يكتفوا بأسلوب الاحتجاج والتنديد بالظهير البربري، وإنما فكروا في اتخاذ خطوة عملية ألا وهي مقاطعة البضائع الفرنسية من أجل الضغط على فرنسا والدفع بها إلى إلغاء  ذلك الظهير المشؤوم.

وبمناسبة الذكرى الثالثة لصدور الظهير البربري، جددت عدة جمعيات فلسطينية احتجاجها مثل ” الهيئة المركزية لجمعية الشبان المسلمين بفلسطين” و”جمعية الشبان المسلمين بالرملة”، و”جمعية الشبان المسلمين بغزة”، و”حزب الاستقلال العربي في فلسطين”. علاوة على موقف الصحافة الفلسطينية المتضامن مع الشعب المغربي في محنته آنذاك(9).

وفي الأخير نخلص إلى حقيقة ثابتة وهي أن الأمة الإسلاميةحية وواعية بوحدة كيانها ووحدة مصيرها، فكانت دائما تعبر -باستمرار- عن روابط الأخوة الإيمانية وأواصر العقيدة الدينية، كلما تعرض جزء منها، أو أجزاء، للظلم والاعتداء من قبل المحتلين الأجانب الذين يتربصون بالإسلام والمسلمين الدوائر، فهي ” … كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له شائر الجسد بالسهر والحمى”، وما ذلك إلا تنفيذا لأوامر الله عز وجل الذي أمر أمة الإسلام بقوله : {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}، وإن قصر المسلمون في الأخذ بما تضمنته آية الاستعداد من تعليمات ربانية {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله لعلمهم}.

هذا وقد نبه الرسول  إلى خطورة عدم الاهتمام بأمر المسلمين أينما وجدوا في العالم : ” من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم”.

ونذكر هنا -ونحن نتحدث عن تضامن الفلسطينيين مع إخوانهم المغاربة في محنتهم- بما يجب علينا تجاه المجاهدين في فلسطين من حق النصرة والتأييد والتضامن والمساندة بشتى أشكالها، سواء على المستوى المادي أو المعنوي، بالمال والدعاء والتوعية ومتابعة الأحداث والمستجدات في الأراضي الفلسطينية، إضافة إلى مقاطعة السلع الصهيونية والأمريكية، وذلك ” لأن المقاطعة هي السلاح الوحيد الذي يمكن للأعزل حمله، وهو لا يكلف شيئا، بالعكس يعود عليه شخصيا بالتوفير المادي، وعلى وطنه بالرخاء الاقتصادي، وعلى ملته بالخلاص من الاستعباد”(10).

فالمقاطعة هي نوع من أنواع السلاح الذي إذا وجه صوب العدو بإحكام ودقة نال من قوته وأربك خططه الظالمة الإجرامية.

فهل يصعب علينا حمل هذا السلاح وتفعيله من أجل نصرة ودعم شعب الانتفاضة خصوصاً مع التهديدات المستمرة للمتطرفين اليهود باقتحام المسجد الأقصى ؟.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- الحاج حسن بوعياد، الحركة الوطنية والظهير البربري، دار الطباعة الحديثة – الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1399/ 1979، ص : 211.

2- نفسه : ص: 310.

3-نفسه : ص: 322.

4- انظر نصي القرارين في نفس المرجع : ص : 585 -586.

5 – نفسه : ص: 174.

6 – نفسه : ص: 147 -148.

7 – نفسه : ص: 148.

8 – نفسه : ص: 196، كما أن المصريين لوحوا بمقاطعة التجارة الفرنسية على ما اقترفته من ظلم واعتداءات على إخوانهم المغاربة ( انظر نفس المرجع : ص : 197).

9 – نفسه : ص: 640.

10 – نفسه : ص: 197.

ذ.عبد العزيز الضعيفي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *