تفسيــــر  سـورة التغـابن


{إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يُضاعفْه لكم ويغفِر لكم والله شكور حليم. عالم الغيب والشهادة العزيزُ الحكيم}

إن بعض الآباء يريد أن يتوب إلى الله لأنه يعلم أن تجارته وأعماله كان فيها دخن، فيريد أن يتقرب إلى الله ببناء مسجد مثلا، فيُسَفِّهُهُ أبناؤه ويمنعونه، فيخاف هذا الوالد، وقد يتراجع، وما يقصده هؤلاء الأبناء هو أن يبقى المال خالصا لهم ليستمتعوا به بعد والدهم،ويوزعونه على الغانيات والزانيات والسكر والعربدة…

هذه الأشياء أشار إليها القرآن الكريم في أكثر من موضع، وأعطى الآباء شحنة ومددا حتى يقوموا بواجباتهم تجاه أنفسهم وأمتهم.

إن الذي يمنع أباه من فعل الخير هو ولد غير صالح، إنه عدو، والتي تمنع زوجها من التقرب إلى الله تعالى، هذه امرأة أيضا تدفع بصاحبها إلى النار، لذلك وجدنا هذه الآيات الأخيرة من سورة التغابن تدفع الإنسان إلى حظيرة الإنفاق في كل أوجه الخير.

فهذا الإنفاق / القرض يَعِدُ الله فاعله بالمضاعفة أضعافا كثيرة.

فالوعد الأول هو المضاعفة : وفي ذلك معنى التكرار، بل وكثرة التكرار :

{أضعافا كثيرة}، وهذا كله ترغيب، والأمة عموما يراد منها أن تسهم في الخير وتدافع عن نفسها بما تخططه من تخطيطات، وبما ترصده من أموال من أجل الوقوف في وجه القوى المعادية، مثل الصليبية واليهودية وغيرها، ليقوم كل واحد بجزء من واجبه بتعليم الناس القرآن، وتشييد المؤسسات الخيرية ونشر أحكام الشريعة الإسلامية، ونشر الفكر الإسلامي، و…

إن البابا لا يكتفي بالخطب التي تحض أنصاره على نشر المسيحية، لا بل إن هناك مؤسسات تدر الأموال الكثيرة، ولها مشاريعها ومخططاتها ورجالها وجيوشها…، الكنيسة دولة لها أجهزة عديدة تشتغل ليل نهار على رقعة كبيرة في العالم، مستعينة بخبراء وكتاب وصحف ومطارات جوية في بعض دول آسيا، حيث تتوفر على 20مطارا في دولة واحدة، وتمتلك هذه الكنيسة جيوشا وكتائب تسميها كتائب السلام والصداقة والمؤسسات الإنجيلية. هذه المؤسسات الإنجيلية، ماذا تفعل في بلاد المسلمين؟ أتقوم بالسياحة؟

إن البابا استطاع عقد اتفاقيات مع بعض الدول الآسيوية، حيث فتحت له الكثير من المجالات. إن المنصرين يوزعون الكتب والأشرطة على الناس، بل تصلك نسختك إلى بيتك دون أن تكلف نفسك أي عناء، مجموعات تطرق على الناس بيوتهم وتدعوهم إلى أن يعيدوا الاعتبار للمسيح، إنهم يريدون نشر التثليث، إن لهم مؤسسات ضخمة قوية، لها عناوين متعددة، ولها شعارات متنوعة، وهي تغرس أرجلها في مناطق  عديدة من المغرب، هذه المهرجانات التي ترونها وتسمعون عن بعضها هنا وهناك، من يقوم بها؟ ( مؤسسة قطرة الحليب lait goûte de) قامت بأنشطة في بعض الجهات في المغرب الشرقي، وجمعية المساعدة على الهجرة، جمعية تابعة مباشرة للمجلس الأعلى للكنائس، ونحن نائمون. ومؤسسة (ليونز كلوب) صهيونية تدخل من باب الإحسان من أجل استقطاب مجموعة من الشباب المسلم واقتلاعه من عقيدته.

إن الله يدعو عباده إلى أن يقرضوه قرضا حسنا عن طريق نشر الإسلام، وليس فقط بالصدقات لأن الإسلام يُعرِّف الناس بحقوقهم، هناك من يقول : أطعم الجائعين بدل بناء مسجد، ونحن نقول : نطعم الجائعين ببناء المسجد،لأن المسجد هو الذي ينشر الفكر الإسلامي الذي يعطي كل واحد حقه، إن الظلم الذي وقع في بلاد المسلمين ليس الإسلام مسؤولا عنه، ولكي نعود إلى الصواب، يجب أن  نبدأ من حيث يجب أن يكون البدء، والبدء يجب أن يكون من صنع الإنسان الذي يفهم الإسلام فهما حقيقيا ويعمل على تطبيقه، ويعمل في حدود طاقته من أجل انتشال الناس من الفقر والجوع والمرض.

أما الوعد الثاني وهو الأهم : الوعد بالمغفرة، وهذه قربة كبيرة ومفتاح للتخلص من الذنوب، فالاستغفار لا يكون دائما برفع اليدين والتوجه إلى الله، إن أسلوب الاستغفار الذي تقصده هذه الآية هو أن تعطي قاصدا الاستغفار، باب العطاء دليل عملي يدل على أنك طامع في مغفرة الله، وهو أفضل وجوه الاستغفار، والله تعالى علمنا من خلال تشريعه أنه يتنازل لنا عن ذنوبنا، ويترك حقه تعالى إن نحن رحمنا عباده.

إذن هناك معاصٍ كثيرةٌ، الخروج منها هو الإنفاق ( عبر الكفارات في الظهار، وإفطار رمضان، وحنث اليمين…) وإطعام الفقراء، فأنت إن رحمت عباده وحنوت عليهم وأعطيتهم، وبذلت لهم وأطعمت جوعتهم وكسوت عريهم، فإن الله تعالى يتجاوز لك عن شيء من حقه سبحانه وتعالى.

إن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار كما ورد في الحديث، إن البعض يفهم الدين كما يشاء، يقع منه مثلا ذنب، فيسمع درسا فيبكي كثيرا صباح مساء، ويطلب الله المغفرة، لكنه لم يضع يده  في جيبه للإنفاق، لماذا لا ينقص من البكاء ويزيد في الإنفاق؟ عليه ألا يكتفيبتبليل اللحية بالدموع،عليه أن يعتني بعائلة من الأيتام مثلا، لعلهم لم يجدوا ما يؤدون به ثمن الكراء أو الدواء أو… لا يجب فقط أن نعتمد على الطرق السهلة في الاستغفار.

{والله شكور رحيم} هذا التذييل هو مما يجعل الإنسان يثق بوعد ربه، فالشكر هو رد الجميل بعد الاعتراف به، فالأصل حينما تحسن إليَّ فإما أن يكون مني نكران وهذه قبيحة، والكفر مخبثة لنفس المنعم، وإما أن يكون مني شكر وهو اعتراف بأن أقول لك : يا فلان لقد فعلت معي كذا، وإذا واتتني الفرصة أشكرك بأن أرد لك نوعا من العمل الذي يشبه عملك معي، الشكر ليس هو توزيع كلمة (شكرا) على اليمين وعلى الشمال فقط، حتى أصبحت تحمل معنى (merci) الأجنبي.

{ اعملوا آل داود شكرا}، فعملك هو نوع من الشكر، والله يسمي نفسه شكورا.

ما معنى ذلك؟ هل معنى ذلك أننا أنعمنا على الله وأحسنا إليه، فهو يشكرنا. أبدا !! إن الله لم يصبه منا شكر، إن أقرضنا الله تعالى فإنما القرض يعود على البشر، فأنت عندما تقرض فإنما تعين إنسانا، فالله لا يصله شيء ولا ينال بفعل ذلك شيئاً ولا ينتفع، فالله غني عن الانتفاع بأفعال العباد، ومع ذلك يقول تعالى : {والله شكور حليم}، والشكر هنا بمعنى أن الله يجزل المثوبة ويجزل العطاء كما لو كان هذا شيئا مثل الشكر الذي يحصل بين الناس، إنه تمثيل للمثوبة بحال الشكر، فالله تعالى ليس مفروضا عليه أن يشكر لأحد لأنه لم ينله من أحد نعمة، لا مِنَّةَ لأحد على الله حتى يشكره الله، ولكن الله يرد مع ذلك لهذا العبد ما أعطاه وهذا شكر من الله تعالى وليس من معنى الشكر البشري الذي هو الرد على نعمة تبلغ هذا الإنسان. إنه شاكر بمعنى أنه يعطي العباد الذين وثقوا به والذين أعطوا من أجل أن يعطيهم، وهذا شكر، ولكنه شكر ليس مفروضا على الله عز وجل وإنما هو من حلْم الله ومن رحمة الله ومن كرم الله، أن الله تعالى يرد للعباد أشياءهم التي أنفقوها، والكل في الحقيقة لله.

من تكون أنت ؟ وماذا لك حتى تعطيه ربك؟ من أين أتاك هذا المال؟ كيف اكتسبته؟ هذه الجوارح التي تلمس بها؟ هذا العقل الذي تحركه من أجل تصيُّد الأموال، من أين أتيت بكل ذلك؟ كل ذلك من عند الله عز وجل.والدليل هو أن الله عز وجل إن شاء أن يمنع لم يعط أحدا.

{عالم الغيب والشهادة} بمعنى أن الله عالم بالغيب الذي لا يُرى، وعالم بالمشهود القريب الذي يُرى، فهو عالم بكل شيء، فهو إذن لا يفوته شيء، ولا يغيب عنه شيء، ولا يَنِدُّ عنه من تصرفات العباد شيء، فالمحسنون معروفون، وعملهم معروف مكتوب مسجل، وخطراتهم وأحاديث أنفسهم، كل ذلك معلوم عنده، فما على الإنسان إلا أن يحسن الظن بالله، وأن يحسن الاعتقاد بالله، وأن لا يخاطب نفسه إلا بما يرضي الله، فمن خاطب نفسه بنية وكانت طويته سيئة، فإنه لن يغني عنه من الله شيئا حتى لو أعطى، حتى لوتظاهر بأنه يعطي، فإن الله تعالى لا يفوته شيء، والله عزيز ينفد وعيده وقدرته إن شاء، وهو أيضا حكيم يضع الأشياء في مكانها، ويضع رحمته في مستحقيها.

وبهذا التذييل الذي تذيل به الآية تختم هذه السورة، سورة التغابن، التي عشنا معها في حلقات متعددة، وعشنا مع أجوائها وما تحتويه من التوجيه ومن الانسجام.

د.مصطفى بنحمزة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *