إحياء ذكريات أعلامنا سمة خير وبارقة أمل


في وجدة أقامت كلية الآداب شعبة اللغة العربية ندوة هامة حول “العلامة عبد الله الطيب”: الناقد، الكاتب، الشاعر، المفسر، اللغوي … وتناول الباحثون جوانب عديدة خلال ما قدموه من عروض، فمر يومان من أمتع أيامنا العلمية في جامعاتنا، ومن المعلوم أن الأستاذ العلامة عبد الله الطيب قضى معنا بكلية الآداب بفاس تسع سنوات نعتز ويعتز بها ونعدها نحن من أمتع وأجمل وأغلى عمرنا العلمي بهذه الكلية..

وقد كان إشعاعه يسطع على منتديات وكليات بالمغرب من أدناه إلى أقصاه، كما كانت مناقشاته للرسائل العلمية جلسات ممتعة في رحاب الكليات، كما كان بيته منتدى علميا يكرع منه من زاره مستفيدا، وما زلت أذكر أننا قضينا أوقاتا علمية سعيدة ومضنية أحيانا كقراءتنا ل “حتى” بين سيبويه والفراء الذي مات وفي نفسه شيء منها …

وكان لأخينا الحبيب الدكتور عباس الجراري الفضل في ترغيب الدكتور عبد الله الطيب في العمل بالمغرب، ولا أنسى الفرحة العارمة التي دفعت أخي الدكتور عبد اللطيف السعداني ليزُفّ لي البشرى بقدوم الدكتور عبد الله الطيب المجذوب رحمهما الله جميعا…

لا ينسى المغاربة الدرس الحسني الباهر الذي ألقاه الدكتور عبد الله الطيب في موضوع “القصة في القرآن الكريم” وقد سألته ماذا فعل أمام مهلة يومين فقط لإعداد الدرس فقال:” لقد راجعت القرآن الكريم وقرأت الضروري في تفسير الطبري فقط … كما أن الجزء الرابع من كتابه الفريد والفذ في ميدانه “المرشد إلى فهم أشعار العرب” ألفه بالمغرب وهذه من مفاخرنا نعتز بها..

كان عبد الله الطيب آية فريدة في الحفظ وحضور البديهة وقوة الاستشهاد والأجوبة المسكتة والنوادر المفحمة واللطمات المثيرة للسخرية والضحك والإعراض المخزي، أما آراؤه النقدية وأفكاره الأدبية وآفاقه العلمية فحدث عن البحر ولا حرج …

وما زلت أذكر جوابه الساخر لأحد الدكاترة الذين بهروا المستويات العلمية الضحلة ببعض كتبه عندما سمعه الدكتور عبد الله الطيب يعرض فكرته في ندوة بمدريد فعلق عليه بطلب من رئيس الجلسة فقال: “إن هذا العلم أفهمه فهما جيدا عندما أقرؤه في مظانه بالإنجليزية ولكن يستعصي عليّ فهمه من خلال ما تكتبه أو تقوله”. فقام هذا المنظر الجديد وهاجم الدكتور عبد الله الطيب على عادة السفهاء الجهلة الذين لا يملكون حتى في مجال العلم إلا الثلب والألفاظ البذيئة مثل الظلامية والرجعية والجهل والتخلف … فما كان من الأستاذ الجليل إلا أن ابتسم ابتسامته المعهودة في مثل هذه المواقف قائلا: أرأيت كيف أن شتائمك هذه التي تفضلت بها واضحة مفهومة، غير أن ما لا تفهمه أن العلم الذي تزعم أنك ألفت فيه غير واضح ولا مفهوم.

وفي وجدة نفسها: شرعت جمعية النبراس في ندوة مفتوحة عن مالك بن نبي إحياء لذكرى المائوية لميلاده وكانت الجلسة الأولى تمهيدا لهذه الندوة إذ تَحدَّثتُ عن الظروف التي اكتشف فيها مالك بن نبي وعن الأفكار السائدة آنذاك وأن ظهوره في هذا الوقت بالذات كان استمرارا وتواصلا للرسالة الإسلامية التي اضطرب سيرها بالهجمات الشرسة على جماعة الإخوان ابتداء من سنة 1954 بمصر .. فكان لفكر مالك الأثر البعيد في مدّ الشباب بالأمل في مستقبل الإسلام والثقة في قدرة هذا الدين على الثبات والمواجهة والتحدي..

إن تكريم رجالنا وإحياء ذكرياتهم يجب أن تكون غايتهما تثبيت الأقدام وتحريك الهمم وتسديد الخطوات ولمّ الشمل والحثّ على تأليف القلوب وتنسيق الجهود وتنبيه الغافل وإيقاظ الوسنان وتوضيح الأهداف وإنعاش آمال قوم أشرف بهم اليأس على الهلاك، ونصرة الحق ودحض الباطل إن الباطل كان زهوقا..

د.عبد السلام الهراس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *