يا محب هذا الحبيب


مكانته

إنه رسول الله وخاتم الأنبياء والمرسلين، وأكرم السابقين واللاحقين، وسيد الكونين، رفع ربنا تعالى ذكره في العالمين فقال : {ورفعنا لك ذكرك}، وزكاه كله فقال : {وإنك لعلى خلق عظيم}… وتتضح مكانته  من هذه الآيات : {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وبشّر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا}(الأحزاب : 45- 47).

وقال عز من قائل : {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون}(الأعراف : 158).

وقال جلت عظمته وتقدست كلماته : {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم}(المائدة : 15- 16).

وقال جل وعلا : {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون}(سبأ : 28)، وقال تبارك وتعالى : {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}(الأنبياء : 107).

ولله درّ الإمام البوصيري القائل :

كيف ترقى رقيّك الأنبياء

يا سماء ما طاولتها سمــاء

لم يساوك في علاك وقـد

حال سنا منك دونهم وسناء

تتباهى بك العصور وتسمو

بك علياء فوقها عليــاء

معاشرته  لأهله

ذكر ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد الجزء الأول فصل سماه :”في هديه  في النكاح ومعاشرته لأهله”.قال:”كانت سيرته  مع أزواجه حسن المعاشرة، وحسن الخلق، وكان يسرّب إلى عائشة بنات من الأنصار يلعبن معها.وكان إذا هويت شيئا لا محذور فيه تابعها عليه، وكانت إذا شربت من الإناء أخذه، فوضع فمه في موضع فمها وشرب، وكان إذا تعرقت عرقا-وهو العظم الذي عليه لحم- أخذه فوضع فمه موضع فمها، وكان يتكئ في حجرها، ويقرأ القرآن ورأسه في حجرها، وربما كانت حائضا، وكان يأمرها وهي حائض فتتّزر ثم يباشرها، وكان يقبلها وهو صائم، وكان من لطفه وحسن خلقه مع أهله أنه يمكنها من اللعب، ويريها الحبشة وهم يلعبون في مسجده، وهي متكئة على منكبيه تنظر، وسابقها في السفر على الأقدام مرتين، وتدافعا في خروجهما من المنزل مرة.

وكان إذا أراد السفر، أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها، خرج بها معه، ولم يقض للبواقي شيئا، وإلى هذا ذهب الجمهور.

وكان إذا صلى العصر، دار على نسائه، فدنا منهن واستقرأ أحوالهن، فإذا جاء الليل ، انقلب إلى بيت صاحبة النوبة، فخصّها بالليل.وقالت عائشة:كان لا يفضل بعضنا على بعض في مكثه عندهن في القسم، وقلّ يوم إلا كان يطوف علينا جميعا، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ التي هو في نوبتها، فيبيت عندها”.

في وفاته

ابتدأ برسول الله  صداع في بيت السيدة عائشة رضي الله عنها قالت:دخل علي رسول الله  في اليوم الذي بديء فيه، فقلت:وارأساه فقال:بل أنا وارأساه”.ثم اشتد أمره في بيت السيدة ميمونة رضي الله عنها، واستأذن نساءه رضي الله عنهن أن يمرض في بيت السيدة عائشة رضي الله عنها، فأذن له وكانت مدة علته اثني عشر يوما، وقيل أربعة عشر .وعن أنس بن مالك الأنصاري رضي الله عنهما:أن أبا بكر كان يصلي بهم في وجع النبي صلى الله عليه الذي توفي فيه ، حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة فكشف النبي صلى الله عليه ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كان وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم يضحك فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي ، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن النبي  خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا النبي  أن أتموا صلاتكم، وأرخى الستر، فتوفي في يومه ” أخرجاه في الصحيحين.

عن السيدة عائشة رضي الله عنها كانت تقول : “إن من نعم الله علي أن رسول الله عليه وسلم توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، دخل علي عبد الرحمن وبيده سواك وأنا مسندة رسول الله ، فرأيته ينظر إليه فعرفت أنه يحب السواك، فقلت :آخذه لك؟فأشار برأسه نعم.فناولته فاشتد عليه، فقلت:ألينه لك؟فأشار برأسه أن نعم، فلينته فأخذه، فأمره وبين يديه ركوة أو علبة يشك أبو عمرو فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح وجهه ويقول:”لا إله إلا الله إن للموت لسكرات”، ثم نصب يده فجعل يقول:”الرفيق الأعلى”حتى قبض ومالت يده” انفرد بإخراجه الإمام البخاري رحمه الله.

وكان آخر وصيته للأمة : الصلاة الصلاة فجعل يرددها .

في وجوب محبته :

يقول ربنا تبارك وتعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم.قل أطيعوا الله والرسول.فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين}(آل عمران : 31- 32).

روى الترمذي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله  قال:”أحبوا الله لما يغدوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي”.ورواه أيضا الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.

أ)- في تعظيم الصحابة رضوان الله عليهم لرسول الله عليه الصلاة والسلام:

روى الإمام البخاري عن عبد الله بن هشام قال :”كنا مع النبي  وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر:يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي! فقال النبي :”لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك!.فقال عمر:فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي!.فقال له النبي : >الآن يا عمر!<.

كان الصحابة رضوان الله عليهم يتفانون في محبته ، كان أحب إليهم من الدنيا وما فيها حتى بلغ بهم أن يفتدوه بأرواحهم وأنفسهم وكل ما يملكون.. ولنا في الصدّيق عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ولمن أراد أن يذّكر أو أراد شكورا…قال يا رسول الله :”حبّب إليّ من الدنيا ثلاث:نفقة مالي عليك، وجلوسي بين يديك، والنظر إليك”، ولهذا قال رسول الله :”ما فاتكم أبا بكر بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بشيء وقر في صدره”… ثاني اثنين والصدّيق الذي فات الصحابة بتصديقه لرسول الله .. ] وعن جميع الصحابة…

وذكر القاضي عياض في كتابه الشفا : “عن عمرو قال وما كان أحد أحب إلي من رسول الله  ولا أجل في عيني منه وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه.

قال أبو إبراهيم التجيبي:واجب على كل مؤمن متى ذكره أو ذكر عنده أن يخضع ويخشع ويتوقر ويسكن من حركته ويأخذ في هيبته وإجلاله بما كان يأخذ به نفسه لو كان بين يديه ويتأدب بما أدبنا الله به”.

وكره الإمام مالك رحمه الله أن يقال:”زرت قبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله”، “لأن كلمةقبر تتنافى مع إجلال من هو عند الله أجل وأعظم قدرا من الشهداء الذين عند ربهم يرزقون”. ولا تليق كلمة”قبر” بمقامه وقدره العظيم .

ب)- في لزوم محبته  :

قال القاضي عياض في الشفاء:”اختلف الناس في تفسير محبة الله ومحبة النبي …{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني}، وقال بعضهم:محبة الرسول اعتقاد نصرته والذب عن سنته والانقياد لها وهيبة مخالفته.وقال بعضهم:المحبة دوام الذكر للمحبوب، وقال آخر:إيثار المحبوب، وقال بعضهم المحبة والشوق إلى المحبوب، وقال بعضهم : المحبة مواطأة القلب لمراد الرب يحب ما أحب ويكره ما يكره، وقال آخر:المحبة ميل القلب إلى موافق له.وأكثر العبارات المتقدمة إشارة إلى ثمرات المحبة دون حقيقتها وحقيقة المحبة الميل إلى ما يوافق الإنسان وتكون موافقة له إما لاستلذاذه بإدراكه كحب الصور الجميلة والأصوات الحسنة والأطعمة والأشربة اللذيذة وأشباهها مما كل طبع سليممائل إليها لموافقتها له، أو لاستلذاذه بإدراكه بحاسة عقله وقلبه معاني باطنة شريفة كحب الصالحين والعلماء وأهل المعروف المأثور عنهم السير الجميلة والأفعال الحسنة فإن طبع الإنسان مائل إلى الشغف بأمثال هؤلاء حتى يبلغ التعصب بقوم لقوم والتشيع من أمة في آخرين مما يؤدي إلى الجلاء عن الأوطان وهتك الحرم واحترام النفوس أو يكون حبه إياه لموافقته له من جهة إحسانه له وإنعامه عليه فقد جبلت النفوس على حب من أحسن إليها، فإذا تقرر لك هذا نظرت هذه الأسباب كلها في حقه  فعلمت أنه  جامع لهذه المعاني الثلاثة الموجبة للمحبة” .

جواز التوسل بالحبيب

لقد أجمع الفقهاء المالكية وكثير من علماء المذاهب على استحباب التوسل بالمصطفى  سيدنا محمد . وأنكر ذلك من لم يكلف نفسه عناء البحث واكتفى بتضليل الناس والإنكار عليهم، ولو رجعوا إلى مصادر السنة وكتب السير لوجدوا للتوسل بالحبيب  سندهفي هذه المصادر. وقد جاء في مسألة التوسل حديث الضرير الذي رواه الترمذي وابن ماجه والنسائي في عمل اليوم والليلة وغيرهم بسند صحيح أن رجلا ضرير البصر أتى النبي  فقال: ادع الله أن يعافيني فقال: “إن شئت دعوتُ وإن شئت صبرتَ فهو خير لك”. قال: فادعُهْ! قال: فأمره أن يتوضأ فيُحسن الوضوء ويدعوَ بهذا الدعاء: “اللهم إنيِ أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة. يا محمد! إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتُقضى. اللهم فشفعه في”.

ج)- كيف تحب نبيك  :

1- اتباع سنته : لقوله تعالى :”قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله”، وقوله :”من رغب عن سنتي فليس مني”،  ولله درّ الإمام الشافعي القائل:”إن المحب لمن يحب مطيع”… وعلامة المحبة الإتباع للمحبوب فهو برهانها ، أي أن نتبعه  في كل صغيرة وكبيرة ونقتدي به في عبادته، ومعاملته ومعاشرته لأهله، وطريقة أكله وشربه ونومه و…

2- كثرة الصلاة عليه :يقول ربنا تبارك وتعالى:”إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما”. فربنا جل شأنه أمرنا بالصلاة على حبيبه وبدأ في ذلك بنفسه جل وعلا.

أخرج النسائي وابن حبان من حديث أبي طلحة بإسناد جيد :”أنه  جاء ذات يوم والبشرى ترى في وجهه فقال:إنه جاءني جبريل عليه الصلاة والسلام فقال:أما ترضى يا محمد أن لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا، ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرا”.

وأخرج الترمذي من حديث ابن مسعود:”إن أولى الناس بي أكثرهم علي صلاة”.وأخرج ابن ماجه من حديث عامر بن ربيعة بإسناد ضعيف، والطبراني في الأوسط بإسناد حسن قوله :”من صلى علي صلت عليه الملائكة ما صلى فليقل عبد من ذلك أو ليكثر”.

فالصلاة على رسول الله  تزيدنا محبة له وتقربنا من جنابه الشريف وتجعلنا معه في المنزلة العظمى على منابر من نوريوم القيامة وما ذلك على الله بعزيز.”والبخيل من ذكرت عنده فلم يصلّ علي” رواه الترمذي وهو حسن صحيح.

3- زيارة مدينته : فبزيارة مقامه الشريف  يزداد العبد محبة وقربا منه، قال الشيخ الإمام عبد القادر الجيلاني في كتاب “الغنية”: “فإذا من الله تعالى بالعافية (على الحاج) وقدِمَ المدينة،  فالمستحب له أن يأتي مسجد النبي  فليقلْ: (…)اللهم إنك قلت في كتابك لنبيك : {ولوأنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما}(النساء : 64) وإني أتيت نبيك تائبا من ذنوبي مستغفرا. فأسألك أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حال حياته،  فأقرَّ عنده بذنوبه،  فدَعَا له نبيُّه،  فغفرت له اللهم إني أتوجه إليك بنبيك عليه سلامك نبيِّ الرحمة. يا رسول الله! إني أتوجه بك إلى ربي ليغفر لي ذنوبي “.

وقد أوصى الإمام النووي رحمه الله في كتاب المناسك بزيارة الروضة الشريفة بآداب بالغة في احترام الحضرة الشريفة.. لأن بهذه الزيارة يرفع العبد مقامات إن روعيت آدابها الخاصة.

4- دراسة سيرته  : قال ابن القيم رحمه الله: “فإذا صدق في ذلك (أي في جمع إرادته على الله) رُزِق محبة رسول الله ،  واستولت روحانيته على قلبه،  فجعله إمامه ومعلمه،  وأستاذه وشيخه وقُدوته،  كما جعله الله نبيَّه ورسوله وهاديا إليه. فيطالع سيرته ومبَادئ أمره،  وكيفية نزول الوحي عليه،  ويعرف صفاتِه وأخلاقَه في حركاته وسكونه،  ويقظته ومنامه،  وعبادته ومعاشرته لأهله وأصحابه،  حتى يصير كأنه معه،  من بعض أصحابه.”.

فالإهتمام بدراسة سيرة الحبيب  وبتفاصيل حياته لازمة من لوازم اتباعه في جليل الأمر وهينه، ومن علامات اتباعه ومحبته الاقتداء بما ورد فيها من أمور حياته ووصاياه لأمته ، هذا فضلا عن الاستماع لشرائط السيرة النبوية التي تتحدث عن أخلاقه وسيرته وغزواته وصفاته.

——-

ذ.رشيد كهوس

طالب باحث بجامعة محمد الأول كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة-المغرب-وحدة التكوين والبحث:”فقه الأسرة والتحولات المعاصرة”.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *