هذا أبونا، وهذه ملتنا، وهذا رسولنا،


فلماذا العودة إلى الجاهلية الجهلاء، والضلالة العمياء؟

قال  : >أنا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهيمَ وَ بُشْرَى عِيسَى<. وأُمَّةُ الْإِسْلاَمِ أَيْضاً : دَعْوَةُ أَبِيهَا إِبْرَاهِيمَ علَيْهِ وَعَلَى الأَنبِيَاءِ السلام

المعروف دائما بَيْن كُلِّ الناس أن الذي يولَدُ بدون أَبٍ شرعي له يُعتبر “لقيطا” أي لا نسَب له معترفاً به، لأن الأولاد ينتسبون لآبائهم ـ وإذا أخذتْه عائلة أو قبيلة وربَّتْه أو انتسب إليها فهو “دَعِيٌّ” أي يُنسب إليها دعوة لا أصالةً، وإذا خانتْ زوجة زَوْجها وحَمَلَتْ من الزاني ونسَبَتْه للزوج الشرعي كانتْ عند الله عزوجل “مُزَوِّرَةً” لأنها زوَّرت المنتوج الإنساني الذي هو أكْرَمُ منتوج صَانَ الله تعالى نسله وعرضه وأحاطه بجميع الواقيات والحاميات، ولهذا كان تزويرُ معْدِن الانسان أخَسَّ مهنة يقترفُها من لا خَلاق له، قال  :”أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَت عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَلَيسَتْ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ وَلَنْ يُدْخِلَهَا اللَّهُ جَنَّتَهُ” ـ أبو داود وغيره ـ

أيْ أنها ساقطةُ الاعتبار في ميزان الله تعالى، بل إن الرسول  سماها “عاهِراً” وللعاهِر النبْذُ من المجتمع، والطَّردُ من انتسابها لآدمية المجتمع الراقي المتحضر المصون “وللْعَاهِر الحجَرُ” رواه الخمسة ـ إن الفرد اللقيط يعيش طول حياته معقَّدا متأزما يشعر بالدونية والصغار مهما تسلق وتعالى وتكبر وتعالى.

هذا في الإنسان الفرد اللقيط؟ فما بالُك بالمجتمع اللقيط؟ فما بالك بالأمة اللقيطة؟ مع اعتبار الفرق طبعا بين نسب الفرد ونسب الأمة.

فما هي الأمة اللقيطة؟

الأمة اللقيطة هي الأمة التي لا نسب لها من دينٍ صحيح يربطها بربّها الذي منه جاءتْ، وإليه راجعة، وعليه معتمدة، وبمنهاجه مستضيئة، وبعنايته محاطة، وبقوته منتصرة.

فالأمة اللقيطة هي التي  تتسَوَّق الأديان والمعتقدات التي لا تقوم على أي أساسٍ عقلي مقنع، وهي التي تستورد المرقّعات الفكرية والنظرية والفلسفية قصد إشباع الخواء الروحي الذي تشعر به أثناء ممارستها لبعض الطقوس العبادية، أو أثناء ممارستها لتعذيب الذات في الشهوات والمحرمات، أو أثناء ممارستها لبعض المُلْهيات الفاتنات، أو أثناء ممارستها لبعض الحروب والعدوانيات… فكل ذلك وغيره مَلْءٌ للفراغٍ الذي يتركه غياب الدين الصحيح في الأنفس القلِقة التالِفة التائهة، التي لا بوصلَةَ لها تضبط لها الاتجاه الصحيح في المكان والزمان، وفي الفكر والعقيدة والعمل والسلوك، وفي العلاقة بالحياة والأحياء، والعلاقة بالمادة والجماد، والعلاقة بالحُكم والسياسة والرعاية للمصالح الإنسانية إلى غير ذلك من مختلف العلاقات.

فهل الأمة الإسلامية من هذا النوع؟

الأمة الإسلامية قديمة قِدم الوجود الإنساني على ظهر الأرض، فهي :

1- أوجدها الله تعالى منذ أن أمر الله تعالى أبانا آدم عليه السلام بالنزول إلى الأرض مع عدوه إبليس المَلْعُون، وقال لهم : {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَميعا فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون والذِين كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهاَ خَالِدُونَ}البقرة : 37-38)

فسار الانسان يدرج في سُلَّم الحضارة موزع الميول والأهواء، فمن كان هواه تباعا لهدى الله تعالى فإن الله عز وجل كان يرعاه ويتعهده ببعث بعض الأنبياء والهداة له يرشدون خطوه، ويثبتونه على الطريق، ومن كانت تغلبُه شِقوته كان يلقى  مصيرَه نكالا في الدنيا والآخرة.

2- أوجدها للمرة الثانية منذ استغاثة نوح ـ عليه السلام ـ بربه معترفا بغلبة الكفر عليه، طالبا منه الانتصار لدينه، فكانت الاستجابة السريعة، وكان التدمير السريع للكفر وأهله، وإبقاء الأمة المومنة وحدها على سطح الأرض لتستأنف الحياة من جديد على هدى الله تعالى وشرعه. {ولَقَدْ نَادَاناَ نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ ونَجَّيْنَاهُ وأَهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظيمِ وجَعَلْنَا ذُرِّيَتَهُ هُمُ الْباقِينَ}(الصافات : 74).

3- كان الأمَلُ بوجود أمة ربَّانية بقيادة رسول رباني تناسبُ المستوى الفكري والعلمي والروحي للإنسان في عصر تكاثره، وتعدُّد مساكنه وخِبراته، كان هذا الأمل في عهد سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي كان وحْدَهُ أُمَّة {إِنَّ إِبْرَاهيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ}(النحل : 119) حيث قال طالبا من الله تعالى أن يحقِّقَ له هذا الأَمَلَ : {ربَّنَا واجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْعَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحيمُ ربَّنَا وابْعَثْ فيهم رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَليْهِمْ آيَاتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهمْ إِنَّكَ أنْتَ العَزيزُ الْحَكِيمُ}(البقرة : 127)

فالطلبُ الدعائي الإبراهيمي كان طلَب إخراج أمة بقائدها مصحوبا بدستور مرجعي، وبرنامج عملي كفيل بإخراج الأمة الفريدة  التي تستحق أن تكون من صُلْبِ إبراهيم دينا ومِلَّةً وحنيفية سمحة، وتستحق بعد ذلك أن يخبرها الله تعالى  بأن الطَّلب قد قُبل فعلا، وأن تسجيل النسب تمَّ نهائيا، وأصبحنا دعوةً ومِلَّةً وقنوتا وإمامة من ورثة إبراهيم عليه السلام {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمُ إِبْراهيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وفي هَذا لِيَكُونَ الرَّسُول شَهيداً عَلَيْكُمْ وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ}(الحج : 77)

وعَلِم الله العليم أن هناك ورثة مزَوَّرين سيأتون ولا يتشرَّفُون بالانتساب إلى مِلَّة أبيهم بَلْ خَيَّلَتْ لهم توهُّماتهم الشيطانية أن أباهم هو الذي سيتشرف بما أحدثوه من يهودية ملعونة، ونصرانية ضالة، وشركية ممسوخة، فالكل خَرَّف وافترى، وكذب على الله تعالى فهوى، وتمسَّح بإبراهيم عليه السلام، فقالوا : كان يهوديا، وكان نصرانيا، وكان مشركا… فقَمَع الله تعالى هؤلاء الكذابين كلهم بقوله {أَمْ يَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وإسْمَاعيلَ وإِسْحَاقَ ويَعْقُوبَ والأسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى؟ قُلْ آنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه؟ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ؟ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} فقد فضحهم بالجهل والكذب والتزوير والظلم لأنفسهم وللدين وللتاريخ وللناس ولأبيهم إبراهيم عليه السلام، فهم أولادٌ عاقُّون وورثة خبثاء سفهاء، يستحقون الطرد من سلالة إبراهيم ـ عليه السلام ـ المِليَّة.

ولكي لا يُبقِيَ الله تعالى ورثة إبراهيم عليه السلام الحقيقيين في حَيْرة بين هذه الافتراءات والادعاءات قال لهم ـ مبينا لهم المنهج الإيماني الصحيح. {قُولُوا آمَنَّا باللَّهِ ومَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وماَ أُنْزِلَ إلَى إِبْراهِيمَ وإِسْمَاعيلَ وإِسْحَاق ويعْقُوبَ والاسْبَاطِ ومَاأُوتِيَ مُوسَى وعيسى ومَا أُوتِيَ النَّبيئُون مِنْ رَبِّهِمْ لا َنُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}(البقرة : 135).

أما ما يروّجونه من الباطل بقولهم {كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} فالجواب القامع هو : {قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكين}(البقرة : 134).

أي الهداية الحقيقية في اتباع ملة إبراهيم الحنيفية البعيدة عن كل المفتريات التي استحدثهاقساة القلوب، وغُواة الضلالة، وعُبّاد الأهواء والشهوات.

ثم جَدَّد الله تعالى العهد لهذه الأمة ونبيها قائدها المُخْرَجَيْن للوجود بفضل دعوة أبينا وسيدنا إبراهيم عليه السلام، فقال ـ في وثيقة تجديدية لا تبلى ـ {إِنَّ أَوْلَى  النّاسِ بِإِبْرَاهيِمَ لَلذينَ اتَّبَعُوهَ وَهَذا النبي والذين آمَنُوا واللَّهُ وَلِــيُّ المُومِنِينَ}(آل عمران : 67).

فنحن ـ أمةَ الإسلام بقائدها محمد  ورثة إبراهيم حقا وصدقا، دعاءً وطلَباً، وإخراجاً ووجودا، وتصديقا من الله تعالى واجتباءً واختيارا ربَّانيّاً لنكون أمناء على الرسالة الربانية إلى يوم القيامة {هُوَ ـ إبراهيم عليه السلام ـ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِين مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيكُونَ الرَّسُول شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ علَى النَّاسِ}(الحج : 77).

هذا شرفٌ أشرفُ من الشرف نفسه لو عقلهُ العاقلون من هذه الأمة اليوم كما عقله الأولون، فقالوا لبيك ياربنا، نفوسنا وأموالنا وكل عزيز علينا فداءٌ لهذا الشرف، ولهذا الفضل العظيم.

فهل نحن أمةُ اللقطاء؟ فهل يليقُ بنا أن نتسوَّل ونَسْتَجْدِي الفُتاتَ والأسْمَال والمرقعات؟ فهل أمَّة الهدى تسْتجدي الضلال؟ وهل أمة النورَ تستجدي الظلام. تلك هي المشكلة !! وذلك هو حجَر الزاوية في عصر كثر فيه السفهاء وأصبح دَيْدَنُهم إطفاء النور واستحْلاءَ المشي في ظلام الزيغ والضلال والمتاهات المسدودة الآفاق.

خصوصا إذا عرفنا أن قائد هذه الأمة المبعوث بفضل من الله ورحمة، واستجابة لطلب أبينا إبراهيم عليه السلام، لَمْ يُبْعَثْ خاويَ الوفاض من المشاريع الإعمارية في الدنيا والآخرة، ولكنه  بُعث بمرجعية أصيلة مؤصلة، وببرنامج عملي متدرج مصادَقٍ عليه من رب العزة والجبروت.

أما المرجعية فهي :

{يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ} أي أن هذه الأمة وُلِدَت من السماء، أي من رَحِم القرآن، والقرآن من السماء نزل، فأصلها من السماء، وهِمتها في السماء، وغايتها الخلود في عُلَى السماوات في ظلال من لاظل إلا ظله يوم القيامة.

أما مهمتها في الأرض فهي أن تقول {سَمِعْنَا وأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} {وَأَنْتَ مَوْلاَنَا} {وَأَنْتَ نِعْمَ المَوْلَى ونِعْمَ النَّصيرُ}

أما البرنامج العملي فهو يتضمن :

أولا ـ تعليمهم العلم النازل في آيات الكتاب تعليما خاليا من مطالب التراب، وأشواق التراب، وأهواء التراب، تعليما يرفع الروح للعلياء، وينتشل رُوحَ الدَّهْمَاء من مطالب الرمضاء لإخراج أجيال بشرية بأرواح وأشواق ملائكية.

ثانيا : تعليمهم الحكمة التي تجعلهم يعرفون كيف ينزِّلون آيات الكتاب على الواقع المعيش فلا تجافيه، ولا تعاديه، ولا تصادمه، ولكن ترفض ما يستحق الرفض، وتصحح النية فيما هو صالح، وتُعدِّل ما يحتاج للتعديل، وتصْبِر فيما لا قُدرة على تغييره إلىأن يحين وقت الزحف عليه، وتتدرج فيما يستحق تناولُهُ على جُرْعات وحُقن متوازنة متصاعدة. إنها الحكمة التي لا غنى عنها في أي زمان أو مكان، وإنها الحكمة التي خَصَّ الله تعالى بها أنبياءه ورسله وأصفياءهُ من ورثة الرسل والأنبياء.

ثالثا : تزكية الأنفس بتعليمها أن ربَّ الكون والخلق هو الأجْدَرُ وحده بالعبادة والتقوى، وهو الأجدر وحده بالرجاء والدعاء والنجوى، وعلى هذا ينبغي أن تصحح المقاصد والنوايا في كل الأعمال والنشاطات والتحركات والسكنات، حتى يكون الإنسان عابدا له في كل أحواله.

وبعد :

فهذا أبونا، وهذه ملتنا، وهذا رسول الله  قائدنا وقدوتنا، وهذه مرجعيتنا، وهذا برنامج عملنا، وهذه أهدافنا القريبة والبعيدة، ليس في كل ذلك ما يعيب أو يضر أحدا، فلماذا النكوص والرجوع لظلام الجاهلية الجهلاء، والضلالة العمياء، سواء كانت ضلالة العصبية الفكرية، أو العصبية الحداثية، أو العصبية  العرقية والجنسية، أو العصبية القومية، أو العصبية العلمانية، أو العصبية اليسارية أو اليمينية، أو العصبية المذهبية أو العصبية الحزبية؟

مع العلم أن الله عز وجل ما ختم هذا الدين إلا وهو يَعْلم أن الإنسان قد بلغ أوجه العلمي، والفكري، والإدراكي، بحيث لم يَبْق له إلا أن يكرر التجارب والتاريخ بأساليب متنوعة، ولذلك كان الإسلام كاملا شاملا، بحيث يستطيع استيعاب كُلِّ الاجتهادات البشرية في أي ميدان بشرطين :

– أن يكون المقصود من كل المخترعات العلمية والفكرية والإنتاجية والمادية إعلاء كلمة الله تعالى لنيل رضاه.

– وأن يحافظ على الثوابت من الأركان والفروض والمحرمات، لأنها أساس الحفاظ على كيان الإنسان.

أنعجب بعد أن يقول الرسول  في إيجاز وإعجاز >أنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهيمَ، وبُشْرَى عيسَى، وَرَأَتْ أُمِّي أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ<(رواه أحمد والحاكم).

لنقول نحن ـ أمة الإسلام ـ ونحن كذلك دعوة أبينا إبراهيم عليه السلام.

نقولها بشرف وتواضع لله تعالى  الذي طوقنا بهذا الفضل العظيم، ونسأله أن يعييننا على السمو بالرسالة الموروثة، ويعطينا القوة والحكمة والتوفيق والسداد لإنهاض الهمم الفاترة، واستنقاذِ ما أمكن استنقاذُه من الغرقى في وَحَل أطيان الشهوات واللذائذ العابرة.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *