لو كان المقتولُ المسلمُ هو القاتلَ لقامت الدنيا وما قعدت!!


نشر بجريدة مغربية هذا الخبر

“مقتل شاب مغربي (مسلم) برصاصات طائشة بأمريكا”

هذا عنوان الخبر،  أما ما يليه من تفصيل وتعليق فكانت بدايته كما يلي “رصاصاتٌ طائشةٌ أُُطْلِقَتْ من سلاح رجل مُختل عقليا بمدينة ميامي بولاية فلوريدا الأمريكية الخميس الماضي، كانت كافية لتضع حداً لحياة شاب مغربي في ربيعه الثاني والعشرين وتنتهي إلى الأبد طموحاتهُ المستقبلية..”(2005/3/21).

ويستمر المقال في التعريف بالشاب المغربي وبوالده المغامر الجريئ الذي شغل الأمن الداخلي والدولي، وفي الحديث عن هجرة الشاب المغربي إلى أمريكا وطموحاتِه في تحقيق المستوى العلمي والرياضي اللائقيْن في تلك الديار..

< عناصر الخبر :

– مقتلُ شاب مغربي يبلغ من العمر 22 سنة.

– برصاصة طَائشة.

– أطْلٍقتْ.(مبني للمجهول)

– من سلاح رجل مُخْتَلٍّ عقليا.

– بمدينة ميامي بولاية فلوريدا الأمريكية.

– الخميس الماضي.

– ثم جاء التعريف بالشاب وبوالده ومغامرات الوالد وطموحاته المالية غير المشروعة، ثم طموحات الشاب المشروعة التي أخمدتها تلك الرصاصات الطائشة.

أضربُ صفحاً عن تحليل مَسَاق الخبر وتقنيته في جريدة من العالم الثالث المظلوم المقهور، وأعذر محرره الذي أفْتَرِضُُ فيه دائماً حسن النية لأنه منَّا وإلينا، لكن لا يغيب هنا عنصر “الغفلة” ولا يفوتني أن ألفت الأنظار الفَطِنة وغير الفَطِنة إلى أن هذ الحدث الفظيعَ والجرمَ الخطيرَ أخرجَه مصدرُ الخبر الأصلي -أي الوكالات الاخبارية الأمريكية التي لم يشر إليها محرر الخبر المغربي- إخراجاً بارعا يتسق والأخلاقَ السياسيةَ الأمريكية : فالضحية المغربية قُتل برصاصات طائشة أُطلِقَت من سلاح رجلٍ مختلٍّ عقليا.

بما أن القتيل مغربي مسلم، فإن مقتله كان برصاصات طائشة. وطائشةٌ اسمُ فاعل من فِعْل طَاشَوالمصدرُ : الطَّيْش وهو خفة العقل والنّزقُ، وطيشُ العقل ذهابُه حتى إن صاحبَه يجهلُ ما يفعلُ. وعرَّف بعضُهم السُّكرَ : “إذا طاشت رِجلاه واختلط كلامُه”، ومعنى ذلك : أن هذه الرصاصاتِ كانت طائشة أي لم تقصِد الهدف ولم ترد الاستقرار في دماغِه وقلبه، ومقتله. وهذه الرصاصات انطلقت من “سلاح” رجل أي لم تنطلق من الرجل المسلح بل من سلاح رجل.. ومَن هو هذا الرجل؟ إنه مختلّ عقْلِيّا أي غيرُ مكلَّف حسَب الفقه الاسلامي ولا مسؤول حسبَ القوانين، فهو مختل عقليا لا عاطفياً أي إنه مجنون!!. ما اسمه؟ ما عمله؟ كمْ عمره؟ ما هي سوابقه؟ كم قَتَل من مواطنيه؟ أين أطباؤه؟ أين كان يعالج؟ إلى آخر الأسئلة التي ترد على عقل المحققين.

ومهما يكن من شيء فلا فائدة في إثارة الأسئلة وكثرة الافتراضات، فالمقتول مغربيّ مسلم، وهذا يكفي لأن يكون مقتله أمراً عادياً لا يستحق حتى الإعلان عن خبرمقتله، والقاتلأمريكي، الذي إن كانت فعلته مبررة كالدفاع عن النفس ضداً على الإرهاب والإجرام ذكروا بطولته وشجاعته وقدرته على التصدي للمعتدي، أما إذا كان القتل عدواناً وكان المقتول مسلما فالقاتل الأمريكي أقل ما يقال فيه : “إن رصاصاته انطلقت من سلاح (لامنه) رجل مختل عقلياأو أن الضحية المسلمة ربّما ماتت منتحرةً مثل الشّابة الجزائرية حسيبة بلبشير التي سجنت بأمريكا وقتلت بالسجن ورغم أنها تحمل جوازاً فرنسيا فإن السفارة الفرنسية بواشنطن صرحت أنها لا علم لها بالحادث”(الشرق الأوسط 2005/3/25).. وجفت الأقلام وطويت الصحف ولا يُسألُ  الأمريكي عما فَعَل، وأنتم يَا مسلمون تُسألون.. فلو كان المقتول أمريكيا والقاتل مسلماً لأوردوا الخبر بأسلوب آخر ولكان الاخراجُ هوليودياً مناسباً ومتنوعاً ولتناقلتْه جميعُ الوكالات الكبيرة والوُكَيْلات التابعة لها في العالم الثالث، ولتنافست الفضائيات العالميةفي توسيع الموضوع وتحليل الحدث والبحث عن جذور القاتل وعلاقاته بالقاعدة و”الشذوذ”، ولكانت العناوين كبيرة الخطوط بعبارات مثيرة مثل : “الإرهاب في قلب ميامي”، “إرهابي مسلم يروع فلوريدا”، “القاعدة تغزو أمريكا من جديد..” “القاتل كان معه مصحف مطبوع في مكة أو الخرطوم.”. “الإرهابي كان بالسودان..” “شاهد يقول إن الإرهابي تدرب في الفلوجة..”.

لو كان القاتل مسلماً وحتى ولو كان معتوها ومختلّ العقل لصيّرُوه عاقلا ولقامت الدنيا وما قعدت، ولرأيت الصحافة المغفلة أوالعميلة أو المؤسسة على أن تبث في المجتمعات المتخلفة الاسلامية روح الديمقراطية كما وقع في الفيتنام وأفغانستان والعراق الآن، تتفنن في نقل ما كتب أو صور أو علق في الموضوع، بل ربما تبرعت بما يقربها زلفى لأسيادها..

إن أرواح المسلمين أرخص ما في سوق الارهاب الحقيقي والاجرام الحقيقي والظلم الواضح والطغيان الفاضح. وبالأمس.. قام أحدهم بالهجوم على المصلين في الحرم القدسي وقتل وجرح العشرات، وقيل آنذاك إنه مختل عقليا.. لكن حزبه وأشياعه يزورونه على أنه أحد القديسين لأنه فتك بالمسلمين الراكعين الساجدين المسالمين شيوخاً وشباباً…

لعل هذا المختل عقليا بميامي يصبح قبره مزارةً مشهورة لأن رصاصات طائشة انطلقت من سلاحه وهو مختل عقلياً..

ويبدو أن هذا النوع من القديسين وعبّادهم وزوارهم كلهم مختلون عقليّاً..

د.عبد السلام الهراس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *