بمناسبة الذكرى الأولى لاستشهاده : المقاومة المسلحة في فكر وسلوك الشيخ الشهيد أحمد ياسين


 

لاشك أن الجهاد في سبيل الله يصبح فرض عين على الأمة الإسلامية إذا تعرضت الأمة أو أحد أجزائها لعدوانٍ أو احتلال.. هنا وجب على الأمة أن تدافع عن نفسها وأن ترد العدوان بمختلف الوسائل المتاحة التي تمكنها من تحقيق ذلك الهدف… وكان هذا هو منهج حركة الإخوان التي اتخذت الإسلام منهجاً وخطاً أساسياً يحدد معالم سياساتها وتصوراتها.

وفي هذا المجال يقول الأستاذ الدكتور العلامة المجاهد يوسف القرضاوي في كتابه “الإخوان المسلمون” (عملت الحركة الإسلامية على إحياء معنى الجهاد الإسلامي ولم تقف به عند جهاد النفس والشيطان بل تعدى ذلك ليشمل جهاد قوي الاستعمار في الخارج وقوى الطغيان في الداخل.. وجعلت الحركة جهادها حول محورين: تحقيق الفكرة الإسلامية، وتحرير الأرض الإسلامية..

وتحقيق الفكرة الإسلامية تعني تحقيق حياة إسلامية متكاملة أما تحرير الأرض فيعني: أن كل أرض دخلها الإسلام وأقام بها حكمه وارتفعت فيها مآذنه يجب أن تحرّر من كل سلطان أجنبي كافر وكل حكم طاغوتي فاجر وهذا فرض عين على أهلها… وعلى المسلمين في أنحاء الأرض أن يساعدوهم بما يستطيعوا من مال ورجال وعتاد حتى ينتصروا… وقد جعلت الحركة شعارها وعلمها مصحفاً يحوطه سيفان وتحته عبارة (واعدوا) كما جعلت هتافاتها الرئيسية (الجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا)(1).

وقد قامت الحركة بدخول ميادين الجهاد في مناطق شتى في سبيل تحقيق تلك الرسالة السامية سواء كان في حرب فلسطين عام 1948م أو في قتال الإنجليز في مصر أو في قتال الروس في أفغانستان أو في قتال الأمريكان في العراق أو في قتال اليهود في فلسطين لتحرير أرض النبوات من رجس الصهيونية وتحرير الأرض المباركة.

ياسين على خطى الإخوان المسلمين

لقدأدرك الشيخ أحمد ياسين بحسّه الإسلامي وأثناء قيادته للحركة الإسلامية في فلسطين أن عليه واجب الاستمرار في هذه السياسة إذ إنه أدرك ككل مجاهد أن الجهاد في سبيل الله يحي روح الأمة ويعيد إليها الحياة وإذا غاب غابت الأمة عن روحها وأصبحت فريسة لأعدائها لذلك كان نزوعه للعمل الجهادي منذ بداية قيادته للحركة كبيرا إذ إن هذا الأمر لم يغب عن باله مطلقاً وكان يقول “إذا اعتقد أحد أن الشعب الفلسطيني سيتنازل عن أرضه وحقوقه فهو واهم… أن أي خطوة فيها تنازل عن حقنا هي مرفوضة مطلقاً ولن تقبل إلا بعودة كل فلسطين ولابد أن تستمر المقاومة حتى رحيل الاحتلال عن أرضنا ومقدساتنا”(2).

لقد آمن الشيخ الشهيد أن العمل لفلسطين لا حدود له، وأن فجر النصر آتٍ لا محالة رغم الظلام الحالك الذي يلف الأمة وأن الدم والمشاركة في الجهاد ضد المحتل لا تكون من بعيد… وأن هناك طريقاً آخر غير طريق الخنوعوالاستسلام أو القبول بالفتات أو انتظار ما يسمح به العدو الإسرائيلي بالتنازل عنه ألا وهو طريق الجهاد والاستشهاد… لقد آمن الشيخ بأن مقاومة المحتل لا تتحمل المواقف الوسط ولا المهادنة ولا التأجيل ولا الاستراحة، وأن الطريق إلى فلسطين يمر فقط عبر فوهة البندقية(3)، كما أكد أن الجهد الأعظم سوف يرسخ لخدمة هذه القضية وأنه لن يسمح لأية قضية جانبية أن تطغى على الهدف الأساسي وهو مقاومة الاحتلال(4).

كان الشيخ يعتقد أن الجهاد الذي يسري في الأمة كالنار التي تسلط على الذهب تزيل منه الخبث فعلى الرغم من شده وطأته وقسوته مقدماته وتطوره ونتائجه إلا أنه ضروري.

لقد نما هذا الإدراك في ذهن الشيخ الشهيد رحمه الله منذ بداية رجولته المبكرة ومنذ توليه زمام الأمور وبالذات بعد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية عام 1967م، إلا أن النهج الذي رسمه مع إخوانه كان يستند إلى أن الجهاد إذا بدأ فيجب أن يستمر وألا يتوقف وأن بناء الحركة للشباب في فلسطين على هذا الفهم كان أمراً ضرورياً… وبالتالي كان لا بد من التأهيل العقَدي والفكري وزرع روح الاستعداد للتضحية بالروح والمال… لقد كان الشيخ أحمد رحمه الله بين خطين يتنازعانه :

الأول: هو البدء في عملية الجهاد.

والثاني: تجهيز الأرضية الإيمانية اللازمة لذلك.

واستطاع أن يسير في الخطين معاً ولكن بدرجات تتفاوت، ويساير المنهج العام للدعوة الإسلامية التي يقودها، فالجهاد عملية كبيرة تبدأ بمقدمات ضرورية مثل الإعداد الإيماني والنفسي، ثم إيجاد السلاح والتدرب عليه، ثم الانطلاق إلى العمل الجهادي.

الشيخ يبدأ التخطيط للعمل الجهادي

كان الشيخ رغم إعاقته مندفعاً بقوة نحو العمل الجهادي الذي آمن بأنه الطريق الوحيد الذي يمكن أن يعيد العزة والكرامة ليس للشعب الفلسطيني فحسب ولكن للأمة الإسلامية وأنه الوحيد القادر علىتحقيق التحرير وقد صاحبت هذه القناعة الشيخ منذ صغره إذ أنه منذ بلوغه سن العشرين بدأ في المشاركة في العمل الوطني أثناء العدوان الثلاثي حيث شارك في المظاهرات التي اندلعت في غزة احتجاجاً على العدوان الثلاثي، وحينها أظهر الشيخ قدرات خطابية وتنظيمية، واستطاع أن ينشط مع إخوانه في رفض الإشراف الدولي على غزة مؤكداً على ضرورة عودة الإقليم إلى الإدارة المصرية(5).

ولقد ذكر أحد أخوانه الذي ساعدوا في الإعداد للعمل الجهادي الإسلامي: “كنا كل جلسة نقرّع في أبي محمد وهو يريد أن يحارب ويطخ”(6).

لقد كان الشيخ أحمد رحمه الله في بدايات العمل العسكري الذي قامت به فصائل منظمة التحرير الفلسطينية بعد عدوان عام 1967 يشعر بالجرح الشديد عندما كان يرى غير الإسلاميين يقومون بممارسة العملية الجهادية والإخوان لم يبدؤوا بعد في الإعداد… فقد كان رأي إخوانه في القيادة أن بناء الدعوة لم يصلبعد إلى المرحلة المناسبة من الإعداد وتربية الشباب وإيجاد السلاح وأن عليه أن ينتظر مدة أخرى…  كان دائماً يحاول أن يتغلب على نوازعه ويقنع نفسه والآخرين بالصبر وبأن الجهاد لا يبنى إلا على صواب ، وهو حق وفرض شرعي في حق الإنسان الفلسطيني لابد من أن ينطلق من إيمان راسخ وإعداد متأن لا من اندفاع شعوري تؤثر فيه الظروف المواكبة.

مع ذلك فقد بادر بخطوات صغيرة انفرد بها عن إخوانه وذلك أنه زجّ ببعض من أبناء حركته في صفوف المنظمات الفلسطينية المقاومة آنذاك كي يتعلموا ويتدربوا ويقوموا بعد ذلك بنقل التجربة إلى إخوانهم وكان في كل لقاء مع هؤلاء الشباب الذين كانوا يجاهدون يشعر بالاعتزاز والرغبة في الانطلاق نحو العمل العسكري إذ كانت هذه اللقاءات تعطيه دفعات نفسية كبيرة.

لقد حفّز الشيخَ للعمل الجهادي الكثيرُ من الأسباب ومن بينها الانتقاد المستمر من فصائل العمل الوطني للإسلاميين بأنهم خائفون وأن العجز والجبن يعيش في قلوبهم وأنهم ليسوا أكثر من مشايخ طعام وشراب لا مشايخ جهاد وأنهم رجعيون ! -حسبما كانوا يرددونه ساخرين- .

في بداية الثمانينات بدأت الأرضية الإسلامية في الاستقرار وبدأ التنظيم الذي أسسه الشيخ أحمد في النضوج العقَدي والسلوكي،وما دفعه إلى التفكير الجدي في بدء العملية الجهادية هو ما آلت إليه القضية الفلسطينية بعد ضرب قوات الثورة الفلسطينية في لبنان وتشتيتها في البلاد العربية البعيدة عن فلسطين، ثم ما تلا ذلك من مذابح ارتكبت بحق أبناء الشعب الفلسطيني في صبرا وشتيلا وهم لا يستطيعون الرد ولا الدفاع عن أنفسهم.

لم يغمط الشيخ الشهيد حق أي عمل عسكري نضالي أو جهادي بذلته الفصائل الفلسطينية الأخرى، ولكنه نظر إلى أي عمل من بعيد عن الرؤية الإسلامية على أنه عمل أبتر، وغير مكتمل ، ولم يحصل على التوجيه الأمثل. لذلك جاء تناقضه مع منظمة التحرير آنذاك على هذه القاعدة، فقد ذكر أنه لا يوجد تناقص بينه وبين منظمة التحرير سوى على العمل بالإسلام والأخذ بما فيه، فهو يريد لمنظمة التحرير أن تجعل من الإسلام عقيدة وأيدلوجية تحكم العمل لأن القضية الفلسطينية هي قضية إسلامية في الأساس وأنه لن يكتب لها النجاح إلا بربطها بالإسلام الذي سوف يعيد لها زخمها العالمي وسوف يربطها بالله الذي يكتب النصر لمن يشاء..

عندما قررت الحركة في مطلع الثمانينات أن تبدأ التحضير للعمل الجهادي كانت تفتقد إلى الخبرة اللازمة في ميدان الإعداد البشري كما كانت تفتقد السلاح الذي سوف يستخدم وكذلك الأموال وهذه هي العناصر الأساسية اللازمة للانطلاق بالإضافة إلى الإعداد الإيماني الذي ظن الشيخ أنه أصبح متوفراً. كما أن الشباب الذين وضعهم الشيخ في التنظيمات الأخرى سجنوا نتيجة لانكشاف أعمالهم العسكرية، لذلك فكر في بداية مناسبة فاهتدى مع إخوانه في قيادة الحركة إلى تكوين مجلس عسكري يشرف على الإعداد لعناصر العملية الجهادية وتكون المجلس العسكري آنذاك من السادة الدكتور الشهيد إبراهيم المقادمة والدكتور أحمد الملح والشيخ عبد الرحمن تمراز أبو ماهر لتنفيذ مهام المجلس التي تستند في الأصل إلى ضرورة وجود الأموال فأرسل الشيخ أحمد ياسين رحمه الله الشيخ عبد الرحمن تمراز للاتصال بقيادات الحركة الإسلامية في الأردن للحصول على الأموال اللازمة للانطلاق، وفعلاً قابل الشيخ عبد الرحمن الأستاذ يوسف العظم وطلب منه أن يعاونه في الحصول على الأموال لشراء السلاح و حصل الشيخ تمراز على مبلغ من المال من بعض الجهات.

انطلق المجلس العسكري بأعضائه الثلاثة في رحلات مكثفة لجمع السلاح من كل مكان ممكن، وبالتعاون مع كل شخص لديه خبرة في هذا المجال.

لم يكن جميع الأشخاص الذين تم التعامل معهم وخصوصاً تجار السلاح نظيفين إذ يبدو أن المخابرات الإسرائيلية استطاعت أن تجند البعض منهم لصالحها لمتابعة موضوعات شراء ونقل السلاح وخوفاً من وقوعه في يد المقاومة الفلسطينية، فوصل الخبر إلى جهاز الأمن الإسرائيلي الشاباك الذي بدأ يراقب العملية عن كثب(7).

في هذه الأثناء استطاعت الحركة أن تحصل على كميات لا بأس بها من السلاح وتخزنه في مواقع متفرقة وبين أشخاص متفرقين في مناطق ومواقع متعددة بين قطاع غزة.

-يتبع-

——–

1- الدكتور يوسف القرضاوي: الإخوان المسلمون، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان 2001 (ص233-235).

2- حوار مع الشيخ أحمد ياسين: شبكة العربي 15/12/1425هـ.

3- مقال وترجل الشيخ: بقلم عادل أبو هاشم، شبكة الإنترنت للإعلام العربي، 15/12/1425هـ.

4- حوار مع الشيخ: المصدر السابق.

5- أحمد ياسين، ويكيبديا http// ar.wikipeda.org

6- الدكتور عاطف عدوان: الشيخ أحمد ياسين حياته وجهاده، غزة، بدون ناشر،1991م، (ص110-111).

7- الدكتور عاطف عدوان: مرجع سابق، (ص116-118).

> عن موقع المركز الفلسطيني للإعلام

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *