اخراج الأمة المسلمة وعوامل صحتها ومرضها


المرحلة الثانية : مرحلة مرض الأمة (مرحلة الدوران في فلك الأشخاص)

الطور الثاني :

طور الولاء للعشيرة ونظرائها (كالطائفة، أو الحزب أو الإقليم) :

وتحول الأمة إلى وحدات قومية متنافسة، ينقل عدوى التنافس داخل كل قومية، أي بين قبائلها وطوائفها، الأمر الذي يؤدي إلى انحسارـ محور الولاية ـ من دائرة القوم إلى دائرة العشيرة أو الطائفة أو الإقليم أو المذهب أو الحزب، مما يهيئ إلى انحسار “المثل الأعلى” الموجه للحياة لتصبح حقيقته هي :

– دوران “الأفكار والأشياء” في فلك “أشخاص” العشيرة أو الطائفة أو الحزب أو الإقليم أو المذهب.

واتصاف (المثل الأعلى) بهذه الصفة يؤدي إلى انحسار عناصر الأمة، أي عناصر الإيمان، والهجرة، والجهاد والرسالة، والإيواء، والنصرة من دائرة القوم إلى دائرة العشيرة أو نظائرها، واستبدال مضامينها القومية بمضامين عشائرية، أو طائفية، أو إقليمية، أو مذهبية، أو حزبية، ثم تكون نتيجة هذا الانحسار هي تغير تركيب الأمة لتصبح معادلته كالتالي :

الأمة = الولاء للعشيرة (إيمان+هجرة ومهجر+ جهاد ورسالة+إيواء+نصرة)

= حمية عشائرية+هجرة عشائرية+جهاد ومصالح عشائرية+إيواء عشائري+نصرة عشائرية.

ومثلها معادلات الطائفة، أو الاقليم، أو الحزب، أو المذهب.

وفي طور الولاء للعشيرة(أو الطائفية أو الإقليم أو الحزب) تتعدد محاور الولاء في الأمة، طبقا لتعدد العشائر أو الطوائف أو الأقاليم أو الأحزاب المكونة للأمة. أي أن “الأمم القومية” المتجمعة في “بالون” الأمة، تمارس مزيدا من الانقسامات، فتتحول إلى أمم عشائرية أو طائفية تتنافس داخل إطار “بالون أمة الرسالة” وتضغط عليه لتمزقه. ولذلك تحدث مضاعفات مرضية في التربية والاجتماع.

الطور الثالث :

طور الولاء للأسرة :

تنتقل الأمة إلى هذا الطور، حين يصاب “المثل الأعلى” الذي يوجه حياة الأمة وعلاقاتها بمزيد من الانحسار وتصبح حقيقته هي :

– دوران الأفكار والأشياء في فلك “أشخاص الأسرة” ـ

– واتصاف المثل الأعلى بهذه الصفة يؤدي إلى انحسار محور الولاء من دائرة العشيرة أو الطائفية إلى دائرة الأسرة مما يهيئ أيضا لانحسار عناصر: الإيمان، والهجرة، والجهاد، والإيواء، والنصرة، إلى دائرة الأسرة لتستمد مضامينها منها وتتفاعل معها، وتكون المحصلة النهائية لهذا الانحسار كله هي تغير محتويات عناصر الأمة لتصبح معادلتها كالتالي :

الأمة= الولاء الأسري (إيمان+هجرة+جهاد ورسالة+إيواء+ نصرة) -> تعصب أسري+هجرة أسرية+كد أسري+نصرة أسرية.

حيث ينحسر (محور الولاء) من دائرة “أشخاص العشيرة” أو الطائفة، أو الإقليم، أو الحزب، إلى دائرة الولاء ل”أشخاص الاسرة”، ويصبح الطابع العام ل”المثل الأعلى” الذي يوجه الحياة العامة هو :

– دوران “الأفكار والأشياء” في فلك “أشخاص الأسرة” ـ

أما دائرة العشيرة، أو الطائفة، أو الحزب، أو الاقليم، فتتحول إلى صلة “نفاق” ومجاملات لا صلة ولاء : أي تنضم إلى مخزون أرصدة”الأفكار والقوم” ل “تتفق” مثلهما عند الحاجة من أجل ـ محور الولاء للأسرة ـ بينما تحول دائرتها ـ أي دائرة العشيرة ونظائرهاـ إلى منطقة جفاف اجتماعي لا يعود الذين يبقون على الولاء لها، إلا بالخيرات السلبية، والإحباطات، ومشاعر الخيبة، والعدمية.

وفي هذا الطور تتفاعل مضاعفات مرض الأمة، وتؤدي إلى مزيد من المضاعفات المرضية في مستوى التفاعل مع الخبرات الاجتماعية والكونية، وفي القدرات العقلية، وفي مستوى التفاعل مع أفكار الرسالة.

الطور الرابع :

طور ولاء الفرد لنفسه

أبرز ملامح هذا الطور هو تدني “المثل الأعلى” الموجه للحياة في الأمة لتصبح حقيقته هي :

– دوران “الأفكار والأشياء” في فلك “شخص الفرد” نفسه ـ

واتصاف المثل الأعلى بهذه الصفة يؤدي إلى انحسار ـ محور الولاء ـ من دائرة الأسرة إلىدائرة الفرد نفسه، مما يهيئ إلى انحسار عناصر الأمة : الإيمان، والهجرة، والجهاد والرسالة، والإيواء، والنصرة، وانكماشها في بؤرة الأنانية الفردية؛ وتكون المحصلة النهائية لهذا الانكماش هي تغير محتويات عناصر الأمة لتصبح معادلتها كالتالي :

الأمة = ولاء الفرد لنفسه(الإيمان+هجرة +جهاد ورسالة+إيواء+نصرة)

= أفراد أنانيون+هجرة فردية+جهاد فردي+إيواء فردي+نصرة فردية.

حيث ينحسر محور الولاء إلى “شخص” الفرد نفسه ويصبح الطابع العام هو :

– دوران “الأفكار والأشياء” حول “شخص” الفرد نفسه.

أما دائرة الأسرة فتتحول إلى صلة “نفاق” لا صلة ولاء، أي هي تنضم إلى مخزون أرصدة الأفكار والقوم والعشيرة ل”تنفق” عند الحاجة من أجل مصالح الفرد الخاصة.

وفي هذا الطور تتفاعل مضاعفات المرض وتدفع بالأمة إلى حالة النزع الذي تتمثل مظاهره فيما يلي :

أ- ضآلة التفاعل مع الخبرات الاجتماعية والكونية : يتفاقم انحسار التفاعل مع الخبرات الاجتماعية والكونية، تبعا لتفاقم انحسار”المثل الأعلى” في الأمة. ويكون التجسيد العملي لهذا التفاقم في ميدان التربية، حيث “يقرأ الفرد باسم نفسه” دونما أية فلسفة تربوية أو أهداف، وإنما يتدرب على ـ المعلومات والمهارات ـ التي تسوقه في أي مجتمع وتحت أي لواء. ولذلك يتحول إلى مواطن مرتزق يجوب الأرض للعمل تحت أي لواء، ويمنح لكل جهة ولاء.

ب- تفاقم انحسار مستوى التفاعل مع الرسالة :

في هذا الطور تصبح رسالة الفرد في الحياة أن يعيش طبقا لما يقتضيه محور ولائه لنفسه، وتصبح شبكة العلاقات الاجتماعية كما يلي :

يصبح محتوى ” الإيمان” بشهوات الفرد وتأمينها محددا ل”جنسيته وثقافته”، فهو قابل للذوبان في أية جنسية وفي أية ثقافة.

ويصبح المكان الذي يجد الفرد فيه قضاء مصالحه، هو “المهجر” الذي يشد إليه رحاله. ويصبح العمل لتأمين المصالح المذكورة هو مظهر”الجهاد” الذي يفرغ الفرد فيه طاقاته العقلية والنفسية والجسدية.

ويتحدد مفهوم “الإيواء” في : توفير الإقامة المريحة الزاخرة بمصالح الفرد نفسه.

ويتحدد مفهوم “النصرة” في : منافحة الفرد عن مصالحه الخاصة دون سواها.

ويتحدد مفهوم “الولاية” في : الأنانية الفردية، وتقديمها على أي شيء آخر.

وبلوغ الأمة ـ هذا الطورـ معناه تمزق شبكة العلاقات الاجتماعية، وتعطل الفاعلية الاجتماعية لعناصر الإيمان، والهجرة، والجهاد والرسالة، والإيواء، والنصرة، والولاية، وأبرز مظاهر هذا التعطل هو انفجار الأسرة، آخر الوحدات الاجتماعية في الأمة، وانصراف كل عضو فيها لشؤونه الخاصة دون سواه. وبلوغ الأمة هذه الحالة، يحولها إلى أكوام بشرية لاعلاقة بينها؛ ومعنى هذه الحالة  الدخول في المرحلة الثالثة : مرحلة الوفاة.

وأخيرا لابد من الانتباه إلى الملاحظات التالية :

الملاحظة الأولى؛ إن سلسلة الانحسارات المتوالية التي تمر بها الأمة، تتم بدرجة متفاوتة عند أفراد الأمة وجماعاتها، فقد يكون أناس على دائرة الولاء للأفكار، في الوقت الذي يكون آخرون على دائرة الولاء للقوم، وتتناثر الأكثرية على دوائر الولاء للعشيرة، والعائلة، والطائفة، والفرد.. وفي هذه الحالة، يعاني الذين يعيشون على الدوائر الواسعة، من “الاغتراب”الفكري والاجتماعي، ولا يكون لهم أثر في الأحداث أو إيقاف السرطانات الاجتماعية التي تؤدي بالأمة إلى الوفاة.

والملاحظة الثانية؛ ليس حتما أن تتوالى الا نحسارات حتى تنتهي بالأمة إلى الوفاة، فقد تقوم حركات مراجعة و”توبة” إصلاحية، ترد للأمة قسطا من العافية، أو تمنع زيادة الانحسار لمدة، وتنقلها من المرض إلى الصحة.

والملاحظة الثالثة؛ يمكن المحافظة على عافية الأمة وصحتها، إذا كان هناك رقابة و”توبة” دورية، وترميم لظواهر الاختلال، أو مقدمات المرض، والقيام بهذه المهمة يحتاج إلى مؤسسات متخصصة تضم عددا كافيا من الخبراء المختصين يتناسب عددهم مع عدد الأمة.

ولعله من الموضوعية أن نقول : إن الأمم الغربية المعاصرة قد انتبهت إلى الملاحظة الثالثة، وأقامت المؤسسات المتخصصة التي تفحص نشاطات الأمة بمختلف الوسائل العلمية، كالبيانات الاستطلاعية، والدراسات الاحصائية، والاستفتاءات، والتنقيب في ثمار الخطط، وتقويم المشروعات، وفي جميع هذه الوسائل، توفر لها حرية النقد، والتعبير، والتشخيص، لأنه بدون هذه الحرية لايمكن أن يكون هناك تقويم وتصحيح.

د.عرسان الكيلاني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *