اخراج الأمة المسلمة وعوامل صحتها ومرضها


المرحلة الثانية : مرحلة مرض الأمة (مرحلة الدوران في فلك الأشخاص)

يُرمز إلى مرحلة مرض الأمة في الشكل رقم (1) (انظر العدد السابق) بالمستطيل ب ح د هـ. وتتحول الأمة إلى هذه المرحلة حين تصبح حقيقة ” المثل الأعلى” الذي يوجه الحياة فيها هي :

= دوران “الأفكار والأشياء” في فلك “الأشخاص” =

ويبدأ الدوران المذكور حين يتغير مفهوم حمل “أفكار” الرسالة، فيصبح “مكاسب” يسعى “أشخاص” العصبيات القوية إلى “إجبار” الآخرين على الاعتراف لهم ب “ملكيتها”، والتمتع بثمارها في الجاه والمال والنفوذ بعد أن كانت “مسؤولية”، و”أمانة”، “يخلف” أفراد الأمة الرسول في حملها ونشرها. والمحصلة النهائية لهذا التبدل في القيم الاجتماعية، هي اختفاء “الخلافة الراشدة”، وظهور ما يسميه الرسول[ ب “الملك الجبري” الذي يلغي الشورى وحرية الاختيار، ويجبر الأمة على المنهج الذي يضمن مصالح “أشخاص” العصبيات في الحكم والتملك. وتتفاوت دوائر” الملك الجبري” في الأمة بتفاوت سعتها ومقدارها، فتبدأ من الأسرة أو المتجر أو الوظيفة، حتى تبلغ أقصى سعتها في صلاحيات الحاكم. وهذا التجانس بين قيمة ـ الملك الجبري ـ وقواعده، يندرج كذلك تحت قوله[ : “كما تكونوا يُولِّ عليكم”.

ونجاح “أشخاص الملك الجبري” في توجيه سلم القيم في الأمة عند المحطة الزمنية (ب) في الشكل رقم (1)، يهيء إلى انحسار عناصر الأمة، أي عناصر : الإيمان، والهجرة، والجهاد، والإيواء، والنصرة، والولاية، من دائرة “الأفكار” إلى دائرة الولاء ل” الأشخاص”، واستبدال محتوياتها الفكرية بمحتويات “شخصية”. وتكون المحصلة النهائية لتفاعلاتها هي ـ الولاء للأشخاص ـ. وبذلك يتغير تكوين الأمة لتصبح معادلته كما يلي :

الأمة = الولاء للأشخاص (إيمان + هجرة ومهجر+جهاد ورسالة+ إيواء+ نصرة)= إيمان بالأشخاص + هجرة للأشخاص+ جهاد للأشخاص+ إيواء للأشخاص+ نصرة للاشخاص.

والولاء ل “الأشخاص” له دوائر بعضها أضيق من بعض. فهناك الولاء للقوم، والولاء للإقليم، ثم الولاء للعشيرة، أو الطائفة، أو الحزب، ثم الولاء للأسرة، ثم ولاء الفرد لنفسه.

ويصور الشكل رقم(1) أولى دوائر الولاءات المشار إليها : أي دائرة الولاء للقوم، أو الطور الأول من أطوار مرض الأمة.

الطور الأول :

طور الولاء للقوم

حقيقة “المثل الأعلى” الموجه لحياة الأمة في هذا الطور هي :

– دوران “الأفكار والأشياء” في فلك “أشخاص” القوم ـ

واتصاف المثل الأعلى بهذه الصفة، يؤدي على انحسار عناصر الأمة أي عناصر : الإيمان، والهجرة، والجهاد، والإيواء، والنصرة، من دائرة “أفكار الرسالة” إلى دائرة “أشخاص القوم”، واستبدال مضامينها الفكرية بمضامين قومية. وتكون المحلصلة النهائية لتفاعلاتها هي -الولاء للقوم- وبذلك يتغير تكوين الأمة لتصبح معادلته كما يلي :

الأمة= الولاء للقوم (إيمان +هجرة ومهجر+جهاد ورسالة+إيواء+نصرة)

= أفراد يؤمنون بالقوم+ هجرة قومية+جهاد ورسالة قومية+إيواء قومي+نصرة قومية.

أما دائرة “أفكار” الرسالة، فتتحول صلة الأمة بها إلى صلة “نفاق”، لا صلة ولاء.

أي تتحول إلى أفكار مخزونة “تتفق” عند الحاجة من أجل نصرة محور الولاء ل “أشخاص القوم”، وقد يبقى  في الأمة أفراد أو جماعات تدور في فلك “أفكار” الرسالة، ولكن دورانهم هذا يضعهم في “غربة” عمن حولهم، ولا يخرجون في كل تفاعل اجتماعي إلا بالخيرات السلبية ومشاعر الإحباط والأسى والعدمية.

وفي هذا الطور، تتعدد -محاور الولاء- تبعا لتعدد الأقوام المكونة لأمة الرسالة، بدل الولاء للأمة الواحدة، وتنشأ عن ذلك مضاعفات مرضية في الخبرات الاجتماعية، والكونية، ومستوى القدرات العقلية المتفاعلة في الأمة، تتمثل فيما يلي :

أ- مضاعفات المرض في مستوى الخبرات الاجتماعية والكونية : ينحسر مستوى  التفاعل مع الخبرات الاجتماعية والكونية في هذا الطور، تبعا لانحسار “المثل الأعلى”. ويكون التجسيد العملي لهذا الانحسار في ميدان التربية والعلم، فتتغير فلسفة التربية وأهدافها، إذ “يقرأ” إنسان التربية في هذا الطور “باسم قومه”، أي لرفعتهم وتمكينهم في الهيمنة والتملك، وكذلك يفعل “العالم”. ويكون لهذا التغير نتائج هي :

> النتيجة الأولى : هبوط مستوى المعرفة من دائرة الأفكار إلى دائرة الأشخاص، ومن اكتشاف الحقائق الجديدة إلى مجرد “الإخبار” بما أنتجه السلف السابقون.

> والنتيجة الثانية : ضيق دائرة المعرفة عن سابقتها، لتتحدد في “فقه” مرحلة الحياة، تاركة قضايا النشأة والمصير للمتزهدين المنسحبين من الحياة، بانتظار العدل الأخروي، ومن الدائرة الإنسانية التي تعالج قضايا الإنسان خارج حدود الزمان والمكان، إلى الدائرة القومية التي تحدد المعرفة داخل الحدود العرقية والتاريخية.

>والنتيجة الثالثة : دحر فقهاء “أفكار” الرسالة ومربيها ومؤسساتها من مركز الاجتماع البشري إلى هوامشه، ومن مواقع الحياة القائمة إلى غيبيات لا صلة لها بمسيرة الإنسان في مراحل النشأة والحياة والمصير.

> والنتيجة الرابعة : ظهور “فقهاء أقوياء القوم” المتربعين على مراكز النفوذ. وحلول هذا النوع من الفقهاء محل “فقهاء الرسالة”، يشكل تحولا جذريا في التربية والفكر، فهو يُحل “فقه النزعات القومية” محل “الفقه السنني”. والفرق بين النوعين هو أن “الفقه السنني” يستنير بآيات الوحي في الكتاب، “ليقرأ” سنن الاجتماع البشري وقوانين الخلق في الآفاق والأنفس. أما “فقه النزعات القومية” فهو يؤول أيات  الكتاب ويحرفها عن مواضعها، لتبرر إرادات أصحاب القوة والنفوذ، دون نظر في آيات الآفاق والأنفس.

وإلى  هذا التغيير والزوغان يشير قوله تعالى :  {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم}(الصف : 5)، {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه}(آل عمران : 7).

أي فلما زاغوا -أي تحولوا- عن الدوران في فلك “أفكار” الرسالة، عملت سنن الله عملها في تحويل قدرات العقل والإرادة في قلوبهم، فصارت تتحرى المتشابه من آيات القرآن لتأويله، وتبرير الدوران في فلك “الأشخاص” ومصالحهم. ومن هذا الزيغ كان تحذير الرسول[ من أن القرآن والسلطان سيفترقان، وأن على المسلم أن يدور مع القرآن حيث دار، كما مر في حديث سابق. وحدوث هذا الزيغ يفضي إلى نتائج خطيرة هي :

1- يتجزأ “الفقه”، ويُقضى  على وحدته. فيكون هناك “فقه” للحياة كما تودها إرادات أصحاب القوة، و”فقه” ينحسر إلى ميادين النشأة والمصير دون مرور في محطة الحياة.

وينمو “فقه” المظهر الديني للعبادة، وينحسر “فقه” المظهر الاجتماعي، لأن إرادة الجالسين في مراكز النفوذ تتطلع للبقاء طليقة من أي “فقه” يقيدها في التصرف بشؤون الحياة والاجتماع. وانحسار”فقه” المظهر الاجتماعي للعبادة، ينعكس على “فقه” المظهر الكوني، فبدل أن يكون بحثا عن آيات الله في الآفاق والأنفس، يصبح تطويرا لوسائل الهيمنة على البشر، وبدل أن يكون “تسخيرا” للمخلوقات لخدمة الإنسان، يصبح “تسخيرا” للإنسان والمخلوقات سواء، لإرادات أصحاب القوة والنفوذ.

2- تفضي النتيجة الأولى  إلى نتيجة ثانية، هي وقوع الانشقاق بين “أهداف الحياة” التي توفرها العلوم الدينية، وبين “الوسائل” التي توفرها العلوم الطبيعية، وينقسم المشتغلون بالعلوم إلى قسمين : أناس يشتغلون بأهداف بلا وسائل، وأناس يشتغلون بوسائل لا أهداف لها. وتمتد هذه الانشقاقات إلى مناهج الفهم، حيث يجري تأويل الأفكار والمبادئ تأويلات شتى طبقا “للولاءات البشرية”، وبذلك تشتغل المؤسسات التربوية بمنجزات الأشخاص، وتنمية الولاءات لهم، وتثور الخصومات الجدلية التي تثيرها الولاءات. وإلى هذه الانشقاقات يشير قوله تعالى : {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء}(الأنعام : 159).

ب- مضاعفات المرض على “القدرات العقلية” و”الإرادة العازمة” و”القدرة التسخيرية”:

تفضي مضاعفات الدوران في فلك “الأشخاص”، إلى النيل من حرية “القدرات العقلية” عند كل من -إنسان التربية والعالم- وإعاقتها عن النمو السليم، مما يتسبب في ضمور القدرات العقلية العليا، كالتحليل، والتركيب، والتقويم، والاقتصار على قدرات الحفظ والاستظهار، والفهم والتأويل، ويكون من نتائج ذلك ظاهرتان رئيستان:

>  الأولى، نقص في الإرادة العازمة، والقدرة التسخيرية عن مستواهما في مرحلة صحة الأمة، وولادتهما بصورة غير عازمة ولا تسخيرية، وبالتالي لا ينجبان ـ العمل الصالح ـ بالدرجة التي كان عليها  في مرحلة ـ صحة الأمة ـ أي أن مؤسسات التربية تتوقف عن إخراج الإنسان الصالح بالصورة التي كان عليها في مرحلة ـ صحة الأمة ـ.

> والظاهرة الثانية، هبوط مستوى الحماس للمعرفة والبحث، ولذلك يبدأ التقاعس، والميل إلى التقليد، وعدم التجديد، والجري وراء الألقاب واليافطات، أكثر من الأعمال والمنجزات. ويكون من نتائج ذلك : توقف المؤسسات التربوية والعلمية عن “الهجرات” العقلية والنفسية. أي تتوقف عن التجديد في الفهم، وتتخلف عن مواكبة الشؤون المتجددة التي يطرحها الله في الخلق الجديد المتجدد، وتبذر بذور الآبائية، وتضعف الجاذبية الحضارية، فتتوقف ـ هجرات العقول الرافدة ـ المتشوقة للمشاركة في حمل الرسالة، ويتوقف تجديد شباب الأمة ومواردها البشرية، ويتحول “المهجر” إلى “وطن” مغلق راكد الحركة، سوى ما يكون من تنافس “الأقوام” وتناطحها بسبب الولاءات القومية المتباينة..

ج- اضطراب مستوى  التفاعل مع الرسالة (اضطراب شبكة العلاقات الاجتماعية) :

في هذا الطور المرضي، يصيب الخلل التفاعل مع الرسالة، أي ممارسة الحياة طبقا لنموذجها، بالقدر الذي أصاب الخلل “المثل الأعلى” في الأمة، ويظهر هذا الخلل في اضطراب شبكة العلاقات الاجتماعية في الداخل والخارج، وبذلك تتشكل هذه الشبكة كما يلي :

– تصبح رابطة “الإيمان بالولاء للقوم”، هي المصدر الذي يحدد “جنسيات” الأفراد، و”ثقافاتهم”.

– يتحول المهجر إلى “وطن” مغلق، يقتصر على المؤمنين برباط الولاء للقوم.

– يتحول “الجهاد” إلى بذل أشكال الجهد لرفعة القوم، وتفوقهم على بقية الأقوام في الداخل والخارج.

– يقتصر”الإيواء” على من يدورون في فلك الولاء للقوم، الذين يتسلمون زمام القيادة، ويتفوقون على غيرهم من الأقوام المكونة للأمة.

– تتحول “النصرة” إلى نخوة قومية، هدفها نصرة من يدورون في فلك الولاء للقوم.

– تتحول “الولاية” من الاهتمام بشؤون أمة المؤمنين، إلى الاهتمام بشؤون القوم.

وتشكيل محتويات عناصر الأمة بهذا الشكل، يؤدي إلى  قيام مؤسسات وتشكيل شبكة علاقات اجتماعية توجه النشاطات كما يلي :

1- في البيئة الجديدة ـ بيئة الدوران في فلك أشخاص القوم ـ تنحسر معاني الرسالة، فيحذف من “الأمر بالمعروف” كل ما ينال من إطلاق أيد “أشخاص القوم” الأقوياء ـ الأثرياء، ويضيق معنى “النهي عن المنكر” ليسقط منه كل ما ينال من أخطاء “أشخاص القوم” الأقوياء. ويضيق معنى “الإيمان بالله” ليقتصر على المظهر الديني للعبادة  دون المظهر الاجتماعي الذي يسوي “أشخاص القوم” الأقوياء مع نظائرهم غير الأقوياء والضعفاء.

2- يتبدل سلم القيم في الأمة، لصبح محوره : “القوة فوق الفكرة”، الأمر الذي يجعل ـ أولو الأمرـ هم أهل القوة بدل أهل الفكر، وتصبح وظيفة “مؤسسات النصرة” : تطبيق الحدود الشرعية لتنفيذ إرادات أهل القوة بدل قيم الرسالة.

3- تنقسم الأمة ـ من الناحية العملية ـ إلى عدة أمم قوية أو شعوبية، تتنافس من أجل “الإيواء”، وموالي “يجاهدون” من أجل المشاركة في هذه المنافع.

4- تبذر بذور قومية “الجنسية” و”الثقافة”، بما فيها القيم، والعادات، واللغات، والفنون، وغير ذلك، مما يهيء لظهور حركات الانفصال والنزعات الإقليمية، ويضغط على حدود “المهجر” الواحد لتفجيره إلى عدد من الأوطان.

5- تتحدد مكانة الأفراد في الأمة، ومسؤولياتهم طبقا لأصولهم القومية، ومكانتهم الاجتماعية، ومواقعهم على دوائر الولاء للقوم، أو الإقليم، أو العشيرة، أو الأسرة، دون اعتبار لمقاييس الفكر والقدرات الفكرية، والولاءات الإسلامية، إلا بمقدار ما تمليه الضرورة في تأمين الولاء لأشخاص القيادة، واستقرار نفوذهم.

6- تهتز مكانة العدل في الأمة، وتبذر بذور الظلم، وتفقد قيم الرسالة فاعليتها وتأثيرها، وتتحول إلى قيم مخزونة في مخازن التراث، “ينفقها” الأقوياء لتبرير هيمنتهم واحتكارهم. و”ينفقها” المستضعفون لاستجداء ـ أشيائهم ـ، مما يمهد إلى ظهور “قيم كفرالترف”، و”قيم النفاق”، و”قيم كفر الحرمان”، التي تفترس المظلومين من أذكياء الأمة ومحروميها(1).

7- يتحول “ولاء” عامة الأمة وحبهم وطاعتهم، إلى “الأشخاص” الأقوياء، الذين يحتكرون “الأشياء”، ويتحكمون بمصائر “الأشخاص” الأتباع. وبذلك يتحول الناس من تأليه الله مصدر الرسالة -أي حبه وطاعته- إلى تأليه -الأشخاص الأقوياء- وتتحرك إرادتهم إلى المدى الذي يحدد هذا التأليه. وبذلك تنتقل الأمة من صفاء التوحيد، إلى شرك الصنمية : صنمية الأشخاص التي أطلق القرآن عليها اسم ـ صنمية الأنداد ـ وتبتكر رموزا جديدة للصنمية تتلاءم مع روح العصر وثقافته واتجاهه. بذلك تتحول الأمة من “أمة رسالة” إلى “أمة سدنة”. والفرق بين النوعين من الأمة، أن الأولى تضحي بالأموال والنفوس في سبيل الرسالة، بينما “تنفق” أمة السدنة أفكارالرسالة لتنال السلطان، وتجمع المال وترفه النفوس، ويتحول فيها العلماء ورجال الفكر ومؤسسات التربية إلى التعلق برسوم العلم ومظاهره، ويشتغلون ب”فقه” الأشكال بدل “فقه” الأعمال.

…………

1- للوقوف على تفاصيل الأنواع الثلاثة من ـ القيم ـ راجع كتاب ـ فلسفة التربية الاسلامية ـ للمؤلف.

د.عرسان الكيلاني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *